تأملات أحمد شريف في كتاب الرئيس إسياس أفورقي مسيرة قيادة الثورة والدولة

بقلم الأستاذ: أحمد شريف - خبير إعلامي وشاعر - ملبورن، استراليا

منذ عرفَ الإنسانُ الأولُ، طريقَه نحو (الكتابة)، في بلاد ما بين النهرين قبل نحو 5 آلاف عام،

مرَّت (الكتابةُ) بمراحل أربع. بدءا بالمرحلة التصويرية، ثم الإيديوغرافية (وضع الرموز)، ثم مرحلة الرسوم المعنوية، وأخيرا المرحلة الأبجدية. ونتاجا لتلك المسيرة الطويلة، احتل (الكتابُ) صدارةَ اهتمامات البشر، سيما بعد صدور الأمر الإلهي لخاتَم الأنبياء والمرسلين، سيدنا (محمدٍ) صلى الله عليه وسلم، بلزومية ومشروعية "اقرأ". رسولُه ونبيه الذي لم ولن تكن له أية علاقة بالقراءة والكتابة قبل الرسالة، ولم تكن مندوحةً له بعدئذٍ، وما ينبغي له، لحكمة ربانية. ثم عمَّد خصوصية (الكتاب)، ومكانتَه في الأمم، قول شاعر العربية الأول والأخير:

"أعزَّ مكانٍ في الُّدنَا سرجُ سابحٍ – وخيرُ جَليسٍ في الزمانِ {كتابُ}".

وقد تمظهر اهتمام المجتمعات بالكتاب بعدئذٍ، في ظهور أشخاص مختصين بالكتابة وفنونها، إلى أن أصبحتْ (الكتابة) مهنةَ استرزاق، يُستوظَفُ في فنونها، أصحابُ القدرات الكتابية دون غيرهم. فمنهم من كان يكتب لهذا المَلِك، وآخر للأمير ذاك، أو ذيَّاك الرئيس، شريطة أن تتوافر فيه، مهاراتُ الفن الكتابي، فضلا عن علمه بشتى فنون الأدب والمعرفة والعلوم المختلفة. وحيثما ذُكرتْ (الكتابة)، يُذكر [عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي] من أعلام الكتاب في القرن الثاني للهجرة، حتى عُرف بـ (عبد الحميد الكاتب). وكوكبة من الكتاب المهرة الحذاق حفلت بهم أروقة الكتابة.

كان ذلك قبل أن تفتـقدَ (الكتابةُ) خصوصيتَها وحظوتَها في المجتمعات. أمَا وقد اختلط الصالحُ بالطالحِ، وتسلَّق شأوَ الكتابة من تسلَّق، دونما امتلاكٍ للدربة والثقافة، سيما أولئك الذين تعاطوها دون تهيئة طَبْعِـيَّة، أملتْها عليهم رخصُ المداد، على رأي الأستاذ (الزيات)!!، وما أرخصها في عصر تكنولوجيا المعلومات. هذه التي فتحت الباب المـُحصَّن، لكل من هبَّ ودبَّ. تلك الآفة وأخواتها، وضعتْ (الكتبَ) في مصاف واحد. سواء كتبتها أقلامٌ ذوي العقول المطبوعة بالفكرة والثقافة والجدية، أو كتبها أصحابُ التطفل والاستسهال، أو زمرتهم من سماسرة وتجار (الكلمة)، حيث تساوى الغث بالسمين، وهو إحدى مأساة وطامة عصر تكنولوجيا المعلومات.

وسط هذا الناتج المتلاطم في المطابع والمطالع، تنزَّل في يديَّ "إهداءً" من مؤلِّـفه، كتاب "الرئيس إسياس أفورقي... مسيرة قيادة الثورة والدولة" للدكتور/ عمر زرآي، طيب الذكر. الكتاب في طبعته الأولى، 2022 لمؤسسة "هادي برس" على رقم إيداع دولي، من الحجم المتوسط، في 229 صفحة، بين دفتيه 221 عنوانا فرعيا، تناثرت في طيات الكتاب الرائد الهام.

أمسكتُ بالكتابَ بِكلتا يديَّ، وكأنني قد ضيقتُ وأزلمتُ بتلابيب وأنف من عناهُ الكتاب قيادة ثورة، ومسيرة دولة، على التناول المنطقي، وليس على التراتب الموضوعي أو العكس. وبينما أنا هكذا، اشرأبتْ أمامي، جبالٌ من أسئلةٍ حِداد، وتماوجتْ قدامي محيطاتٌ من استفهاماتٍ رجاج، ومثلهما، رتلٌ من التقدير والاحترام لجسارة الكاتب "د. زرآي" التدوينية التوثيقية لمثل هكذا إصدار مدلهم عظيم. سيما وأن الكتاب، يمثل أول اقتحام عربي لهذا الحصن الذي، تحاشاه حتى أولو التجربة والمعايشة، طوعا كان أو كرها، خوفا هو أو أمنا، جهلا به أو علما، لست أدري!!!

