السماديت الإريتري زي عابر للوطن وسط غياب الاعتراف

بقلم الأستاذ: محمود أبوبكر - صحافي مختص في شؤون القرن الافريقي  المصدر: اندبندنت عربية

يعد تراثاً أصيلاً لقوميات البلاد ويسعى المتخصصون إلى اعتماده من منظمة اليونسكو.

 

يعد "السماديت" أحد أشهر الأزياء التراثية لرجال عدد من القوميات الإريترية غرب البلاد في مقدمها التيغري والبلين والحدارب إضافة إلى بعض المناطق الساحلية، كما يمتد الزي جغرافياً ليطاول منطقة شرق السودان المحاذية لإريتريا، حيث القبائل المشتركة مثل بني عامر والحباب والبجا.

وزي "السماديت" عبارة عن مجموعة من القطع أولها الجلباب أبيض اللون (الثوب) والصديري، الذي غالباً ما يتراوح بين اللونين الأزرق الداكن أو البني، والسروال الأبيض الذي يشبه نظيره الهندي ثم اللحاف الطويل الذي يوضع من الركبة وحتى أعلى الكتف على شكل حرف الـ X، ثم الطاقية والعمة التي تلف على الرأس.

يعود سبب تفصيل الزي على نحو فضفاض، وباللون الأبيض إلى تناسبه مع المناخ شديد الحرارة الذي تتسم به منطقتا غرب إريتريا وشرق السودان، كما أن ثمة من يستغني عن الجلباب ويعوضه بقطعة منسوجة من قماش خفيف يكاد يكون شفافاً ويسمى بـ"العراقي".

زي الأعيان والمناسبات السعيدة:

يقول الباحث في التراث الشعبي الإريتري عمر أبيب إن زي السماديت من أقدم الأزياء التراثية الذي لا تزال القوميات الإريترية الثلاث تحرص على ارتدائه في المناسبات العامة، وأشار إلى أن مسمى "سماديت" لا يطلق على هذا الزي إلا في حال اكتماله بقطعه السبع كاملة، وإن كان في بعض الأحيان يشار إلى اللحاف وحده بالمسمى ذاته، لكن كزي كامل فهي تشمل القطع السبع.

يضيف أبيب أن ثمة ضرورة للتفريق بين أنواع عدة من هذا الملبس التراثي، ففضلاً عن ارتباطه بمناسبات وأعراف محددة، فالمتعارف عليه أنه زي لأعيان القبائل والنظار أو العمد الذين يطلق عليهم "شيم" ومفردها "شوم" في حين يطلق عليهم في بعض المناطق مسمى "كنتيباي"، إذ يتميز هذا النوع الذي يرتديه كبار القوم والسن والمنصب بالبياض الكامل، ويمنع فيه إضافة أي لون آخر باعتبار أنه يضفي نوعاً من الوقار على مرتديه لوحدة اللون ورمزيته.

مراسم الـ"سمدوا":

يختص هذا النوع من السماديت بمناسبة الزواج، ويتميز بلون الصديري الأزرق الداكن أو البني أو لون آخر بحسب اختيار العريس. وثمة تقاليد معينة يختص بها العريس في زواجه الأول وهي احتفالية الـ"سمدوا" التي تقام في فجر يوم العرس، إذ يجتمع أصدقاؤه وإخوته وعشيرته لحضور مراسم تقليده عريساً، وأهم تقليد في هذه الاحتفالية يتمثل في ما يسمى الـ"سمدوا"، أي إلباسه السماديت في رمزية ذات دلالة تشير إلى خلعه ثوب العزوبية وارتداء ثوب التأهل للحياة الزوجية، ويقوم بهذه المهة إما والده أو أحد إخوته الكبار متبوعاً بالأهازيج والبخور، وفور ارتدائه السماديت تعلو الزغاريد ببلوغه عتبة إتمام أولى مراسم الاقتران.

في السياق يذكر الباحث المتخصص بالتراث الشعبي "بجانب السماديت يقلد العريس بإكسسوارات عدة منها (التكة)، وهي إسورة من الفضة الخالصة على يده اليمنى عبارة عن حزازة من خيط مضاف إليه الخرز في اليد اليسرى، والسوميت وهي سلسلة كبيرة من الخرز الخاص على رقبته ثم يهدى سيفاً وعصا.

يتابع "حينها يبدأ كبار السن من أهله من الرجا، أو النسوة بالدعاء له بحياة زوجية سعيدة"، ويستمر العريس في ارتداء هذا الزي لمدة أسبوع على الأقل حتى احتفالية يوم "السبوع" فيما كانوا في السابق يرتدونه لـ40 يوماً.

