ملامح من سيرة الشيخ الشهيد محمد صالح حامد

بقلم الأستاذ: عيسى سيد محمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

محمد صالح حامد 1نبذة بسيطة عن الشيخ الجليل والمربي الجسور الشهيد البطل الشيخ الوقور الحكيم التقي النقي، محمد صالح حامد مدير مدرسة الجالية الإسلامية وإمام مسجد عبدالقادر الجيلاني بأسمرا.

كان رحمه متواضعاً، لطيفا في تعامله مع الناس، يخاطب الجميع بأسلوب متحضر، متحدثاً لبقاً حباه المولي عز وجل رجاحة العقل وصوت جميل جدا، كما كان واسع الأفق، كثير التضحيات لا يخاف السجن ولا والسجان، ولا يهاب بطش الطغاة.

كان مدير مدرسة الجالية الإسلامية وإمام مسجد عبدالقادر الجيلاني، الذي كان يشهد كل جمعة حضوراً كبيراً من الناس الذين يأتون قبل الساعة العاشرة صباحا ليحجزوا أماكنهم، وحتي الشوارع القريبة من المسجد كانت تمتلئ بالمصلين قبل رفع الآذان.

الشوارع حول المسجد كانت تُحاط برجال شرطة حركة المرور الذين لا يسمحون للسيارات المرور بها وبعد الآذان لا تجد مكاناً تصلي فيه ومن يريد الاستماع لخطبة ألشيخ محمد صالح حامد - طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته - من داخل المسجد عليه أن يأتي قبل الساعة العاشرة صباحاً.

كان وطنيا شجاعا موهوباً ومُلهماً. كانت خطبه هادفة، يقدمها بأسلوب يشرح الصدور ويثلج قلوب المصلين الذين يتقاطرون إلى مسجده من كل أحياء وضواحي أسمرا. كنت أسمع عن الشيخ الجليل الكثير والكثير وكنت أتمنى الاستماع لخطبه داخل مسجده.

أواخر عام ١٩٦٩ تم نقلي إلى أسمرا كمدير للمدرسة الإسلامية الخيرية Islamic Benevolent Middle School والتي كانت من أشهر مدارس أسمرا الإسلامية ولا يدرس أو يعمل فيها إلا ذوو الحظ العظيم لمكانتها وسمعتها المرموقة.

وفي أول جمعة لي بالعاصمة أسمرا ذهبت إلى مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني للاستماع مباشرةً الي أيقونة الشباب المسلم الشيخ القامة العلامة عطر السمعة، ولكن للأسف لم أوفق لأني أتيت متأخراً، حيث قابلت الناس وهم عائدين لعدم وجود أماكن للصلاة بسبب امتلاء الشوارع المحيطة بالمسجد بالمصلين فاتجهت للصلاة في مسجد الخلفاء الراشدين؛ حيث أدركت مكاناً في الصفوف الأمامية. ولحسن الحظ بعد ثلاثة أيام شرّفني الشيخ جزآه الله خيراً وبارك فيه وفي عقبه، في مكتبي بالمدرسة الإسلامية الخيرية.

كان المعلمون في استراحة الفسحة جالسين في مكتبهم يشربون الشاي، وكان الوصول إلى مكتبي عبر مكتب المعلمين، الذين كان معظمهم يعرفون الشيخ وبعضهم من أبناء قريته، استقبلوه بحرارة مندهشين من زيارته، فقال لهم أتيت لزيارة مديركم الجديد، فاصطحبه الشيخ الوقور الأستاذ الجليل عبدالقادر خليفة آدم نائب مدير المدرسة إلى مكتبي وعرّفني به قائلاً: هذه أول مرة يزور فيها الشيخ الجليل مدرستنا، وهو مدير مدرسة الجالية العربية وإمام مسجد الشيخ عبدالقادر الجيلاني، فرحت وسلمت عليه بحرارة ومسرة وجلست معه في صالون مكتبي وأنا مندهش بالمفاجأة السعيدة، وكان هذا أول يوم نلتقي فيه، فشكرته بتشريفي بزيارته المباركة وأخبرته بأني لم أتوقع بهذه البساطة أن أجلس مع من كنت أتمني أن أستمع إلى خطبته جالساً في مسجده، وأخبرته عن أول جمعة ذهبت إلى مسجده ولم أوفق وإذا هذآ الحلم يتحقق فجأة وبدون توقعات.