قلتُ في نفسي إن المؤلف، أكاديمي صقلته تجربتا (الماجستير) و (الدكتوراه)، وأن من عَـجَمَ عودَها، فقد عُـجِمْ. ومَا كلُّ من مرَّ بذلك الطريق الأكاديمي، من الجادين المفلحين، ولكنه أي كاتبنا هذا، حتما هو من الأولين السابقين. ورغما عن ذلك، فقد تسمرتْ عينايَ أمام صورة الذي سأرمز له في هذا التأمل بـــ "صاحب المسيرة". أجل أمعنتُ النظرَ في صورة "صاحب المسيرة" التي تم تخيرها بعنايةٍ من قِبَل المؤلف، وهززتُ الكتاب هزًّا. وقد تلفحتني لذةٌ فنيةٌ، أن وجدتُ ضالتي، في وضع (مقارنات) بين واقع سنحتْ لي الأقدارُ في زمنٍ نضيرٍ، أن أكون قريبا لا بعيدا، من سياسة ورؤى "صاحب المسيرة"، سواء في وزارة الإعلام، أو تفاعلات العمل السياسي المباشر وغير المباشر، أو العمل التثاقفي في بلد وشعب، ظلت تسيِّره عقليةُ وسياسةُ وأفكارُ ومشروعُ "صاحب المسيرة" لا غير، لقرابة ستة عقود "إسياس أفورقي".

إنها قراءة (تأمل) و "مقارنة" ليس في الأدب "المقارن" لكنها {مقاربة} بين واقعٍ وطنيٍ في بعده السياسي المعاش، وكتاب عنونه المؤلف بـ "الرئيس إسياس أفورقي... مسيرة قيادة الثورة والدولة"، ويبدو من الوهلة الأولى كما لو أن في المسألة تناقض وتعارض!!! وأزعم أن المؤلف ما انفك على يقينٍ قاطع، أن العنوان نفسه، سيفتح عليه ريحًا، بل عوالم من النقدِ، والقدحِ، والشنآنِ، والاتهاماتِ، والكاتب أحسبه منها "براء". أما وأن الكاتب، قد أدخل فكره وعقله طواعية وبلا إكراه، مدخلا خطيرا، حيث ولج ما لا يُدَّخل، فعليه تحمل وزر هذا النقد، و ذلك الاستهجان، وبينهما التجهيل في غير موضعه؛ لأنه اقتحم الـمَخُوفَ الـمَهُوبَ. وحسبه أنَّ "من قصد البحرَ استقل السواقِيَا". علما أن مرجعية مؤلفه الخطير هذا، توزعتْ بين، كتبَ، ومراصدَ إعلامية، وبياناتٍ، وأبحاثٍ، ومقابلات بحثية مقروءة ومسجلة، باللغات، العربية، والإنجليزية، والتقرنية، جاءت في بضع وستين مرجعا أو نحوه فقط لا غير.

من هنا تبدو إشكالية (الكتاب) في هذا المؤلف، الذي أصنفه مطمئنا بـ (المؤلف الكشفي)، سيما وأنه الأول من نوعه، من حيث جنس اللغة. ولا أعني هنا اللغات التي يتم التأليف بها فحسب، بل الأسلوب الكتابي الذي تخيره الكاتب باقتدار مدهش؛ قصدا كان أو تماهيا؛ ليثير حفيظة القراء، وهي إحدى قوة وفصل الخطاب في كتابه الرقم كما أراه. علما بأنه الوثيقة العربية الأولى، التي ترصد مسيرة "صاحب المسيرة" والتواريخ التي ينتمي إليها صاحبُها، تأثرا وتأثيرا، لفترة تمتد من عام 1555- وحتى تاريخه 2022.

الكاتب رصد كل هذه المدة الزمنية وما يتعلق بصاحبها، حتى لو ظن بعض القراء، أن هذه المدة مبالغ فيها. لكني أقول إن التاريخ سلسلة حلقات مترابطة.

