رجل بأمة كنتيباي بشير فكاك محمد هداد آل ركا رحمه الله

بقلم الأستاذ: حسين رمضان - كاتب ارتري

كنتيباي بشير فكاك محمد هداد آل ركا هو علمٌ من أعلام الوطن يعرفه القاصي والداني في منطقة عنسبا

بشير فكاك محمد هداد آل ركا 1وضواحيها بل في ربوع أرتريا كلها بسهولها وجبالها ووديانها وقبائلها شيبها وشبابها تُعرف هذه الشخصية الإنسانية اللطيفة التي تستصحب معها دائماً بشاشة المحيا التي تعلوها ابتسامة عريضة وتواضع جم وألفة ومحبة يشعر بها الصغير والكبير فقلّ أن تجد شخصية مرموقة ومحبوبة مثله، ومن جانب آخر فقد حباه الله بقوة الشخصية والعقل والبدن وهو رجل المواقف والشجاعة في إتخاذ القرارات وحسم الخلافات فما من خلاف وإلا يجد له مخرجاً ونفوس الخصوم راضية مرضية بحكمه لا تأخذ في خاطرها شيئاً مما قضى به إن كان لها أو عليها.. وله قبول عجيب بين الناس وبني جلدته ولا يتجرأ أحد أن يخرج عن حكمه في القضايا الاجتماعية والعرفية والعادات والتقاليد لأنه كان عادلاً وأباً رحيماً ومربياً كريماً ومعلماً فطناً فتجد النفوس عنده برداً وسلاماً.

وأوكلت إليه إدارة "بيت تسأن" في وقت مبكر من عمره لما كان يتمتع به من شجاعة وحكمة وذكاء وفطنة، لذا كان الحصن الحصين والواجهة الراعية والعين الساهرة لكل سكان منطقته وما حولها فكان منزله مجلساً مفتوحاً لمن يطلب العدل والإنصاف.

وكان يتمتع بالحكمة وبُعد النظر وسعة الأفق فيما يجمع الناس ويصلح شأنهم ولا تأخذه في إحقاق الحق لومة لائم فهو مع الحق ولا ينساق خلف تأثيرات العواطف والمجاملات وله في ذلك مواقف كثيرة قد لا يسمح الوقت سبر أغوارها وليس هذا مجال سردها وسنذكر ما تيسر منها وكما يقال - ويكفي من العقد ما يحيط بالعنق - وأشير هنا إلى أعظم هذه المواقف التي كان يدافع ويستميت من أجلها مهما كلفه ذلك ألا وهي حماية مواطنيه في إطار الوطن الكبير ومنطقته عنسبا على وجه الخصوص وذلك إبان فترة الاستعمار الاثيوبي وما كان يمارسه هذا الاستعمار البغيض من القتل والتنكيل وحرق البيوت وسلب الممتلكات والإبادة الجماعية فكان كنتيباي بشير فكاك وإخوانه من الزعماء في المنطقة يقفون سداً منيعاً أمام هذا الاستعمار بكل جرأة وشجاعة وحنكة.

وقد تلقى تعليمه رحمه الله في المدارس الإيطالية وكان يجيد التحدث بعدة لغات منها الايطالية والانجليزية والأمهرية والعربية...فضلاً عن بعض اللهجات المحلية، وقد عاصر فترة الإستعمار الايطالي والانجليزي والاثيوبي وكانت هذه الادارات الاستعمارية المتعاقبة تهابه لما كان يتمتع به من مكانة مرموقة ومسموعة في منطقته.

ونذكر هنا شيء من المواقف والإضاءات حيث يقال واجه في أكثر من موقف الإمبرطور الأثيوبي هيلي سلاسي وحكام ارتريا المعينين من قبل الحكومة الاثيوبية بخصوص الظلم والعنصرية الواقعة على شعب ارتريا وحروبات الإبادة التي كانوا يمارسونها وهذا من شجاعته وقوة شخصيته. وأيضاً كان محبوباً من جميع مواطنيه بلا استثناء بل كانت تحبه وتجله وتكرمه الجاليات الأجنبية في ارتريا لا سيما (الهندية، والباكستانية، واليمنية ...الخ).

ومن الإضاءات أيضاً أشار إليها الأخ الفاضل والكاتب محمود بره في سلسلته الذهبية حديث الذكريات في الحلقة رقم (46) فيقول سجل كنتيباي بشير فكاك موقف عظيم وشجاع "عندما طلب الحاكم الأثيوبي في ارتريا آن ذاك "اسرات كاسا"، من جمع زعماء الإدارات الأهلية "الشيم" وتحديداً مديريات - سنحيت وبركة والساحل - الذهاب إلى أبنائهم ويقصد (الثوار) لإقناعهم بالعدول عن الشفتنة والتمرد والعودة الطوعية تحت التاج الأثيوبي وتسليم أسلحتهم، ومن ضمن وفد البلين تم اختيار كنتيباى بشير فكاك محمد هداد آل ركا "شوم عد تسأن"، وفعلاً ذهبوا وقابلوا الزعيم عمر ازاز، وشرحوا له أسباب الزيارة متضمناً طلب "اسرات كاسا"، فاستمع لهم الزعيم عمر ازاز ثم حملهم رسالة شفهية إلى الحاكم قائلاً: نحن لانطلب إلا أرضنا فالتخرج أثيوبيا منها وحينها سمعاً وطاعة لكم، وعندما عادوا بهذه الرسالة الشفهية سكت الجميع، وعجزوا خوفاً عن تقديم الرسالة، إلا أن كنتيباى عليه الرحمة، قام وتصدر الموقف وقال: للحاكم إن أبنائنا الذين أرسلتنا اليهم، لبوا دعوة سيادتكم بإنزال السلاح كما طلبتم ولكن بشرط أن تخرج اثيوبيا من أرتريا على الفور وتترك الارتريين وشأنهم في تحديد مصيرهم.. ورد الحاكم عليه وهو يشطاط غضباً والحضور في حالة خوف وترقب لما تؤول إليه الأمور، قائلا: هذه من المستحيلات السبع وهذا الطلب لا يتحقق إذا انطبقت الأرض بالسماء كناية عن استحالة تنفيذ طلب الثوار، وعقب ذلك رد عليه كنتيباى: إذا كان هذا ردكم على الثوار فهم أيضاً سوف لا يعودون ولا يتنازلون عن موقفهم إذا انطبقت الأرض بالسماء، عندها همهم وتوجس الناس معتقدين ان كنتيباى بشير قد حان أجله وحفر قبره بنفسه. ولكن لم يصب بشيء فقد حفظه الله بكلمة الحق التي قالها. وكان هذا الموقف البطولي والجريء منقبة وخصلة ووسام في صدر هذا البطل المغوار.

