أغردات مدينة زاخرة بالموارد السياحية

بقلم الأستاذمحمود عبدالله أبو كفاح - إعلامي وكاتب ارتري

تبعد أغردات عن العاصمة اسمرا 172 كيلومتراً وتشير الوثائق التاريخية ان هذه البقعة

التي انشأت فيها هذه المدينة كانت في السابق مرعى ومركز لتجمع البهائم من المناطق المحيطة، وعندما أرسل الطليان أحد رعاياهم لإستكشاف موقع ملائم لإنشاء مدينة في منطقة بركة إبان الإستعمار الايطالي، وجد المسؤول الإيطالي في هذه المنطقة التي وقع اختياره عليها رجل من قومية التقرى فقال له الرجل (إلا أكان قردت بديبا) أي هذا المكان مليئ بالقراد، فظن الإيطالي ان الرجل يخبره بإسم المكان ومنذ ذلك اليوم اطلق الإيطاليون إسم أغردات على هذه البقعة، ليجعلوا منها مركزاً حضرياً طوال تواجدهم في إرتريا.

للتعرف على المعالم السياحية والآثار التاريخية التي تزخر بها هذه المدينة كان قد اجرى وفد وزارة الإعلام الذي زار أغردات مؤخراً حواراً مع السيدين محمود محمد صالح حالي ومحمد برهان محمد إبراهيم، فالي محتوى الحوار.

أول المتحدثين كان السيد محمود محمد صالح حالي والذي بدأ حديثه قائلاً (ولدت في العاصمة أسمرا عام 1965م ودرست في مدرسة الجالية العربية (الأمل) بأسمرا حتى الصف التاسع وفي العام 1975م عندما ساءت الأحوال بالعاصمة أسمرا بسبب الحرب بين الثوار والجيش الأثيوبي لجأت الى الخارج حيث قضيت 13 عاماً في الكويت بدءاً من العام 1977م، وفي الكويت كنت عضواً نشطاً في المنظمات الجماهيرية للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا آنذاك، وفي العام 1990م خرجت من الكويت الى السودان بسبب الغزو العراقي، حيث تحررت إرتريا في العام 1991م من براثن العدو الأثيوبي وانا في السودان لأعود مباشرة الى وطني مع سماع هذا الخبر).

بخصوص الموارد السياحية التي تتمتع بها أغردات يقول السيد محمود محمد صالح حالي (منذ العام 1994م ظللت أنشط في إتحاد المزارعين وجمعية مقدمي الخدمات السياحية ولجنتي الأعيان وأصدقاء الشباب والآن أشغل منصب سكرتير جمعية مقدمي الخدمات السياحية بإقليم القاش بركة (كما كنت رئيساً لهذه الجمعية في السابق) حيث تنشط هذه الجمعية في الإشراف على المرافق الخدمية التي تقدم الخدمات للسياح كالفنادق والمطاعم والمقاهي والبارات وهنالك مكتب مركزي للجميعة في أسمرا يقوم بإصدار التوجيهات والتعليمات التي تجود آداء هذه المرافق الخدمية بالإضافة الى تنظيم المسابقات في اليوم العالمي للسياحة اي السابع والعشرون من سبتمبر من كل عام وبخصوص الموارد السياحية في القاش بركة فهي عديدة حيث ان الإقليم زاخر بالعديد من المعالم السياحية ومديرية أغردات تحتل الصدارة في إحتضان عدد مقدر من الآثار السياحية الموغلة في القدم،فمدينة أغردات في حد ذاتها أسسها الإستعمار الإيطالي وهي كانت مقر للإدارة الاهلية و التي كان يتزعهما في ذلك الوقت (دقلل) حيث كان يطلق على المنطقة يمين وادي بركة إسم "عد عمر" ويسار وادي بركة إسم "درت" والتي كانت تحتضن المقر(دقا دقلل)، وقد بدأ الطليان في تأسيس هذه المدينة من الصفر للميزات التي كانت تتمتع بها وخاصة غناها بمصادر المياه.

يوجد ايضاً في ضواحي المدينة كبري إسمه كبرى فيريرى (ولكن الناس يطلقون عليه حاليا كبري تيريرى عن طريق الخطأ) بني في عهد الاستعمار الايطالي عام 1936م ولايزال صامداً حتى يومنا هذا).

اما السيد محمد برهان محمد ابراهيم فيقول من جهته (انا من مواليد عام 1949م بمنطقة إيرا في إقليم عنسبا، وإنتقلت الى مدينة اغردات في العام 1965م عندما كان عمري 18 عاماً، وبمقارنة مدينة اغردات بالأمس واليوم نلاحظ فرق كبير جداً، حيث توسعت الآن بشكل كبير وإستطيع ان أقول بان جيل جديد هو من يوجد بالمدينة في الوقت الحالي، وبخصوص المرافق التي كانت في السابق كانت تحتضن المدينة مصنع للثلج في موقع هيئة الكهرباء الحالي ومصنع شيشيتا للزراير والذي كان يستخدم ثمار الدوم لتصنيع الزراير ومصنع أنجبا للشوالات (الخيش) التي تصنع من أوراق الدوم ومصنع دنداي للصناديق التي كانت تستخدم في تعبئة الموز والفلفل وغيره، بالإضافة الى مصنع أنكودا للألبان وغيرها، وبكل صراحة المدينة كانت عامرة بالعمال الذين يعملون في البساتين والمصانع المنتشرة في المدينة).