رصد الكاتب تاريخ "صاحب المسيرة" بمراجع معدودات؛ ليخرج إلينا القلم الفحل، بمرجعٍ موثقٍ، نحاججُ به في المحافل ومراكز البحث العلمي، وأروقة المعارف أيا كان موقفنا منه. منجزه هذا بلا مراء، يشكل عندنا نحن الجادين العقلاء، إنجازا أقرب إلى (معجزةً) كتابية ليس قبلها ولا بعدها، في عالم (إرتري) أدمن، وتخم، من ثقافة شفاهية محضة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى. أن قد أصبح المتفرجون أبطالا، أمام من نسف هذا السكون، اجتهاد وانتاجا!!! إلى ذلك فإن "صاحب المسيرة"، شخص تضاربت بشأن منبته وجذوره الأقلامُ، وتلاسنت في مرابض بعده السياسي الأقوامُ، وتحاربت في مشاريع أجندته أولو الفيء والأزلامُ، وتصارعت في تلافيف نهجه الأجرامُ، وتباعدت عن فهم كنهه الأفهامُ، وتسابقت في عبادته الأقزامُ، وهو أي "صاحب المسيرة" قد أعلن حَـيْرتَه على لسانِ شاعرٍ عربي مجيدٍ ذات يوم:

نصَّبْـتُمُونِي إلاهًا دونما رُسُلٍ
أهكذا يُعْبَدُ السَّفَّاحُ والـجَـهِمُ!!!
أهكذا يُـرتَـجَى مَنْ أمنُهُ مَرَجٌ
مَنْ يومُهُ عِوَجٌ مَنْ دمُهُ دِيَـمُ!!!

القارئ يشتمُّ في الكتاب، عبقَ كاتبٍ أديبٍ من أول وهلة. ففي أول سطر في الصفحة رقم (1)، بدى وكأنه يروي قصة رومانسية، بطلها "صاحب المسيرة" بكل نعوته التي رماها في وجهِ شعبٍ، جثمتْ على روحه، أفعالُ أجندتِه غير الراشدة، لدى السواد الأعظم من أمته، للفترة الممتدة أعلاه. فقد اصطلى بـِحرِّها وبردها، أجيالٌ، بل توالت لعناتُ عليه، من جِبِلٍّ بعد جِبِلٍّ!! يقول الكاتب في سطره الأول: " الخامس والعشرين من مايو 1991، الشاب بهي الوجه، طويل القامة، إسياس أفورقي، ذو الخمسة والأربعين ربيعا، يتوسط رفاقه في جلسات المفاوضات في المائدة المستديرة في لندن." اهــ. إلى أن يقول في آخر صفحة من الكتاب: "شارف الكتاب على الانتهاء، بينما قصة إسياس أفورقي المثيرة للجدل لم تنته، فمغامراته تزداد، وعناده يقوى، والكل في حيرة..." اهــ
بين أحشاء الـ 220 صفحة هي متن الكتاب، اصطفيتُ أن أكون قارئا متأملا متدبرا، فوجدتُ فيه متنفسا رغم سوءات ما أعلم عن "صاحب المسيرة". عبر الصفحات تتبعتُ (سعيرَ) نتاج تجربة مسيرة ثورة ودولة؛ لرجل قبض كلَّ شيء في يديهِ، ولم يعط شعبه شيئًا من قطمير!! وجدتُ الكاتبَ، وقد تحرر من {عُقَّال}، جمع (عِقال) الانكفاء على التاريخ السياسي الذي مرتْ به إرتريا، وأعني بالفترات، الإيطالية، والانتداب البريطاني العسكري، والفترتين الإثيوبيتين. إذْ يقع كثير من الكتاب الإرتريين، في حبائل سردها، حتى يوشك بعضهم الخروج عن دائرة مؤلفه، ويعضون عليه، كما لو أن ذلك التاريخ الاستعماري، فاتحة أي كتاب، وفرقان أي تدوين!!!.

ذلك النحو، ميزة أحسن خرقها الدكتور الكاتب بحذاقة، رغم أنه تناول أبعادها في سطور محدودات، حيث دلفَ إلى مركز بطل (المؤلف الكشفي) "صاحب المسيرة". الفصل الأول، جذوره، وأسلافه، ثم هجرة الجد الأكبر (حقوص مراش) بعد صراع بينه وبين (الرأس ألولا) في الدفاع عن منطقة (تمبين) مركز السلطة في أثيوبيا التقراوية، حتى وقع أسيرا وقتل شنقا. وقد هرب الجد (أبرهام) أحد الأبناء الأربعة لـ(حقوص) نحو إرتريا، وبقاء الأسرة، و زوجته الأميرة (أدانيش منقشا)، حفيدة الإمبراطور يوهانس الرابع، وعودة الأميرة (أدنيش) بعد مقتل الإمبراطور (يوهانس الرابع) على أيدي قوات الإمام المهدي في موقعة (المتمة)، وعودة الأميرة مع أبنائها الأربعة إلى (تقراي) بينما بقي زوجها (أبرهام حقوص) جد "صاحب المسيرة" في إرتريا.

