ارتريا من الكفاح المسلح إلى الاستقلال - الحلقة السابعة والأربعون

بقلم الإعلامي الأستاذ: أحمد أبو سعدة - صحفي سوري - صديق الثورة الإرترية

وسافر سفير المسقبل حتى أنه أشاع قبل سفره بأنه عائد إلى البلد ليكون سفيراً فوق العادة،

ارتريا من الكفاح المسلح الي الاستقلال 2

نعم رضيت به الجبهة الشعبية لكنها لم تعيّنه سفيراً، وهو يهيم الآن على وجهه ومن أمثاله الكثيرون الكثيرون.

اتفق التنظيمان الجبهة الشعبية، والمجلس الثوري على الحوار في أسمرا، ودون شروط مسبقة، وعندما سمعت بهذا قلت لبعض أصدقائي في المجلس الثوري (إنكم لم تتعلموا ولن تتعلموا) لكن على ما يبدو - لم يكن في اليد حيلة، فالمجلس الثوري لم يعد جبهة التحرير الأم، هذه القوة التي كان يحسب لها حساب من العدو الأثيوبي، ومن الأصدقاء، انتهت بل دمّرت.

ذهب إخواني إلى مطار الخرطوم ليسافروا إلى أسمرا لبدء الحوار، وكان على رأس هذا الوفد الأخ أحمد ناصر رئيس الجبهة - المجلس الثوري، وفي انتظار إقلاع الطائرة جاءهم ممثل الحكومة الأرترية المؤقتة في السودان.

وقال لهم: تعتذر الجبهة الشعبية عن استقبالكم في الوقت الحاضر،هكذا وبكل بساطة؟؟؟!!

وعاد الوفد من مطار الخرطوم وإلى الآن وبعد مضي سنوات لم تحدّد الشعبية موعدا لاستقبالهم، وإجراء الحوار معهم - ولن تحدّد، بل تم اختطاف اثنين من قيادي المجلس الثوري في مدينة كسلا السودانية وهما (تخلي قبر صادق، وولد ماريام بهي، وهما من أعضاء اللجنة التنفيذية) تم خطفهما من قبل الجبهة الشعبية وهما الآن يقبعان في سجونها.

وفي الصباح الباكر اتصل بي صالح اياي من الخرطوم وقال لي (لابد أنك سمعت ما فعلته الشعبية، بجماعة أحمد ناصر، وكيف أعادتهم من مطار الخرطوم).

قلت له: (سمعت بأنك يا صالح في طريقك إلى الشعبية).

قال لي: (هذا مستحيل وإذا تم هذا فستكون أنت أول من يعرف، ألسنا مثقفين، أن ندخل ارتريا بعد الاستقلال سوية، أم إنك تريد أن تتنصل).

وأنا هنا أريد أن أبتعد قليلا عن العلاقات السياسية، لأقول لكم: إن الأخ صالح اياي كان يعتبر رمزا من رموز الثورة الارترية الوطنية، بل أحد قادتها الكبار، فكل من كان يعرفنا يقول "أنهما أخوان لم يولدا من أم وأب بل كانا أكبر من أن يكون لهما أب وأم واحدة؟ أما هنا في دمشق، فقد قام مسؤول مكتب الجبهة الشعبية والمدعو حديش درار بعمل لقاءات مع الارتريين الموجودين في دمشق، وشمل اللقاء أعضاء مكتبيّ دمشق والطلاب والأسر المتواجدة، وقال لهم يجب أن تنضموا وتعملوا تحت راية الجبهة الشعبية، فليس هناك بعد الآن، أي تنظيم سواه، والحقيقة أن الطلاب هم الوحيدون الذين قاوموا أفكاره وتوجهه. أما أعضاء مكتب دمشق التنظيم الموحّد، فقد أصبح حديش بالنسبة لهم الآمر الناهي، فكانوا لا يفعلون شيئاً إلا إذا أخذوا موافقته.

