لمسات في تاريخنا المهمش ذكريات معركة حلحل - الجزء الخامس

بقلم المناضل الأستاذ: أحمد هبتيس - كاتب ارتري، ملبورن أستراليا

للتذكير قد توقفنا في الجزء السابق في معسكر (بيان) وقبل الحديث عن معسكر بيان نعود بالقارى قليلاً

إلى إلوراء فترة الستينات لنعطي خلفية تاريخية عن تجربة الثورة الارتريه مع شعبها في خندق واحد.

وأنا لم أكن أفضل من غيري لمعرفة هذا التاريخ البطولي مالم أكون أقل، ولكن للتذكير فقط حتى وان قلة المعلومة تكون اضافه لجيل المستقبل.

وأنا لست من النوع الذي يبالغ بالاهتمام بما أقوم به بل هي مجرد محاوله، وحديثي هنا حول مرحلة زمنية قصيرة من تأريخ نضالات شعبنا العريق في عهد الثورة وبالتحديد في منطقة جغرافية مُعينه من أرض الوطن. وبالتأكيد كل واحدئٍ منا له ذكريات حسب موقعه وتجربته، عن الأحداث التي اللمة بشعبنا ووطننا الغالي، فنحن مجرد نَذّكُر بعض نماذج من هذة التجربة.

عندما كآنت الجماهير في عمق النشاط وأُهْبَة الإستعداد لمجابهة المصاعب و المخاطر بكل جُرى حباً وادراكاً بقيمة الوطن، هذا دل إنمايدله أن هناك توعيه وتوجيه سليم من قبل المسؤولين بالمنطقة، والكادر المؤهل لربط جماهير الريف ب جماهير الحضر، عبر اللجان الشعبية والمراسلين ذَوي المعرفه والمقدرة، لتبادل المعلومات، وجلب الإمدادات العينية، على سبيل المثال السكر وحب الشاي والسجائر وغيرهِ من البضائع الخفيفة،

فعندما يتحرك جيش العدو الأثيوبي أو عندما يشعرون ناس المدينة بقدوم جيش إضافي أو أي استعدادت العدو للخروج إلى الريف، او إلي مناطق أخرى،
مثلاً أي تحرك من كرن إلى الشمال أوالغرب من المدينه، هناك المرابطين لأي تحرك محتمل يعطوا الإشارة، لي ناس الضواحي وناس الضواحي بدورهم يعطوا إشارة خلفهم، للريف، وهكذا، أي قريه تبلغ الاخري لأي خطر قادم.

فترة الستينات كان في البلد استقرار نسبي وحضور بشري، والوضع الاقتصادي كان شبيه ميسر بوجود الثروه الزراعية والحيوانية، وكل هذا كان عامل مساعد لحماية الثورة في الجانب الأمني والغذائ، بدليل أي تحرك العدو كان يكتشف بأسرع وقت وبكل سهوله، وتعمل الناس احتياطات وتُبعد إذا هناك جنود في إجازات أو مرضى أو جرحي أو غير ذلك من القرئ الامتأخمة للطرق الرئيسيه، تبعد كل شيء عن الطروقات فهذه الاحتياطات كان جيش العدو يتوجس منها خوفاً ورعباً عندما لا يجدون الناس في أطراف الطرقات، هكذا كان العمل منظم مع كامل النشاط وحماس في كل الأصعدة، ولكن هذا لا ينفي بوجود بعض الأخطاء في العمل، بل الإيجابيات كانت تغطي العيوب والتقصير.

اما وجود معسكر (بيان) بالتأكيد كان له تأثير كبير لأنه موقع هام للتجمع وبسبب معسكر (بيان) قد انخفض مستوى النشاط والتجمعات في حوالي (بيان)
و لقد أرْغُموا سكان باب جنقري للرحيل من المناطق القريبه (لبيان) ولجأوا إلي الجبال بعيداً عن الأنظار، والإقامة هناك.

ونحن في فترة موسم الزراعة كنا ننام في قمة (جبل حسأبأي) حيث تقيم بعض الأسر هناك، خوفا من العدو الأثيوبي، وبعد صلاة الفجر نذهب إلى (دلحش) ونأتي بالمياه للشرب ثم ننزل إلي المزارع، وطول النهار في العمل، وهناك أناس دائماً جاهزين لا يغفلون عن مراقبة الطريق، من مواقع مختلفه تحسباً قدوم العدو الأثيوبي، في أي لحظه، وفي المساء نصعد إلي الجبل، وإذا أحد منا ضلَّ عن الطريق يجد صعوبة للعودة، الجبال شاحقة والغابات وعرة وصخور.