وأضاف الكاتب في سردياته، أنه بعد محاولات عدة، تمكن (أبرهام حقوص) جد "صاحب المسيرة" من احضار أبنائه من (تمبين) إلى إرتريا، وهما: (أفورقي)، و(مكنن) العم إلى أسمرا، ليعيش الجد (أبرهام حقوص) وأبنائه الأربعة في حي شعبي عريق (أبشاول)، حتى وفاته بعد عام في ذات الحي. ولم تجد الأسرة بُدًّا من دفنه في مقبرة كنيسة (القديسة مريم) (إندا ماريام) بأسمرا، بعد أن باءت كل المساعي لإيجاد مقبرة خاصة للأسرة الوافدة، خلافًا لما عليه العادة، حيث المُتوفى عليه أن يدفن في مقابر أجداده، حتى لو حُمل النعش عشرات الكيلومترات أو آلافا من الأميال إن كانت الروح قد قُبضت خارج القطر. فتم دفن الجد (أبرهام حقوص) مع العامة متساويا مع أولئك الغرباء من بني جلدته. كما ورد في الكتاب في ص (17). هذه الحلقة المهمة في منشأ وأصل (صاحب المسيرة)، وضعها الكاتب في مشهد ناطق!!!

مسيرة "صاحب المسيرة" وما لابسها، أو صاحبها من تعرجات حياتية خاصة، وتقلبه من شخص عادي كغيره من قرناء جيله، إلى نشأته في رعاية وكنف جدته (مدهن) المعروفة بـ (مدهن براد)، صاحبة المجد الزاهي كما وصفها الكاتب، ليتحول الرجل إلى (سلطة سياسية مطلقة). انفرد بشغل المناصب كلها لوحده (ثورة ودولة). ليس هذا فحسب، بل أدار عجل أزمنته كلها لوحده، بل تفرد في إدارة أزمنة الخلق الإرتري كلهم!! فمنذ خروجه من (الزهرة الجديدة) في بدايات ستينيات القرن الماضي، والتحاقه بالميدان ال ثايرا، وحتى تاريخه. أبعد من ذلك، فقد حير الناسَ في أمر نهاية مشروعه الذي رسمه ثورة ودولة في آن واحد!!! فقد فتـقـها الكاتب بطريقة تدعو إلى التأمل، حتى لو لم يدع إلى ذلك صُراحًا. "صاحب المسيرة"، الذي فتَّح عينيه، على نعيم لا بأس به، في منطقة شعبية، بل وتسمعتْ أذناه أصوات فتح وإغلاق أبواب أكبر سجون البلاد (كارشيلي)، شبَّ ليكون كما عبر الكاتب عنه، أسطورة زمانه في بناء السجون و المعتقلات التي لا يعلمها إلا الله وهو!!!

إن أبلغ وصف لحال شعبه الذي تحكَّم فيه "صاحب المسيرة" قهرا، وصلفا، وجبروة، أقول إن الشعب كله، يصطرخ في نار الوطن، ويقول بكرة وعشية، ربنا أخرجنا منها، فإن خرجنا فإنا آمنون!!! إن مواطني دولة الرجل الواحد، هو الشعب الوحيد على ظهر الأرض، الذي يُـهَـنَّـأ على مغادرته بلده، والأغرب، أن المغادر يتقبل التهاني بصدر رحب، وفرحٍ وسعادةٍ وحبورٍ مستطير!!!

سليلُ عمدة (تمبين) (حقوص مراش)، ابن يوهانس الرابع ملك ملوك أثيوبيا، أحد القادة في جيش (ألولا) على رأي البعض. ثم من ناحية أمه (أدانيش برهي قبري هوت)، التي أخذت من سحنة السبئيين الأعراب، بشرتها السامية الخالصة، ومن طابع أسمرا المدينة العصرية، تجرعت منها كأسا كأسا، حتى غدت مدنية متحضرة. هندامها جمع بين حسن الهيئة، واتزانا في السلوك والتعامل مع الناس. وهذا قول فيه موضوعية وحسن تصرف توثيقي حصيف لكاتب أمين، الدكتور (زرآي).

هذا الانتماء لـ"لصاحب المسيرة" قيادة وسلطة في موطن أجداه، أيا كان شكلها، قد يكون هو الذي اختمر في ذهن (صاحبنا)، أن يكون القائد الأوحد لكل شيء لا غيره. حتى لو كانت نشأته بين عيني جدته، ورعاية أمه التي لم يذكر رعايتها له في مشافهات الأولين، ولا كتب اللاحقين، تتناقض مع خلفيته ونشأته هذه.. ربما، هذه هي التي جعلت منه شخصية لا تشبه إلا نفسها، في (الأنوية) و(السايكوباتاية) و(الميكافيلية)، حتى أسس لنفسه مدرسة في النهج السياسي أسميها بثقة تامة (المدرسة الإسياسوية). وتأسيسا على هذه المدرسة، فهو على استعداد لتجاوز كل شيء، من أجل أي شيء خاص به.