وفي يوم من الأيام قلت له: (أتعلم يا حديش أنك تصلح أن تكون راعي أغنام)؟

فقال "أنا مرتاح لهذه التسمية" وقد فهم معناها تماماً ثم سألت كلا من أعضاء مكتب دمشق، لماذا تمشون أمام حديش هكذا وكأنه أبوكم، لا تتكلمون إذا لم يسمح لكم بالكلام، ألهذه الدرجة ترهبونه أم لأن شكل حديش يصلح لأن يمثل أفلام الرعب؟ وكان يأتيني كل يوم ويقول لي ويحمسني (أنت مناضل وأنت قبلنا في الثورة ومن بدايتها وأنت وأنت..) ولم أكن أعرف ما يريده بالضبط.

وفي يوم من الأيام كان في منزلي، نشرب القهوة فقال لي: (ألم يتصل بك الأخ صالح اياي).

قلت له: لا.. ولم أكمّل كلامي حتى رن جرس الهاتف، وكان صالح أياي يتكلم من الخرطوم.

قلت له: (والله أنك ابن حلال، أم أنك وقتها مع حديش، فهو جالس معي).

قال لي: يا أحمد (أرجو أن تتعاون مع الأخ حديش).

وقبل أن يكمل كلمته قلت له (ماذا تقول)؟ فسكت ولم يتكلم وانقطع الخط. وحين جلست كان التأثر باديا على وجهي من كلام صالح.

قال لي حديش: أريد أن أكون صادقاً معك يا أبو سعدة كلهم سوف يذهبون كأفراد، ولن نقبل بهم كتنظيمات، وأنت لا تصدقني، والحقيقة أن حديش كان صادقاً في هذا. وغادر حديش منزلي، ليقوم ويتفقد أغنامه؟.

في صباح اليوم التالي اتصل بي صالح اياي مرة ثانية قلت له: (إن تصرفك وكلامك معي بالأمس كان غريبا ويدّل على أنك ماش إلى الجبهة الشعبية).

قال لي: (لا.. ألم أتفق وإياك عندما ندخل أسمرا سوف نكون معاً)؟

قلت له: (لا.. هذا مستحيل وانتهت المكالمة عند كلمة لا..) مني ومنه.

وبعد أسبوع من هذا الهاتف، انقطع اللقاء بيني وبينه، ودق الهاتف في الساعة الخامسة والنصف من يوم الأحد، لأسمع صوت حديش ممثل الجبهة الشعبية يقول لي: (مبروك يا أبو سعدة إن صاحبك في أسمرا ويقصد صالح اياي).

ووقفت عند كلماته فقد كانت كالنار أحرقتني وبعدها نقلت إلى مشفى الرازي بدمشق، لأمكث هناك يومين، خرجت من المستشفى بعناية الله فقط، فلولا هذه العناية الإلهية لكنت عاجزا طوال حياتي.

وجاءتني الأخت جمعية أم أياي زوجة صالح وبكت حين شاهدتني على وضعي وقالت لي: (لا تزعل يا أحمد... لاسمح الله إذا صار لك شيء ما بتروح إلا عليك وعلى أولادك)؟.

والله أقول هنا وأعترف أني صُدمت، إني أحترم صالح وأحبه من قلبي، ربما فعلها لأنه أصيب بالملل، فقد اعترف لي في يوم من الأيام وقال: (لقد مللت هذا التعامل مع بعضنا، وأفكر أن أستريح).

وعلى ما يبدو قد استراح بذهابه هذا، لكني لم أرد له هذه الاستراحة بهذه الطريقة، كان عليه أن يذهب، ويبقى على رأس التنظيم، وربما حوّل هذا التنظيم، إلى حزب يقول من خلال كلمته، ألم تعد الجبهة الشعبية بتعدد الأحزاب  أما أن يذهب ويتلاشى، بعد كل هذا النضال والعذاب، صحيح أن استقلال ارتريا كان أمنية بعيدة وأكبر من كل شيء، إلا أن التضحيات الكبيرة والدماء التي قدمت كانت كفيلة بتحقيق الحلم البعيد، أنا مع أي ارتري يود الذهاب إلى وطنه والعيش فيه فلماذا قاتل الارتريون وتشردوا ولاقوا من ويلات العذاب؟ مالم يلاقيه، إلا الأخوة الفلسطينيون إذا لم يعودوا لأوطانهم دون سبب فهو أمر غير طبيعي، أنا مع العودة والمساهمة في إعادة تعمير البلد، لكن العودة شيء، والانضواء والعمل تحت قيادة الجبهة الشعبية شيء آخر، أنا ضد كل من يعمل لتفتيت أرتريا أرضاً وشعباً، إن ارتريا لكل الارتريين على مختلف مذاهبهم، ويحق لي بعد تسعة وعشرين عاماً أن أقول: إن ارتريا لن تكون ولن تكون (تجراي تجرينا) أي لكل المتحدثين بالتجرينية في أثيوبيا، وخاصة أهل تجراي الأثيوبيين والمرتفعات الأرترية، إن أرتريا لأهلها فقط، إسلام ومسيحيون ووثنيون عرب وأفارقة أم أفارقة وطنيون لا.. لا.. لتمزيق الشعب الأرتري.