عبرت له عن سعادتي وامتناني لهذه الزيارة، وقلت له غالبا ما تتم زيارة ناظر المدرسة بسبب مشكلة لطالب، في إشارة مني لمعرفة سبب الزيارة، وكان رحمه الله يستمع إلىّ والابتسامة تعلو وجهه ولم يقاطعني حتى أكملت الحديث، كان متواضعا وقورا، لم يسبق لي أن جلست أمام شخص بهذه الكاريزما وهذا النبل والصبر.

أجابني بهدوء وبصوت خافت قائلا: سمعت بأن ناظراً شاباً حل محل الأستاذ محمد أحمد إدريس نور الإداري المخضرم، فسألت عنك وعلمت بأنك أخ المناضل البطل صالح سيد حيوتي فأتيت لأقدم لك النصح والابتعاد عن السياسة، وأن تدرك بأنك مراقب بسبب شهرة شقيقك، ووجدته يعرف عن الجبهة وصالح سيد حيوتي ما لا أعلمه.

قال أنت في مقتبل العمر والمستقبل أمامك وأمثالك لا بد من المحافظة عليهم لذلك أنصحك بأن تبتعد عن العمل السياسي، والتجمعات المشبوهة ولا تذهب إلى المناطق الإسلامية خاصة مدينة كرن.

وعندما أخبرته سبب طلب النقل من كرن هو إصرار مدير مديرية كرن السابق القنرماش امباي هبتي، الذي نظم له اتحاد معلمي مديرية كرن حفلة وداع في نادي المعلمين، لصدور قرار نقله إلى أسمرا، وكنت ضمن أعضاء تنفيذية الاتحاد المكلفين بإعداد الحفل.

وأثناء اجتماع التنفيذية لتقاسم أدوار تحضير حفل وداع المدير، أخبرني أحد المدرسين بأن المدير في انتظاري أمام النادي، استأذنت من اللجنة وخرجت، فقال لي: ودى عيسي أركب جنبي وركبت معه حيث كان يقود السيارة ولم يكن معه حتى حراس، فقال لي مداعباً: اليوم أنا السواق وأنت المدير، ثم أوقف سيارته في مكان هادئ خلف قلعة كرن.

وبدأ حديثه معي قائلاً: خذ كلامي بمحمل الجد ونفذه علي الفور حرفياً، حتي اليوم كنت أقدم لك الحماية وأنا سوف أغادر كرن خلال شهر أو أسبوعين، وبعدى ستكون حياتك في خطر، هناك تقارير تجسس بحقك يومياً تقول لي بأن صالح سيد مسؤول استخبارات وأمن الجبهة أرسل عدة مرات فدائيين لاغتيالك، وهو الذي يأمر بقتل جواسيس الحكومة في المدن الارترية وشقيقه يتجول في شوارع كرن، وهذا الكلام يقال لمدير أمن الشرطة واستخبارات الجيش، وكلما اجتمع مع مسؤولي الأمن والاستخبارات يرددوا لي نفس الأقوال المنقولة عن الجواسيس.

وأنا أقول لهم ما ذنب عيسي سيد وهو من خيرة مديري المدارس، تابعوه ومن ثم ارفعوا تقريراً عنه لو تجدون عليه شبهة، ولم تخيب ظني، تقريرهم كان شهادة لك، بأنك تذهب من المنزل إلى المدرسة والمسجد ولا يجلس مثل بقية الشباب في الأماكن المشبوهة وعليه قبل أن أغادر كرن أطلب النقل وأنا مستعد للاتصال بمسؤولي التعليم لأطلب منهم نقلك، ثم عاد بي إلي النادي ولحسن الحظ تم قبول طلب نقلي وها أنا معك في اسمرا. قال الشيخ مندهشاً سخر الله لك حتي العملاء إذاً امباي هبتي يتمتع بمُثل العدل والخلق قلت له: إخواننا السنحيت المسيحي منهم والمسلم كلهم خيرين.

كان الشيخ محمد صالح وطنياً وكان يرسل إلى الجبهة احتياجاتها وكان على صلة مباشرة بكل الاحرار في المدن يجد أخبار الجبهة باستمرار وكلما وصله خبر يتصل بي او يأتي الي مكتبي ويخبرني أولاً بأول عن أخبار الثورة. كان آخر لقائي به عندما تم نقلي إلى كرن مسؤولاً عن مدارس كرن والساحل، تمني لي التوفيق والسداد وودعني موصياً بأن ابتعد عن السياسة، وقال لي ستلاحقك شهرة أخيك مع أنه ترك الجبهة بسبب الشيوعيين والحمد لله أن جعل له مخرجاً ووصل أوروبا.

