جبهة التحرير الإرترية نحروها أم انتحرت - الجزء الاول - الحلقة الرابعة والثلاثون

بقلم المناضل الإعلامي الأستاذ: أحمد أبو سعدة

قوات التحرير الشعبية:

أعددت نفسي للرحيل فلبست بنطالي القصير وانتعلت الصندل (الشدة) ووضعت جعبتي على ظهري

جبهة التحرير الإرترية الوطنية نحروها أم انتحرت

وباسم الله تحركنا (كفلي) وأنا وحارسان وتوكلنا، أما البقية من الرفاق فبقوا عند الزورق بانتظار عودتنا وإن طالت أيام وربما شهور...؟ وبدأنا السير على الرمال الملتهبة.

دخل الليل كاملا وكذلك الهواء البارد نسبيا وقدماي تغوصان في الرمال ومازلت نشيطا وكيف لا أكون نشيطا بعد راحة استغرت ستة أيام مازالت قوتي حاضرة وهمتي عالية وهاتي يا رمال، عندما تحركنا من على الشاطئ كانت الساعة الخامسة مساء والآن الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل والمسيرة الثورية مستمرة والهواء يزيد في همتنا وأنا أسلي بنفسي بذكرياتي عن زيارتي الأولى للثوار الإرتريين.. توقفنا عن السير عندما بدأ قرص الشمس يطل علينا رويدا رويدا.

توقفنا وقد تبدلت تضاريس الآرض.

وجدت نفسي تحت شجرة تحمل ثمرا يشبه الليمون عندما يكون أخضرا، استفسرت عن هذا الثمر فقال لي (كفلي):

إن هذا الثمر لا يفيد بشي وأحيانا يكون مسموما.

أين يجب أن أتفيأ إذن.

هذا حر دنكاليا.

خاطبت نفسي (هذا هو اليوم الأول لي في دنكاليا لم أتناول أي طعام إلا الماء ولا أشعر بأي شهية للطعام ولا أريد غير الماء).

تمددت على التراب الناعم وبدأ الهواء الساخن نسبيا يغازل وجهي بلطف ويقبلني..إنه هواء الصباح النقي، إنه هواء دنكاليا، ساعة وراء ساعة مر الوقت وأنا نائم وصحوت فوجدت جسدي مغمسا بالعرق وعلى لفحات الهواء الساخن المصحوب بالتراب.

الله الوقت ظهرا وأنا لا أشعر بالجوع إلا بالعطش الشديد، شربت الماء الذي كان شبه فاترا ومرا قليلا شربت و ذهبت إلى مكان منعزل لأقضي حاجة.

لم أستطع (التبول) تعبت جدا وظهر على وجهي تعبي الشديد وقلت لرفاق رحلتي متى التحرك...؟

لقد نقص واحد من رفاقنا أين هو؟

لقد ذهب وسوف ننتظر هنا، هل أنت مريض يا أبو سعدة.

إنني لا أستطيع (التبول) وأشعر بتعب شديد.

نحن نعرف أن هذا سيحدث وعانيناه قبلك، هذا يحدث بسبب التعرق خذ هذا.

وأخرج من جيبه حبوبا وقال اشربها وبالشفاء يا أبو سعدة، تناولت حبتين كما أرشدني الثائر وقلت له: لا يهمك.

وبعد حوالي الساعة ارتحت وعادت الأمور إلى طبيعتها، كان سبب مرضي كثرة التعرق نتيجة الحرارة العالية.

جلسنا نتكلم وأخبرني (كفلي) بأن الأخوة المناضلين قادمون.

جزاك الله خيرا، أين العمليات العسكرية؟

يقول لي كفلي: انتظر قليلا يا أخ أبو سغدة.

وانتظرت في المساء جلست أفكر بمستقبل الثورة الإرترية وسط هذه الطبيعة القاسية ونمت وأنا على هذا المنوال لكن (محمود) لم ينم وبقي في حراستي من الوحوش والثعابين والعقارب الكثيرة.

في الصباح سألت (محمود):

أنت تحرسني ممن يا محمود، أنت تحرسني من ثعابين الطبيعة ووحوشها او من الثعابين والوحش البشرية؟؟؟.

من الإثنين معا يا أخي أحمد.

مع بزوغ الشمس كاملة ومن بعيد لمحت حركة غير طبيعية قال كفلي بصوت عالي وقوي وبوجه بشوش ومزهو:

إنهم المناضلون.

وماهي الا دقائق حتى كنت بينهم وكان عددهم أحد عشر مناضلا جاؤوني من بعيد ليروني وأراهم وأقوم بتصويرهم.

سألت (كفلي):

أين جيش التحرير يا (كفلي)، أين العمليات العسكرية ضد الأحباش التي سأصورها.

والله يا أبو سعدة لم نستطيع الاتصال بهم.

أين بقية المقاتلين؟؟؟ حسنا سنذهب إليهم.

وقبل أن أكمل كلامي قال كفلي بلهجته العربية الركيكة:

صعب يا رفيق! إنهم بعيدون جدا والوصول اليهم يحتاج إلى أكثر من شهر.

وهنا شعرت وعلمت بأن هذا العدد من المناضلين هو الموجود وللحقيقة أقول إن هذه هي قوات التحرير الشعبية، لم أشاهد جيشا كما قيل لي.

الذي شاهدته هو أحد عشر مناضلا فقط، أصبت بخيبة أمل ولكن احتراما وتقديرا مني لهؤلاء الأخوة الثوار قمت بالتقاط صور فوتوعرافية لهم ولم ألتقط فيلما سينمائيا، هذه الصور لم تعرف النور لأنها لم تكن تعبر عن الثورة والثوار إنها تعبر عن أفراد يعيشون في هذه الصحراء، ساعدهم الله فما أصعب العيش وقسوة الحياة وعدت أدراجي وبخيبة أمل وشيء من الألم والضغينة خلقا في داخلي ضد قيادة ما يسمى بقوات التحرير الشعبية ومالعمل الذي قمت به من حيث المساهمة الفعالة في تحويل نقود (عثمان سبي) الذي أرسلهم إلى مندوبه في دمشق (سليم الكردي) وأعطيتهم إلى جبهة التحرير وكشفي للرسالة التي أرسلها (عثمان) إلى (أحمد جاسر) والتي تحمل تآمر كل من الأحمدين على الجبهة، خطواتي هذه كانت ضرورية وصحيحة وكان يجب أن تحصل ويا حبذا لو وافق القياديون في جبهة التحرير أن يشكلوا قوى أمنية تحمي هذه الجبهة العظيمة.

عدت وأنا خجل من نفسي لأن رحلتي كانت مغامرة وليست قضية،أردت الابتعاد قليلا عن الأحداث في إرتريا والنزاعات التي تحدث حينذاك، أردت الابتعاد بغية الالتفات إلى عملي الفني ولكن الأخ الشريف صالح أياي الذي ربطتني به أواصر صداقة أخوية أبدية ومن خلال كلامه الذي قاله لي:

يا أحمد يجب أن تتابع وخاصة وأنك أصبحت واحدا منا، من الشعب الإرتري.

وهذا ما كان وتابعت... وسؤالي هنا بعد كل ذلك،هل انتحرت جبهة التحرير الإرترية بنفسها أم تم نحرها...؟؟؟!!!

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click