"صاحب المسيرة" لا تعرفه حتى نفسه التي بين جنبيه. لمعرفة كنه (صاحب المسيرة)، عليك أن تكون قد أوتيتَ ما أوتيه النبيان سليمان، وداؤود، عليهما السلام. إذ لا يكفي أن تكون خبيرا في علم السياسة، والنفس، والاجتماع، وما تفرع عنهما. وأحسب أن كل من يزعم بأنه قد عرف هذا الـ (صاحب المسيرة)، معرفة حقيقية، ظاهرها وباطنها، يكون قد جانب الموضوعية تماما، إن لم يكن قد قاتل الحقيقة بعينها، قتال من لا يعرف للقتال طعما ولا مرسى.
ولأنه أي (صاحب المسيرة)، قد تولى أمر أمة من الناس، تسابقت إلى رحى الحرب جلبا للحقوق، وصونا للمكتسبات بعد، فيكفي تقييم سلوكه وتصرفاته في الشأن العام أي (الوطن) بكل دفعه وترديه، والكتابة عنها وعنه، تحتاج إلى شجاعة عقلية كهذه. وحتى هذا وعلى الرغم من وضوحه، فإنه أصبح شيئا محظورا؛ لأن "صاحب المسيرة" قد بنى بينه وبين شعبه، الذي يحكم باسمه، بل أصبح بتضحياته، امبراطورا لا ينازعه في عرشه أحد، أجل لقد بنى سُدًّا منيعُا، ممنوع حتى التفكير في أمره، حلما كان أو يقظة. فضلا عن الكتابة عنه. أما توثيق محطاته، فهي الخطورة بكل ما تعني المخاطرة. المألوف المحبوب هو أن تقف مع من ينتظر من الخلق الكثير، لمشاهدة فصلها الأخير فقط لا غير. أما غيرها، فهِيت! وكَيت!!! وليت!!! لا أن تكتب وتقول هذا كتاب صاحبكم الذي... والذي... والذي...!!!

استنطاقا للواقع، وربطا بما ورد في (الكتاب)، فإن شخصية (صاحب المسيرة)، تصدرت لقرابة 6 عقود، المراصدَ الإعلامية، والندواتِ السياسية، والمناسباتِ الاجتماعية - أفراحا وأتراحا -،بل حتى الأحلام لم تخل من أضغاثه. وأزعم أن خلقا كثيرا من شعبه، رآه في أكثر من رؤية منامية، وفق ما يتمناه أو عكس الأمانيات. ولو كان تكرار الاسماء خيرا كان أو شرا، يبني شيئا مذكورا، لبنى اسم "صاحب المسيرة" أمصارا ومدائن من اسمه فقط لا فعله.

إذ الملايين من الناس، في قطره الذي يحكمه بشرعية الثورة، وامتداداته هنا وهناك، التي يحكمها بفذلكات ومماحكات سياسية نادرة، كل هؤلاء أصبح جزءا من حياتهم. بل تسبب فيها هو، بشكل مباشر أو غير مباشر. فيما هم فيه من واقع بمره وحنظله، داخل القطر الذي لا أحد يرسم ملامحه غيره على الاطلاق. فكل شاردة وواردة، وصغيرة وكبيرة، تحت سمعه وبصره. حيث تمكن (صاحب المسيرة) بطريقة مذهلة، أن يفرخ ملايين من نسل فكره، وقد آمنوا بمشروعه طوعا وكرها، وهم قد كفروا بما آمنوا به من قبل! يتشبثون بأهداف ما اختطه من منهاج، وسلوك، في إدارة حياة شعب بكامله، وهو الذي حرمهم في وطنهم الظِلَّ، وسكب عليهم الحَرور.

(الكتاب) في فصوله الثلاثة، الأول عن (جذور وأسلاف صاحب المسيرة) والثاني عن (صناعة الدكتاتور)، و الأخير عن (إرتريا الحرة). يعتبر الفصل الأول أطول الفصول، بوصفه مركزية التأليف. لكني توقعتُ أن يكون الفصل الخاص بـ (صناعة الدكتاتور)، أقربه غزارة ورصدا وتحليلا إلى الفصل الأول أو أكثر؛ بوصفه أيضا "إشكالية الحكم والسياسة في إرتريا"، وهي التي جعلت من (صاحب المسيرة)، يحتل بؤرة اهتمام العالم المحلي، الإرتري، والإقليمي، والدولي. دكتاتورا عندنا هو من الدرجة الأولى، وقد يكون غير ذلك عند الآخرين، سيما (الكبار)، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى؛ لكشف ما هو مستور وغير مكتوب وغير موثق عن (صاحب المسيرة). هذا رغم الإشادة بما وفق فيه الكاتب، من جمعٍ، ورصدٍ، ونشرٍ، لكثير مما هو مجهول أو متداول بغير دليل ولا برهان، في أدمغة وأحاديث الخلق الإرتري تحديدا.