كفاه إراقة دماء وهدم بيوت وهتك أعراض، أما الانتماء القومي للأرتريين فهم الذين يحدّدوه لا السياسة المتبعة حالياً، فكل سياسة قابلة للتغيير والتغير من الممكن أن تقلع الأشجار ولكنك لا تستطيع أن تزيل التراب. إذن من المستحيل أن يغيروا شروق الشمس، فالشعب الأرتري له ترابه وجذوره وثقافته العربية، ومن المستحيل تغيّير تربته، وهكذا فعل الأخ صالح وذهب ولم يعلمني كما كان يفعل سابقاً، ويطلعني على أدق اللحظات وأخطرها، كنا روحاً واحدة في جسدين.

ورن الهاتف في منزلي، وكان صوت صالح إياي يتكلم من أسمرا عاصمة أرتريا المستقلة وكانت قد أخبرته زوجته بما حصل لي، وقلت له: مبروك يا أخ صالح وهنيئاً لك بعودتك إلى بلدك.. وهل هناك أجمل من أن يكحّل الإنسان عينيه بتراب وطنه؟

فقال لي: تكلمت مع الأخوة المسؤولين هنا،اذهب وضع نفسك تحت تصرف مندوب الحكومة الأرترية، في دمشق، قلت له: ليس هناك مكتب للحكومة الأرترية، إنما هنا مكتب للجبهة الشعبية، ثم إنك نسيت يا صالح إنني عربي سوري ولي دولتي وحكومتي، فلو كانت حكومتك هذه حكومة عربية، وتكون مختلفة مع حكومة بلدي، حينها قد أفعل هذا أي أقدم نفسي للحكومة العربية بحالة الضرورة؟.

لكن هذه حكومة الجبهة الشعبية. لكن لي سؤال: "كيف ذهبت ولم تعلمني وكيف رضيت هذا لنفسك؟". وانقطعت المكالمة، فصالح أخبرني بعد أن علم من زوجته وضعي الصحي الخطير، واتصلت به أنا، وتكلمت معه طويلاً. وعندما جاءت فاتورة الهاتف كان المبلغ الذي دفعته تسعة آلاف ليرة لمكالمة واحدة مع الأخ صالح إياي ولنعد إلى الشعبية.

عندما حدثني حديش في الصباح وقال لي: إن صاحبك في اسمرا لم أصدّق إن (صالح) ذهب دون أن يعلمني، أو على الأقل يُعلم بلدي الذي، قدّم للشعب الأرتري المال والسلاح والتدريب والمدارس والجامعات والدورات العمالية والفلاحية، حتى إن بلدي قد خرّج طيارين وفنيين في سلاح الجو. حتى أن الأخ/شيكاي رمضان أصبح رائداً طياراً في الجيش العربي السوري، أليست أرتريا عربية هكذا؟.

كان مفهومي القومي لأرتريا، أما إذا كان غير ذلك، فهذا شأن أرتري خاص. نعم أعطاهم بلدي كل ما يستطيع، أقول هذا ودون منة أو جميل. وما زال القطر العربي السوري كبقية الأقطار العربية، يقدّم المنح الدراسية وغيرها لأبناء أرتريا.

جاء حديش إلى منزلي باكراً وقال لي: ألم أقل لك إن صاحبك أبا اياي سوف يذهب وذهب؟، واليوم أقول لك خبراً آخر أن صاحبيك محمد سعيد ناود وحسن عثمان ستجدهما بعد مدة في أسمرا.