تقاليد نظار القبائل:

تمثل مراسم ارتداء السماديت أحد أهم أركان تنصيب زعماء القبائل، إذ يبدأ احتفال التنصيب بالقرع على الطبل (النقارة) إيذاناً بإعلان المراسم الرسمية للتنصيب ليتبعه تقليد ارتداء السماديت بعدها يعلن الناظر الجديد ويحرص بدوره على ارتداء هذا الزي مدى تقلده للمنصب القبلي، سواء في المناسبات الرسمية أم الاجتماعية أم الدينية فهو جزء من بروتوكولات المنصب.

لعل هذا ما يبرر تغني عدد من الفنانين بهذا الزي كجزء من تقاليد الهيبة والوقار التي يتصف بها زعماء القبائل إلى جانب المآثر الأخرى، بعدها تختم مراسم الـ"سمدوا" الخاص بنظار القبائل، بصب الحليب والدم كدلالتين على الحرب والسلم المرتبطين بصلاحيات الناظر تاريخياً.

يوم عالمي في غياب الاعتراف:

وسعياً إلى الحفاظ على هذا التراث من الاندثار، خصوصاً مع التخلي التدريجي للأجيال الجديدة من الإريتريين ومواطني شرق السودان عنه واقتصاره على مناسبات الزواج، أطلق عدد من النشطاء منذ أربع سنوات مبادرة على وسائط التواصل الاجتماعي تحت وسم "اليوم العالمي للسماديت" وحدد في الـ23 من يونيو (حزيران) كل عام على أمل اعتماده كتراث عالمي من منظمة اليونسكو وإعلانه يوماً عالمياً لهذا الزي العابر للقوميات والأوطان.

يقول منسق المبادرة أحمد شيكاي إن إطلاق المبادرة جاء في ظل حرب أهلية شهدتها منطقة شرق السودان بين مكونات عرقية وثقافية متباينة، وعلى رغم وجود عوامل تاريخية وحضارية مشتركة بينها فإن الاستقطابات السياسية التي طرأت في السودان خلال السنوات الأخيرة دفعت الشرق إلى الاقتتال بين القبائل التي عاشت بوئام لقرون عدة، الأمر الذي شجعنا على إطلاق المبادرة في محاولة لبعث المشتركات الحضارية والثقافية.

يضيف شيكاي أن المبادرة بدأت كوسم (هاشتاغ) على وسائط التواصل الاجتماعي مقروناً بنشر صور لأبناء هذه المكونات بالزي الموحد (السماديت)، ووجدت الخطوة تفاعلاً كبيراً منذ اليوم الأول.

ويؤكد في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن التفاعل كان عابراً للقوميات وللأوطان، إذ اشترك فيه مواطنون من إريتريا والسودان، وعكست الخطوة أن السماديت تمثل نظارات قبائل البجا الست في شرق السودان، علاوة على القوميات الإريترية الثلاث على الأقل.

ينوه منسق المبادرة إلى أن ثمة وجهاً آخر لهذه الخطوة يتمثل في مواجهة التنميط الذي يسير عليه العالم المعاصر خصوصاً في ما يتعلق بتغول تعابير ثقافية معينة أضحت تسيطر على الثقافات الأخرى سواء على مستوى الأزياء أم غيرها من المكونات الثقافية والحضارية، لا سيما في هذه المنطقة التي تعيش بعيداً من المركزية الثقافية محلياً ودولياً.

يتابع شيكاي "إذا كان من الصعب التأثير في العالم المعاصر من خلال ثقافاتنا المتعددة ولغاتنا فمن السهل أن نلفت الانتباه من خلال فعاليات تكشف عن جزء من ثقافتنا كالزي، لا سيما إذا ما تمكن من تثبيت موعد للكشف عن هذا التراث على وسائط التواصل الاجتماعي. وينفي أن يكون هذا الموعد تعبيراً عن الانغلاق على التراث الخاص بل محاولة لتجسيد التعددية التي يحفل بها تراثنا كجزء من الثقافة الإنسانية.

يؤكد أن المبادرة تمكنت من تجاوز العالم الافتراضي، إذ نظمت أول فعالية ميدانية بألمانيا شارك فيها مئات الأشخاص من إريتريا والسودان وهم يرتدون السماديت وتضمنت أنشطة عدة. يضيف أن الهدف النهائي لهذه المبادرة يتمثل في انتزاع الاعتراف الدولي بهذا اليوم، وبالسماديت كجزء من التراث الإنساني إلى جانب ربط الأجيال الجديدة من أبناء المنطقة بماضيهم الحضاري.

Top
X

Right Click

No Right Click