علما أن المعالجة في مجملها، جاءت بلغة جميلة نظيفة، لقضية ابتعدت بسنوات فلكية عن ساحة الجمال، ونظافة الفعل السياسي على وجه الخصوص. كما وفق الكاتب من خلال سرده الأنيق المشُوق، في فتح نوافذ من التشكلات غير الخيالية في ذهنية القارئ الحصيف، وهو يقضم صفحات (الكتاب) قضما؛ ليحيط نفسه بأسئلة جمة.

يا ترى، كم هي الأجساد التي سار على أنفاسها؛ "صاحب المسيرة" ليصنع مجده وسلطانه؟ وكم هي النفوس الصادقة التي راحت ضحية تنفيذ تعليماته ومخططاته، وتوارت عن الأنظار؟ وكم هم الذين تمكن (صاحب المسيرة) من تغييب شهاداتهم العيانية البيانية على هذه الجريمة أو تلك؟ والأدهى أن مسلسل الجريمة وصاحبها وتغييب أبطالها وأحيانا جمهورها، لا يزال على أشده في وضح النهار!!! والناس ينتظرون مفاجآت قدرية!!

استحسنتُ كثرة العناوين في الكتاب، حتى في الصفحة الواحدة. فالاكتفاء بما توافر من معلومات تم الحصول عليها بشق الأنفس، ثم تخطيها إلى معلومات عنوان فرعي آخر. هذه الرؤية أثْـرتْ الكتابَ، وساعدت على تواصل فكرة القراءة والتراتب الموضوعي. الكتاب عكس بطريقة واضحة، علاقة المؤلف بالمنهجية الكتابية التي هي أقرب إلى المنهجية العلمية. كيف لا وقد فتح البابَ على مصراعيه لذوي التخصصات العلمية، لصبر أغوار الديناصور السياسي هذا (صاحب المسيرة)، في دراسة علمية سواء في برنامجي الماجستير أو الدكتوراه، أو التأليف النقدي. فالبحث العلمي والالتزام بمنهجيته، سيحفظ للدكتور عمر (زرآي) ريادته لفك أو تدمير حصن (الامبراطور) (صاحب المسيرة)، المحفوف والمحاط بالألغام والمتفجرات، ويشجع كذلك على قراءة موضوعية للقيادة المسيرة بشكل أعمق.

أخلص إلى القول إن الدكتور (المؤلف) خرج من معركته التأليفية هذه، بجروح طفيفة. وهو خير الكاتبين. فمثل هذه القراءة، التي أصفها (مع غيرها المعدود) أنها من القراءات الجادة القليلة جدا، قد تعجل من شفاء جراحاته، التي تلقفتها ألسنُ العامة، فقط لأنه قال : (الرئيس) أو قال (قيادة) أو (الدولة) أو (الثورة) الخ. إن كل ما حواه الكتاب بين دفتيه، أحسبه قد جاء في تصالح منطقي مع الحيادية غير المطلقة، والموضوعية المتناهية في تناول شخصية غامضة. شحيح جدا الاعتماد على ما يلوكه الناس لوكا، في أحاديثهم دون تثبت. وأيضا أنه أي (صاحب المسيرة) لا تزال أجنداته تشغل حياة الناس، بل أصبحت جزءا مؤثرا ومثيرا في حياة الملايين. وأنه كذلك لا يزال يتنفس بعافية سياسية عنده، وعند غيره مرضا عضالا، لا يعجل من رحيله، ولا يبقي له صلحا مع شعبه وأمته. لكنه الحاكم بأمره. ويكفي المؤلف شرفا وفخرا، أنه فتح بابا، ظل موصدا لعقود، ليس في حيثيات الحياة فحسب، بل في عقول الملايين بمن فيهم البحاثة، والكتبة، والمؤلفين على حد سواء، وما كل سياسي عندنا بكاتب، وماكل من سيكتب عندنا بكاتب.

ما افتقده الكتاب:

• فضَّل الكاتب عدم نشر تعريفا خاصا به، ولو مقتضبا! بحثتُ عن مبرر مقنع، فلم أجده. إذ من حق القارئ، التعرف على من يقرأ له. فالكاتب لم يكتب لأصدقائه، ولا لأحبابه وخلاصه فقط، إنما كتب لعامة القراء، سواء من بني جلدته أو غيرهم. كما أن "صاحب المسيرة"، أمتدت أصابع أجنداته، ومَدَافِع أعماله غير المشهرة، ومشاريعه المتشاكسة، ومشاريعه غير الوطنية والإنسانية، إلى خارج القطر الذي يتصدر مشهده لوحده. أجنداته السرية والمعلنة، شملت أقطار بعينها، بل ضمت رعاية إدارته المُختَلَف حولها، ملفات خطيرة، سواء بالوكالة أو بالكفالة.