قلت له: (اسمع يا حديش إن من يذهب فهو ذاهب إلى وطنه، وهذا أمر طبيعي ومشروع، أما أن يذهب إلى الجبهة الشعبية فهذا أمر بنظري، غير مشروع وغير طبيعي. وسكت وقال (يجب أن تزور بلك الثاني ارتريا) قلت له (إن شاء الله) وكان يجلس في منزلي ويحدثني ليريني أن زملائي كلهم، كانوا مرتبطين بالجبهة الشعبية، بشكل أو بآخر، وهذا غير صحيح مطلقاً، وأنا لا أقسو على أحد من أصدقائي فهذا وطنهم، ولا أحد ينكر الحق في بلده، إلا أنني كنت أفضّل ألا تسير الأمور، كما سارت. فعندما ذهب عثمان أبو بكر مسؤول العلاقات الخارجية في التنظيم الموحّد إلى أسمرا وبشخصه أجريت له مقابلة إذاعية وقالوا له : لماذا لم تأت قبل الآن؟ أجاب "كنت أجمع زملائي لنأتي سوية".

والحقيقة إن عثمان ذهب وحده ولم يذهب معه أحد، وهو يعيش الآن في القاهرة، بعد أن خرج من المولد بلا حمّص، إن الأخوة الأرتريين الذين رفضوا الأنضواء تحت جناح حكومة الجبهة الشعبية ولم يرضخوا للتهديدات، ومنهم من شكّل معارضة سلمية، وهذا برأيي أفضل الحلول، فالنضال السلمي هو الطريق الصحيح، وبعضهم رفع راية الكفاح المسلح، ومنهم جبهة تحرير ارتريا عبد الله إدريس، والجهاد الإسلالمي، فهؤلاء يعتمدون على الكثير من مقولاتهم، ومنها أن المنطقة العربية تمثل المحيط الجغرافي والسياسي والاقتصادي لأرتريا، ومنهم من يذهب أكثر من هذا، وهذا من حقهم فيقول إن ارتريا عربية ونحن عرب وسنعيد ارتريا إلى أمها، ويجب أن نكون مع أشقائنا العرب، وخاصة الذين وقفوا معنا في مرحلى التحرير، وهذه الدول قطعت عن شعوبها المال والسلاح والدواء والغذاء وقدمت لنا، وأنا أقول إن الأرتريين هم الذين سيختارون انتماءهم القومي، ولكني أفضّله سلمياً.

وفي 1992/9/17 ارسل إليّ الأخ حسن كتنباي، المسؤول في التنظيم الموحّد، رسالة يقول فيها الأخ أحمد تحية طيبة، نحن موجودون في الخرطوم، في اجتماعات اللجنة التنفيذية، وسوف يعقد اجتماع المجلس الوطني، خلال عشرة أيام، نرجو حضورك فوراً إلى الخرطوم، وأرجو اشعارنا بموعد حضورك، وسأتصل بك يوم الجمعة لأعرف موعد حضورك.

حسن كنتباي 1992/9/17 ونفّذت ما طلبه مني، وسافرت إلى الخرطوم، والتقيت بكل من الأخ حسن عثمان والأخ محمد سعيد ناود الذي قال لي: الحمد لله لقد تجاوزنا هذه الأزمة الداخلية وخرجنا ونحن أقوى من الأول.

قلت له: لا أريد أن أدخل في مناقشات لا تجدي إلا أنني أقول لقد أصبح ثلاثة رؤساء للتنفيذية - الأول عمر البرج المتمسك بالرئاسة والذي يقول أنه الرئيس الشرعي للتنظيم والثاني علي برحتو والمصرّ أيضاً على رئاسته للتنظيم والثالث هو أنت.

وقال محمد سعيد ناود أنت يا أخ أحمد تعرف وضعنا ووضع الشعبية جيداً، وتعرف توجهنا العربي، وأن تنظيمنا يمثل التوجه والثقافة العربية، وأكد لي إننا نناضل مع أخوة كثيرين في توطيد توجهنا القومي، ونريدك أن تكون إلى جانبنا، ونحن نعرف ما أصابك من ألم، عندما هرب صالح اياي ورفاقه إلى الجبهة الشعبية، وخاصة إنك تعتبر صالح اياي رمزاً من رموز الحركة الوطنية والثورية لشعبك الأرتري، لكن للأسف، هذا الذي حدث، وعليه فنحن نريدك أن تكون معنا ونحن وإياك سوية.