وعن فوائد الدوم يقول السيد محمد برهان (الدوم له فوائد عديدة، بدءاً من الليف الذي يستخدم في تنقية القهوة عند صبها من الجبنة الى الفنجان، اما المسحوق الموجود بين أوراق الدوم فهو يستخدم كعلاج للجروح،كما تستخدم الجذوع والاوراق في عرش وبناء المنازل وتصنع من الاوراق البروش والمشغولات اليدوية الاخرى، بالإضافة الى الحصول على الغذاء من ثمار الدوم والتي تطلق عليها اسماء مختلفة بلغة التقرايت حسب مراحل نموها مثل شيريت، شيدوب وشكمتيت، ولكوب).

ومن جهته يضيف السيد محمود حالي قائلاً (من التحديات الكبيرة للسياحة في أغردات هو عبور الطريق الرئيسي الذي يربط أسمرا بمدينة تسني دون ان يمر بوسط المدينة،ففي السابق كانت تعبر كل البصات بوسط مدينة اغردات وتقف في غالب الاحيان فيها لكي تتيح للمسافرين تناول وجبة من الوجبات كبصات ستايو وحجي حسن وحجي عبدة وقنافر، مما كان يساهم ذلك في إنتعاش أسواق المدينة بما في ذلك المطاعم والفنادق... الخ، كما ان إفتقار المدينة للمنتزهات هو أيضاً احد التحديات التي ينبغي ان تجد حلاً ناجعاً في مقبل الأيام.

لقد تضررت أغردات كثيراً بسبب مذبحة سنبت طلام حيث كان عدد سكانها قبل تلك المذبحة قرابة 75 ألف نسمة، وكانت أسواقها مفتوحة الأبواب يومياً، كما كان هنالك سوق يومي للبهائم في المدينة والتي كان يتم شراءها من قبل شركة إنكودا ومن ثم تعلب لحومها في اسمرا وترسل كصادرات الى إسرائيل كما كان ينتج في بساتين اغردات حينها الفلفل الأخضر البارد بكميات كبيرة ويتم تصديره في شحنات من الصناديق الخاصة به الى ألمانيا،والقطار كان ينقل الناس والبضائع بين اسمرا واغردات بإستمرار أي لمسافة 184 كيلومتر اما البصات فكانت تقطع مسافة 172 كيلومتر للوصول الى اغردات من العاصمة أسمرا وبالعكس محملة بالمسافرين والبضائع.

أضف الى ذلك كانت اغردات مركز مهم للقوات الاثيوبية في عهد الإستعمار الإثيوبي، والتي كانت تحاول بلا جدوى الحد من إنتشار لهيب الثورة في عموم أرض الوطن، حيث سجل الثوار الإرتريون بطولات فذة في مقارعة تلك القوات داخل المدينة ومحيطها آنذاك.

كما ان البساتين الموجودة على ضفتي وادي بركة ظلت ولاتزال معلماً سياحياً يكسب مديرية أغردات رونقاً وجمالاً خاصاً.

أيضاً توجد في مدينة اغردات العديد من المباني التاريخية التي يصل عمرها قرابة قرن من الزمان، وأول مباني تم بناءها في اغردات هي مباني السكة الحديد (فروبيا) مع مخازنها وعمارة باخشب التي بنيت في العام 1920م، بالإضافة الى دفاعات الطليان في فورتو والتي كانوا يستخدمونها لصد غزوات الدراويش القادمين من السودان والتابعين للثورة المهدية، وتشير الروايات التاريخية ان احد الدراويش صعد بفرسه الى قمة الجبل وقتل قائد المدفعية الإيطالي حينها بالسيف، حيث ان المجسم الموجود في قمة فورتو حاليا مكتوب فيه لافتة تقول ان تلك المعركة التي قتل فيها القائد كانت في عام 1892م.

أما الخارطة السكنية التي بنيت على أساسها مدينة أغردات فهي من طراز تركي قديم، والسوق الذي يباع فيه البهارات والعطور وغيرها من التوابل في المدينة يعرف بإسم (إسكدوريا)، قد أسسه الحجازيون القادمون من السعودية في تلك الآونة كما توجد بالقرب من هذا السوق مقاهي للبن كان يرتاح فيها أفراد الباندا التابعين لدقلل والذين كانوا يجمعون الجبايات من الشعب وهم يتنقلون بحصينهم.

ومن جهته يضيف السيد محمد برهان (أغردات مدينة جاذبة بكل ماتحمله الكلمة معني، واي شخص يقضي فيها ستة أشهر لا يستطيع مفارقتها على الإطلاق، فبالرغم من ان جوها حار في النهار الا انه معتدل في المساء وممتع).

وفي الختام يوصي كل من السيد محمود محمد صالح حالي والسيد محمد برهان محمد ابراهيم قائلين (نوصي الجهات المعنية للمحافظة على المباني والأثار التاريخية في المدينة خاصة أثناء الصيانة، حيث يجب ان تتم الصيانة من خلال الاستعانة بالخبراء حتى نحافظ على هيئتها الأصلية، واكثر مايحزننا على سبيل المثال التعامل الغير اللائق مع زريبة أغردات التاريخية عند الشروع في تشييد الطريق المؤدي الى بيشا، حيث تمت ازالتها بطريقة عشوائية بما في ذلك لافتتها المكتوبة باللغة التركية، ونفس الشيئ حدث بالنسبة للآثار العديدة الموجودة في فورتو والتي تعرضت للتلف، لذا نرجو من كل الجهات المحافظة على تلك الآثار بما في ذلك الخارطة السكنية للمدينة و معالمها التاريخية).

Top
X

Right Click

No Right Click