• الكتاب انعدمت فيه الصور أو الصورة تماما. كأنما هناك من أشار إليه بذلك. بل ربما حذره عن نشر أي صورة، حتى صورة الكاتب نفسه! علما بأن نشر الصور في الكتب، لا تأتي لزيادة حجم الكتاب. فالصورة هي من صميم محتويات الكتاب. بل هناك من لم لا يعترف بأهمية الكتاب، إذا ما خلا من الصور، خاصة في كتب السير والأحداث المتعلقة بالمدن والدول. الصورة تمثل الشاهد الناطق لسير لأحداث التي يرويها الكاتب من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعطي القارئ راحة نفسية، و اطمئنانا موضوعيا فيما يقرأ. وإذا كان الكاتب قد أراد أن لا يشارك "صاحب المسيرة" في كتابه بصورة له، حفظا لأشياء كثيرة، وبراءة من أشياء أخرى، فإن إرفاق الكتاب بالصور، لصيق بما هية الكتابة في الكتب، بل مهم للغاية، وما أكثر الصور للأحداث التي ضمها الكتاب، فهي منشورة بقدر ما نشر "صاحب المسيرة" من تناقضات وسيناريوهات وغيرها.

• كذلك خلا الكتاب من الملاحق سواء التي نُشرت في المراجع أو المراصد. خاصة وأن الكاتب اعتمد منشورات من الثورة الإرترية، وصحيفة إرتريا الحديثة، ومذكرات عن المناضلين، ووثائق، وتقارير خاصة بالمجال الحقوقي والإنساني على سبيل المثال. إرفاق الملاحق في نهاية الكتاب، أراه مهما للغاية.

• نهج الكاتب، منهج الدراسات الأكاديمية في عدم اهداء مؤلفه لمن يختصهم. هناك مدرسة لا ترى أهمية في تقديم اهداء إلى جهة مخصصة بل تحاربها، حيث المعرفة مهداة للجميع. لكن في كتب السير والأحداث التاريخية، في الغالب، تتقدم صفحات الكتاب، اهداءات إلى جهة ما أو جهات، تعكس توجهات ورؤى الكاتب، وشخوصا تحتل مراكز اهتمامات الكاتب والتأثر بهم. الكاتب هنا تخوف من الإهداء حتى لا يتبرأ من اهداه إليهم. فعممها، لكنه لم يسلم من قول هذا، وقدح ذاك. تمنيت لو أهداها ل"صاحب المسيرة ".

• انفرد الكاتب بقلمه في رصد مسيرة قيادة الثورة والدولة لـ "صاحب المسيرة" كما انفرد الأخير بمرحلتي الثورة والدولة. حيث لم يقدم شخصٌ آخر للكتاب - وهي ليست بالضرورة عندي - لكن في هذه الحالة، لو جاءت التقدمة من أصحاب التجربة ذاتها، أو نقيضها تماما، لأضافت شيئا هاما للكتاب. الكاتب وقف في الزاوية المحايدة، عدا ما فرضته عليه، تقييم التجربة أي تجربة "صاحب المسيرة" برمتها. فعكس وجه التجربة كما رآها. حتى عنَّ للبعض، وضع الكاتب مع الجبهة الحاكمة!!! وآخرون اختاروا له في المنطقة المناقضة لتجربة "صاحب المسيرة"!!! بل هناك من أعرض حتى عن قراءة الكتاب، وأطلق حكمه المسبق؛ لأن العنوان مستفز!! وهي في نظري قسمة ضيزى!!!.

إذ ليس من الضرورة إعلان الكاتب عن موقفه من المسيرة برمتها. يكفيه ما خطه حتى الآن، والقراء أحرار أن يضعوا الكتاب وليس الكاتب حيث ما شاءوا، وهذا ليس دفاعا عن الكاتب الذي لا يحتاج إلى مرافع أو مدافع.