كان رحمه الله يخاف عليّ، لكن يد الغدر اغتالته ظلماً وجوراً بعد أن سُجن وعُذّب عشرات السنين ليخرج من السجن وهو مشلول من شدة التعذيب البربري. فقد غادر السجن على كرسي متحرك.

جعل ألله ما قدمه لوطنه من غالي ونفيس في ميزان حسناته وأن التاريخ لن ينسى أمثاله، ومهما طال الزمن ستتحقق آماله وأحلامه وسوف تكتب سيرته العطرة بمداد من ذهب ويخلد اسمه في وجدان بني وطنه. الكتابة عن الشيخ الجليل الوطني الرمز تحتاج مجلدات وملفات لتكون نبراساً للأجيال القادمة بإذن الله وفي الختام لا يفوتني أنْ أذكر بعض إنجازاته:

مع ان شخصيته قوية جدا كان متواضعا وشهما وصادق مما اكسبه ثقة واحترام وتقدير ومودة جميع فئات الشعب المسلم وخصوصا الأثرياء مما سهل عليه جمع مبالغ مالية ومساعدات انسانية للأسر التي أحرقت قرأها والارامل والأيتام وايضا كان يجمع للجبهة مبالغ مالية كبيرة ويرسلها الي الميدان كان يصلح بين القبائل والعشائر وحتي الأسر بكل سهولة ويسر وما من سوء تفاهم شارك فيه العلامة الموفق بقدرة الله يتم التفاهم الوئام وينتهي بالقبلات والعناق كما اختير بالإجماع نائبا لرئيس اللجنة ألتي تم اختيارها من قبل جماهير اسمرا للقيام بالصلح بين جبهة التحرير الارترية وقوات التحرير الشعبية في ضواحي اسمرا وكللت بالنجاح وتم إيقاف الحرب وكان له دور مشهود وتم اقاف الحروب الأهلية.

وعندما اجتمع علماء وفقهاء وأعيان المسلمين الإرتريين لاختبار مفتي الديار الإرترية من بين القضاة والعلماء تم انتخابه بالإجماع ليكون المفتي العام لإريتريا، وكان اختياراً موفقاً، ليكون خير خلف لخير سلف، وقبل أن يتم تنصيبه لسوء الحظ، تم اعتقاله ظلماً وجوراً وتم إخفاء مكان اعتقاله، وبعد سنتين تم اغتياله وعم الحزن والأسى المسلمين الإرتريين في الداخل والخارج وكان فقدانه الجلل خسارة كبيرة للشعب وللوطن ومن والمستحيل أن يعوض قاتل الله الطغاة أينما وجدوا.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله ووسّع مدخله وأجعل قبره روضه من رياض الجنة.
اللهم جازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، والقه برحمتك ورضاك وقه فتنة القبر وعذابه.
اللهم حل روحه في محل الأبرار وتغمده بالرحمة آناء الليل والنهار برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انقله من ضيق اللحود والقبور الي سعة الدور والقصور، في سدرٍ مخضودٍ وطلحٍ منضوضٍ وماءٍ مسكوبٍ وفكاهةٍ كثيرةٍ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
اللهم اجعلنا وإياهم من عبادك الذين تباهي بهم ملائكتك في الموقف العظيم وارزقنا حسن النظر إلى وجهك الكريم مع الذين تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وبحمدك وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

التعليقات  

تاج الدين
# تاج الدين 2020-08-12 06:55

شئ جميل سرد تاريخ قامات الشعب الاريتري والشيخ صالح حامد يستحق ان نسرد سيرة تاريخه العطرة كنت احب ان اضيف هنا الرشح انفسهم لتولي دار الافتاء بعد وفاة سماحة المفتي فهم اكثر من خمسة شيوخ وذلك كان في اواخر 69 وبداية 1970م والمرشح الاول لهذا المنصب والمؤهل كان قاضي ادريس رئيس محكمة الكبرى اعلاهم علما وقدرا وكان مستشار لسماحة المفتي وتم اعتقال. الشيخ صالح حامد في 1975م
رد

www.Samadit.com حامد إدريس عواتي   www.Samadit.com عبدالقادر محمد صالح كبيرى   www.Samadit.com محمد عمر أكيتو   www.Samadit.com إبراهيم سلطان علي   www.Samadit.com إدريس محمد آدم مندر   www.Samadit.com محمد سعيد ناود   www.Samadit.com أحمد محمد ناصر أبوبكر   www.Samadit.com عثمان صالح سبي   www.Samadit.com عبدالله إدريس محمد سليمان  

Top
X

Right Click

No right click