الحديث عن (بيان) وحولها يطول والمنطقة بصفه عامه بداءً من (حملمالو) إلى (سانقه) أو إلي (قميلة قوم) كانت المنطقة ملتهبه بالمعارك بشكل مستمر، والجماهير صامدة برغم المعاناة كانت تتقاسم النؤنة القليلة مع الثوار، إلي جانب حفظ الأمانات ومساعدة الجرحى والمرضى، ومراقبة أي هجوم محتمل،
وما زال حديثنا يتواصل حول فترة القيادة العامة، وبالتأكيد هناك حدثت تجاوزات و ربما وقع خلل فنى، أو أخطاء إدارية نظراً لقلة الخبرة، والمعرفة الإدارية، وكما أسلفنا الذكر أن جميع أعضاء القيادة العامة كانوا، عناصر شابه ومتعلمة ولكن ربما كانت تنقصهم الخبرة الإداريه، والسياسية.

كان من الممكن تجنب تلك الأخطاء أو معالجتها، بالتي هي أحسن، فيحينها لم تكن تستدعي الحاله، إلي ما ذاهبت إليه.

ولكن للأسف الشديد هناك نية مبيتة لإصطياد الأخطاء، استغلوا تلك الأخطاء، وفعلوا ما أرادوا، وها نحن في حصاد تلك النبتة.

من المفترض يتم حلها عبر حوار، وكان الخطأ بسيط جدا يتكون من نقطتين لا أكثر، و بسببها دفع الشعب الارتري الثمن الغالي، ولم تكن هذه النقاط أخطاء القيادة العامة وحسب، بل تتحملها كل قيادات والكادر المناطق الخمسة العسكرية لجيش التحرير، هي التي اتخذت القرارت في أثناء تحضيرهم، للمؤتمر التوحيدي.

الخطأ الأول أو النقطة الأولى، عدم اشراك المجلس الأعلى، و القيادة الثورية في المؤتمر، والخطأ الثاني اتخذوا قرار مُسبق قبل دخولهم لمؤتمر ادوبحا، بعدم ترشيح كل قائد للمنطقة ونائبهِ في القيادة الجديده، تلك النقطتين مصدرا الخلاف، وأكيد هناك كان شيئاً - في نفس يعقوب - وايضاً تم نقل الكلام من هنا وهناك، فخلق ذلك توتر ومشاحنات، وعلى كل حال التفاصيل موجوده، في أكثر من كتاب، وانا أشرتُ إلى هذا الباب أي إلي هذه النقاط لسببين، الأولى لتأكيد من أين بدأ الخلاف وتحول إلي انشقاقات لأنه بعض الناس يأخذون أطراف الاقاويل دون ان يدركون الصراع ويبنون على الباطل، والسبب الثاني مدى كانت تأثير هذه الانشقاقات على الجانب الجماهيري.

انا قد ذهبت إلى (السودان) تقريبا في أوائل شهر شباط/فبراير ١٩٧٠م، في أثناء تداعيات الانشقاقات، أول تكوين ما سميت البعثة الخارجية، وهو قرار يتنافى مع مبادئ و القرارات السابقه، التي على ضوئها تم تصفية حركة التحرير الارترية، تحت شعار "الساحة الارترية لا تتحمل أكثر من تنظيم واحد" اذاً كيف اتسعت الساحه التي كانت بالأمس لاتتحمل أكثر من تنظيم، يا ترى!!! العاقل لا يتناقض مع نفسهِ مرتين، ام زُين لهم حسناً ما فعلوا؟ وفيما بعد تم تأسيس (قوات التحرير الشعبية).

لقد حضرت واقع الانشقاقات بنفسي في (كسلا) كان وضع مؤسف ومؤلم الذي حدث عندما وقعت الخلافات، وانا كنت صغيراً فذاك الوقت، ولم يكون عندي خلفية عن تركيبة المجتمع الارتري جيداً، لصغر سني، و قلة معرفتي، و جدت الثورة (المضادة) يخاطبون الناس بشكل القبائل، وكل قبيلة يستقطبونها بطريقة مختلفة عن الأخرى، استخدموا جميع أساليب الخداع، على مستويات الناس وعقولها و حوائجها المادية، وكما اسلفنا الذكر الظرف الاقتصادي كان ضاغطا على جبهة التحرير، وبعض الجنود واسرهم وضعهم الاقتصادي كان سيئ للغاية، وثورة (المضادة) استغلوا الفرصه وصرفوا عليهم بعض تفاتيف من الأموال، وقالوا لهم للجنود القدامى نحن نعتمد لكل أسرة مصروفً شهريٍ، ولكم مصاريف الجيب، واخذوهم وسافروا بيهم، إلي (الخرطوم) ثم الي (عدن) ثم من هناك الي (دنكاليا) ولم يستمر الوعد، انقطع الرواتب عن الأسر بعد شهرين، وهكذا تأسست (تنظيم الثورة المضادة) تحت اسم جبهة التحرير الارتريه(قوات التحرير الشعبية، ) أيضاً هذه التسمية كانت لعبة أخرى على عقول الناس.؟؟