وفي خضم الحرب العالمية الثانية التي بدأت في الفترة من 1939-1945م بين دول الحلفاء والمحور وهي الأوسع الحروب دموية في التاريخ حيث مات فيها عشرات الملايين من البشر، وهُزمت فيها دول المحور، وفي تلك الفترة العصيبة والحرب العالمية تدور رحاها انعقد مجلس للإدارة الأهلية لإصلاح ذات البين في ظل إحدى الأشجار الظليلة في كرن "محاد عد سيدي" وهي تقع أمام منزل كنتيباي بشير ومقابل استاد كرن الرياضي حيث أسقطت عليهم احدى المقاتلات البريطانية قذيفة وعلى إثرها بُترت الذراع اليسرى ليد كنتيباي بشير كما استشهد وقتياً عمه "عمر حمد" متأثراً بإصابته البالغة وجرح عدد من الحضور بجروح مختلفة.

والكتابة عن هذه الشخصية الفذة يحتاج إلى إلمام بتأريخه الحافل وحصر مواقفه المشرفة وجهوده الإنسانية المباركة التي عمت جميع أرجاء المنطقة ولكني أردت فقط من هذا المقال التذكير بأهمية هذه الشخصية والإشارة إليها، وآمل من جميع أصدقاءه وزملاءه ومن له دراية وإلمام عن مواقفه النبيلة أن يدونها في مواقع التواصل الاجتماعي وهذا حق مستحق له وهو أيضاً من باب الفائدة واستلهام العبر والدروس.

وقد تعرض كنتيباي بشير لكثير من الضغوطات والاستجوابات من قبل الاثيوبيين نظير مواقفه الوطنية الشجاعة فحكم عليه الحاكم الاثيوبي "اسرات كاسا" بالإقامة الجبرية لمدة أربعة سنوات في اسمرة على ان يراجع مكتب المحافظ بشكل يومي ويؤكد حضوره...

وقد ضيق عليه الاستعمار الاثيوبي الخناق فسنحت له فرصة الخروج من بلاده إضطراراً إلى السودان حيث استقر به المقام في مدينة ود مدني، "ولاية الجزيرة".. فعاشا فيها ردحاً من الزمان مع أفراد عائلته وإن غاب بجسده عن وطنه وأهله فلم يغيب عنهم بوجدانه فكان معهم بقلبه وقالبه موجهاً وناصحاً ومتابعاً..

وأثناء إقامته الجبرية أوكل مهمة إدارة رعيته لأخيه الشهيد هداد فكاك، ليقوم بتصريف شؤونهم ولم يسلم أخيه أيضاً من المضايقات والمتابعات من قبل الأوغاد الاثيوبيين حيث اختطفوه في إحدى الأيام وهو في طريقه إلى بيته، ولم يعرف أحد مكانه وقتها ولكن بعد فترة وجدت جثته مقطوعة الرأس في ضواحي "مقارح" حيث مثلوا بجسده الطيب. رحمه الله رحمة واسعة ونحسبه شهيداً.

وتأتي الأقدار بلا اختيار وكل شيء إذا ما تم ينقلب ولابد من نهاية لهذه الحياة الدنيوية قال تعالى "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" فالحياة مسرح واسع يؤدي فيها كل إنسان ما قُدر له ثم يأتي فاصل المرض فالموت الذي كتبه الله على كل ابن آدم "كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة". وقد ادركته منيته وهو في قمة عطائه وقوته بالرغم من كِبر سِنه فترجل الفارس كنتيباي بشير فكاك من صهوة جواده في العاصمة المصرية القاهرة.. فأسدل بذلك الستار على حياة كان ملؤها حباً ووداً وتواضعاً وعملاً نافعاً، ونحن اليوم نستلهم من حياته كل جميل ومفيد في حياتنا.. وهكذا يرحل الرجال وتبقى مآثرهم ومناقبهم وذكراهم الطيبة فهم أحياء بيننا بما قدموا من أعمال جليلة تظل تذكرها الأجيال على مدى التاريخ.

كنتيباي بشير كان يتمتع باحترام وقبول لا مثيل من قبل الأسرة الدينية آل الميرغني في كرن، وبعد وفاته في القاهرة عام 1990م، ونظراً لخصوصية الدفن في مصر حيث غالب مقابر مصر عائلية، تكفلت أسرة آل ميرغني بكل إجراءات الدفن والعزاء ووافقوا أن يدفن في مقابرهم الخاصة. وما ذلك إلا لمعرفتهم بقدر ومكانة كنتيباي بشير في وطنه وقبيلته وأسرته.

اللهم اغفر له وارحمه واكرم نزله ووسع مرقده وجازه بالحسنات حساناً وبالسيئات عفواً وصفحاً وغفراناً.

Top
X

Right Click

No Right Click