قلت لمحمد سعيد لا: "ألا تودون أن تذهبوا إلى الشعبية كأفراد مثل غيركم؟".

قال لي وبتأكيد: لن نذهب كأفراد، ولن نحل تنظيمنا، وإذا ذهبنا فنكون سوية، والجبهة الشعبية لابد أن تعترف بتنظيمنا، وأكد لي على ذلك.

قلت له: ليس هذا هو المهم، أن نذهب سوية أو لا نذهب، المهم هو عدم حل التنظيم، ومن الممكن تحويله إلى حزب سياسي ضمن البلد، وإذا أحببتم الذهاب إلى الوطن والتفاهم مع الشعبية، فأرجو أن يكون ضمن مفهوم التنظيم والبقاء عليه، لا أن تذهبوا وتحلوا التنظيم، وتدخلون كأفراد، فإذا تم هذا فلن تكون لكم أية قية سياسية، لا الآن ولا في المستقبل، وخاصة تعرفون إن الجبهة الشعبية أعلنت أنها لن تقبل أحداً من التنظيمات مطلقاً وتجربة جبهة التحرير الأرترية المجلس الثوري قائمة ومعروفة.

ثم قال لي محمد سعيد ناود بخجل: إننا طهرّنا التنظيم من العناصر المتساقطة، وسكت لكنه تابع كلامه وقال: إن الأخ صالح اياي وبتصرفه قضى على نفسه" قالها بخجل لأنه يعرف صداقتي لصالح، وخوفاص على مشاعري تجاه الأخ صالح اياي ثم قال لي "إن الذين هربوا للشعبية عددهم قليل، لا يتجاوز العشرة بما فيهم صالح اياي ومحمد صالح حمد من مجموعة مكونة من خمسة وأربعين عضوا يشكلون المجلس الوطني، وعليه فنحن نريد تقوية التنظيم حتى يكون لنا الدور الفعال في ارتريا، ولن ندخل كأفراد كما دخل صالح اياي "وفرقته"، خاصة إن ظاهرة الاختراق من الشعبية على الصعيد القيادي قد انتهت، ثم إننا دخلنا في حوار دائم، مع السلطات السودانية لتعديل موقفها، وخاصة بعد أن تكشفت لهم خطورة نهج دور الجبهة الشعبية حتى على السودان نفسه.

في أثناء الحديث دخل حمد كلو مندوب التنظيم في أبو ظبي وقال لي: "شفت صاحبك كيف رجع لأصحابه؟". ويقصد الجبهة الشعبية، قلت له هذا الكلام مردود عليك، فصالح اياي رجل وطني وشجاع، ولا أسمح لك بالكلام عنه، وكل الأرتريين يعرفون الخلاف بينهما.

والحقيقة إنني أحب حمد كلو من قلبي، فهو ذو حديث طلي، ثم إن أخلاقه دمثة و هو لطيف، وفضلاً عن هذا فهو مناضل قديم، قضى حياته في الكفاح والنضال، من أجل شعبه. كنت دائماً أقول لحمد كلو عندما يتكلم ويحرّك عينيه "والله لو كنت بنتاً لغازلتك حتى لو علقوني على حبل المشنقة، لعنة الله على السياسة والحقيقة أني كنت إلى جانب كل ارتري، كنت أقف معهم، والمؤسف إن الذي اتضح لي فيما بعد أن تعاملهم معي كان سياسياً، وإن لم يكن كلهم".

خرج حمد كلو وبقيت مع محمد سعيد ناود حيث قال إن من وجهة تعاملنا والتفاوض مع الفصائل الأرترية الأخرى فإننا نحتفظ بعلاقات جيدة معها، وقد أعددنا ورقة عمل لتكون الحوار بيننا، وبين هذه الفصائل، حتى نصل إلى موقف سياسي موحّد، تجاه القضايا المصيرية التي تواجهنا.

وقلت لمحمد سعيد ناود مرة ثانية أخشى أن تذهبوا أفراداً إلى الجبهة الشعبية، وإن هناك إشارات بذلك، أرجو أن يكون لكم شأن في بلادكم، لا أن تكونوا هامشيين.