أنا شخصياً كنت أعرف منهم عدد كبير من أولئك الذين ذاهبوا مع تلك الحمله، ولادايع لذكر الأسماء، وتعتبر هذه الخطوه أكبر ضربه للثورة الارتري، وفتحت النوافذ لكل من كانت له هواجس لمثل هذا الفعل، وكلفت هذه العمليه ملايين الدولارات، تم توزيعها على السودانين واليمنيين وغيرهم لتسهيل الإجراءات، وذاك المسمار الذي قرز في عمق قلب الشعب الارتري، لم ميستئصال إلي يومنا هذا، بل تعمقَ أكثر فأكثر.

وهذا الموقف ترك أثرا سيئا وانكماش كبير في نفوس أصدقاء الثورة العودة إلى القيادة العامه، قاموا بأول الخطوه إلي الخارج كانت السودان، جلسوا مع الحكومة السودانية وقتها شباب مجلس قيادة الثورة (مايو) وربطوا علاقات جيدة معهم، وتم تكوين الوفد للذهاب إلى الخارج، برئاسة القائد الشهيد محمد احمد عبده، وعضوية كلاً من القائد عبدالله إدريس والقائد تسفاي تخلي، وسافروا إلي العراق ثم الي بيروت ودمشق ومنها إلى طرابلس ليبيا، ربما القاري يجدُ هذه الرحلة مكتوبةً في أكثر من كتاب عدا رحلة (طرابلس) غير مذكورة وانا هنا فضلت إضافتها ضمن الجولة، التي قاموا بها القيادة، لان هناك حصلت مؤامرة وعندما وصل الوفد إلي (طرابلس) لم يجدوا من يستقبلهم، لا من الحكومه الليبية، ولا من الإرتريين المقيمين في ليبيا،

تخيلوا من كان في استقبالهم امرأة الوحيده التي كانت في استقبالهم، واستضافتهم (المناضلة حرقو كنتيباي سمعلال حمبرة) كانت ممرضة في مستشفى (طرابلس) المركزي، وقامت بكل الواجب، من الضيافة و سداد تكاليف الفندق ومصاريف الطريق إلى العودة، وهذه القصه حكاها لنا شخص كان ضمن الوفد في تلك الرحلة، رحمة الله عليهم أجمعين، والمناضلة حرقو لعبت دورا كبيرا في تأسيس الإتحاد العام للمرأة الارترية وهي آلتي أسست فروع جبهة التحرير بليبيا.

وقد أثمرت تلك الجولة للقيادة العامة وزيارة العراق بصفة خاصة حققوا نجاح، ووجدوا منها دعم كبيراً، وواعدوهم بدعم سخي، ووافقوا لهم بمُنح دراسية، ودورة ظباط في مختلف التخصصات دورة متقدمه، لمدة ثلاثة سنوات، و عدد المشاركين فيهآ (23 مناضلاً).

ذهبت القيادة العامه إلي العراق في منتصف عام ١٩٧٠، وبذلت مجهود كبير في كافة الأصعدة، فقد أبلوا بلاءً حسناً برغم صعوبة المشاكل التي واجهتهم، في الداخل والخارج، الحروب مع العدو الأثيوبي والانشقاقيين، والمتمردين عن العمل، وهناك عدد كبير سلموا أنفسهم، واسلحتهم للعدو الأثيوبي، بشكل أفراد ومجموعات، وبعض العشائر، فضلاً عن الحرب الاقتصادية، والاعلامية، من قبل قوات التحرير الشعبية.. والعدو الأثيوبي كان له علم من خلال العُملاء، بمايجري في داخل الثورة، فمارس الضغط على الشعب الإرتري الغلبان.