• "صاحب المسيرة"، قاد الثورة و الدولة، بمعادلتين هما (القول، والممارسة). الكتاب تمكَّن من تغطية (الممارسة) لقائد المسيرة قدر المستطاع. حيث شملت فترة تربو عن (خمسة عقود). وأحسب أن "صاحب المسيرة"، قاد مسيرته كذلك (قولا). وهو المفتقد في الرصد. (فالرجل) كثير التصريحات الطوال، وشديد التقلبات والتناقضات الحبال، حتى في التصريحات والأقوال. فلو تمكن الكاتب من رصد (تصريحاته، واعترافاته، في المقابلات تحديدا)، وإن لم تكن للفترة كلها، على الأقل نصفها أو ثلثها أو ربعها، لخرج الكاتب بتحليلات أكثر عمقا، لسير المسيرة المتعرجة، أي (الأقوال والممارسة). حيث أشار الكاتب في المصادر، إلى حديث واحد فقط لـ "صاحب المسيرة" نشر على اليوتيوب، عبارة عن سمنار عقده عام 1989 في أمريكا.

• ما ورد في الكتاب من رصد للمسيرة أي قيادة ثورة ودولة لـ "صاحبها"، هي بحق مواقف ويوميات سياسية بالدرجة الأولى؟ لا أدري لماذا ختم الكاتب كتابه هذا، بوعد لرصد (المواقف واليوميات) في كتاب آخر؟ وإذا كان الكاتب قد توصل إلى كثير مما لم يورده عن (صاحب المسيرة) في كتابه هذا، أو أكتشف كنزا جديدا لمعلومات لم تنشر بعد، كان الأولى له، أن يعد القراء، بعبارات أكثر عمقا وبعدا، للتجربة أي الكتابة ذاتها، بدلا من حصرها في (يوميا ومواقف) . ثم ألم يكن أجدى وأكثر فائدة، لو تضمنها الكتاب الأول هذا؟ ويقينا أن تلك الكلمات التي نشرها الكاتب بشأن الـ (يوميات ومواقف)، لـ "صاحب المسيرة" لم تُعْلن سهوا، أو دون مراجعة على الاطلاق.

• أهمس في عقل المؤلف، بترجمة الكتاب إلى اللغة الرصيفة أي اللغة (التقرينية) ليس لأنها سيد الموقف اليوم فحسب، بل لجملة من المصوغات، أجلها أن ما كُتب حتى بلغة (التقرنية) عن (صاحب المسيرة)، فيما أعلم، قليله متناثر، وكثيره مفقود. وكل ما نُشر في غير هذا (الكتاب) لا يمكن اعتماده كشيئ يشار إليه أو يعتمد، مقارنة بكتاب: "الرئيس أسياس أفورقي... مسيرة قيادة الثورة والدولة". أيا كان موقفنا منه. تعميما للفائدة أولا، ثم لتأكيد أن ما ضربه (صاحب المسيرة) من أسافين بين مجتمع يتعاطى تثاقفه ومعارفه باللغة العربية، وآخر يستقيها باللغة (التقرينية). وكلاهما لا تجمعهما جامعة وطنية، ولا مشروع حضاري. وفي ترجمة الكتاب إلى اللغة الأخرى، قصدٌ شريف، وهدفٌ نبيل، هذا ما أرجوه قبل أن يعكف المؤلف، على أنجاز كتاب آخر، سيتناول فيه بالسرد لمواقف ويوميات (صاحب المسيرة)، سالفة الذكر.

أخيرا:
اتفقنا أو اختلفنا مع ما ورد في (الكتاب) وليس مع (الكاتب) تظل الشهادة البينة، أن (اسياس أفورقي)، قاد مسيرة ثورة، و لا يزال يقود مسيرة دولة. وإن تقييم المسيرة بشقيها سلبا وإيجابا، تبقى مسألة نسبية عند كل واحد منا، حيث لا توجد (حقيقة مطلقة) في العمل السياسي، رغم سفور مؤشرات عن تخبط لـ "صاحب المسيرة" هنا، وجرم، ومظالم، وكل ما هو خارج المشروع الوطني هناك. إنها إرتريا كـ (حالة) خاصة لا تشبه إلانفسها.

ما وراء التأمل: لصورة المؤلف الـمُفتـقَدة، أقول من باب التذكرة لا غير: إن الكتاب الحكيم (القرآن الكريم)، وهو أعظم كتاب نزل على الأرض، وقُرأ في الأرض والسماء، قد جمع في طياته، الإيمان والكفر، والمؤمنين والمنافقين، والمرجفين والصحابة، والمهاجرين والمخلفين من الأعراب، والأنصار وصناديد قريش، وغيرهم في كتابه العزيز. صحيح لم تُنشر صور أولئك، وأولهم المصطفى صلى الله عليه في القرآن، ولكننا نتصورهم في عقولنا. وإن لم نُعمِل ذلك، فإننا لا نتدبر القرآن الكريم. نشر صورة للمؤلف في صفحات الكتاب، لا تعني إطلاقا المشاركة في ما اقترفته يد ولسان وعقل "صاحب المسيرة" في المسرح الإرتري، أرضا وشعبا ومستقبلا.

Top
X

Right Click

No Right Click