أنا كنت في كسلا تلك الفترة، إلي نهاية شهر أيلول سبتمبر ١٩٧٠ يوم ٢٨ سبتمبر توفي الزعيم جمال عبدالناصر، ويوم ٢٩ تحركنا إلي الميدان ومعي ٣ شباب مدنيين أي شعب وواحد جندي، وهو المناضل أبوبكر عبدالله فكاك (قاشمه) هو الدليل يعرف الطريق، واسلوب التعامل مع الشعب، ونحن ذاهبون إلي اهالينا، وهو راجع من الاجازه إلي الميدان، ركبنا لوري من (كسلا) إلي قرية (حفرة) ومنها مشياً على الأقدام، وعندما خرجنا من القريه قابلنا بعض الجنود قادمين من الميدان، من ضمنهم المناضل ابراهيم علي نور، أعطاه الله الصحه والعافيه وعدد اثنين صحفيين راجل ومراة (خواجات) استفدنا من هذا اللقاء ووجدنا اخبار الميدان لنطمئن عن سلامة الطريق ثم وجدنا توجيهات من المناضل القائد ابراهيم علي نور وواصلنا الرحلة و مساء اليوم الثاني قبل صلاة المغرب نحن في (ساوا).

وبتْنا تلك الليلة مع جيش التحرير في (ساوا) اليوم الثاني بعد الفجر شربنا مع جيش التحرير شاي الصباح، ثم استأنفنا الرحلة كانت الرحلة طويلة جدا أحيانا لمَّاً نحس بالتعب وعطش و جوع يحصل بيننا الخلاف والشجار وتارة نتفق ونتسامح إلي نهاية المشوار.

على كل حال استغرقت الرحلة عشرة ايام، حتى وصلنا الي اهالينا، وعند وصولي مشارف (حلحل) أصبت بالدهشة، عندما رأيت القرى، التي كانت عامرة بأهلها، حول الطريق قد اندثرت وعندما أتيت (حلحل) كآنت الحالة فوق التوقعات، جميع سكان (حلحل) وضواحيها، ارغُموا للسكن في حوالي منطقة (فيشو) بكل الاتجاهات داير مايدور إجباري (عد قسب) رأيت كل المنطقة مُغطيَ بالخيم، وبيوت عشوائيه، ورواكيب وبعض البيوت غير صالحة للسكن مع طقس (حلحل) البارد، وبعد يومين سجلت زيارة لبعض الأسر والأقارب، ومن خلال التجول اكتشفت ان جزء كبير من البيوت غير مسكونه، اصحابها أقامواها فذهبوا، وسكنوا كل واحدٍ منهم، فوق مزرعتهِ، وبعض الأسر، تركوا في البيوت أفراد، من العائله أو كبار السن، وهكذا تلا شت القرى الرئيسيه، في أنحاء البلد.

وكانت زيارتي لها أثر كبير للأسرة، برغم البلد خالي من الاحباب والأصدقاء، ونحن في هذا الحال أتي شهر رمضان المبارك، طبعاً ليس بنفسي الطعم والنكهة التي تعودنا عليها ولكن الحمد لله صمنا رمضان بخير وأمان، ولكن للأسف أيام العيد فؤجئنا بالمذابح التي وقعت على أهلنا في (بسك ديره) و (عونا) كانت هذه الكارثه، خاتمة أحداث عام ١٩٧٠ الأليمة.

لقد تطرقت إلي عدة أبواب من الأحداث المتعلقه بالوحدة، والانتكاسة التي تعرضت لها، وغير ذالك من الأحداث، وقد أكون مخطأ بعض الشيء، في تقييمي وتقديري وسردي للأحداث، فأرجو من كان له إضافه أو تصحيح، أن لا يبخل علينا وهذا تاريخ الجميع شريك فيه، بشكل أو بآخر، وكتابتي لهذا الموضوع تعتبر مقتطفات من مرحلة محددة وقطعة جغرافية معينة والتاريخ كبير يحتاج للباحثين ومؤرخين.. لا السياسيين ولا الحزبيين يُحسنون كتابة تاريخ الشعوب إلا ما ندر.

نواصل بإذن الله... في الجزء القادم

www.Samadit.com حامد إدريس عواتي   www.Samadit.com عبدالقادر محمد صالح كبيرى   www.Samadit.com محمد عمر أكيتو   www.Samadit.com إبراهيم سلطان علي   www.Samadit.com إدريس محمد آدم مندر   www.Samadit.com محمد سعيد ناود   www.Samadit.com أحمد محمد ناصر أبوبكر   www.Samadit.com عثمان صالح سبي   www.Samadit.com عبدالله إدريس محمد سليمان  

Top
X

Right Click

No Right Click