وعدت والألم يعتصرني إن أخوتي يتساقطون الواحد بعد الآخر وتذوب الأفكار التي آمنت بها بل تذوب أفكارهم، هم أنفسهم الذين يذوّبونها بتقطيع أوصالهم، عضواً بعد آخر نعم.. لم يبق من الجسد شيء.

ثم قام محمد سعيد ناود برفع مذكرة إلى الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذ عبدالله الأحمر وذلك من خلال السفارة السورية في الخرطوم، ثم مذكرات مماثلة إلى بقية الدول العربية أما مذكرة محمد سعيد ناود فتقول: تحية عربية وبعد: يسرني وزملائي أعضاء اللجنة التنفيذية، خاصة وأعضاء التنظيم الموحّد بوجه عام، أن أتقدم بهذه المذكرة مسجلين اعتزازنا بدور سورية الثورة وقائدها الفريق حافظ الأسد، وحزب البعث العربي الاشتراكي بدعم الشعب الارتري وثورته طوال ثلاثين عاماً، حيث تحقق له النصر وخرجت قوات العدو في 1991/5/24.

لقد كان دعمكم لشعبنا وثورته من أجل أن ينال حريته ويقيم دولته الوطنية من جهة ومن جهة أخرى أن تأخذ ارتريا موقعها الطبيعي في الخارطة السياسية في المنطقة بكل ما تمثله من علاقات تاريخية وروابط ثقافية وصلات حضارية مع الأمة العربية.. لقد كنا على اتصال مباشر ومتواصل مع سيادتكم من خلال سفارتكم في الخرطوم، حيث كنا نحرص على وضع الحقائق أمامكم أول بأول، وفي هذا الاتجاه فإنه يسرنا أن نبلغكم إننا تجاوزنا الأزمة الداخلية، إن التنظيم الموحّد قد تحمّل مسؤولية تثبيت النهج العربي وعمقه الإسلامي الواسع، وإدراكاً منا لدور سورية الثورة وحزب البعث العربي الاشتراكي في هذا الاتجاه فإننا نتطلع إلى زيارتكم ليكون اللقاء بيننا مباشرة، ونضع أمامكم همومنا وبرنامجنا ونشرح لكم ما يدور في ارتريا وآفاق المستقبل المنظور.

مرة أخرى نعبّر عن تقديرنا لدوركم الرائد وتحياتنا لكم ومن خلالكم للرئيس القائد حافظ الأسد ولشعب سورية الشقيق...

الخرطوم بواسطة السفارة السورية
محمد سعيد ناود /رئيس اللجنة التنفيذية

وقد أرسل لي نسخة من هذه المذكرة على اعتبار أنني واحد من هذا التنظيم..

في تلك الفترة كان يزورني حديش مسؤول مكتب الجبهة الشعبية في منزلي صباحاً، وبشكل مستمر ودائم، كان يقول لي بأن فلانا وفلان قد وصل إلى اسمرا وهكذا... ثم قال لي يجب أن تكون معنا يا أبا سعدة خاصة وإن لك أصدقاء بين الارتريين، أكثر من أي ارتري آخر، كما أن الأخوة الارتريين يحترمونك ويحترمون رأيك، وبالرغم من كونك معارض لنا، فإن معظم الأرتريين في الداخل والخارج يعرفونك، فكل مكان اذهب إليه يقولون لي: "لماذا لم يذهب أبو سعدة لأسمرا؟ وعليه فيجب أن تقوم بزيارة لأرتريا المحررة".

قلت له: (إن شاء الله سيتم هذا في المستقبل) إلا أنه كان مصرّاً - وعلى ما يبدو فإن الأوامر، جاءته من رؤسائه وبعد إصراره عليّ قلت له: اسمع يا حديش أنا لن أزور اسمرا كأحمد أبو سعدة، إلا بعد أن تعدّل الجبهة الشعبية موقفها ورأيها من الأمة العربية، فأنا لن أتعامل معكم إلا على أساس قومي، وأنا عربي أولاً وأخيراً، وأنتم دائماً تخرجون علينا برواية جديدة عن موقف العرب منكم، ألا تخجلون من أنفسكم؟ من عدم قولكم الحقيقة؟ وأريد أن أسألك "بأي سلاح حرّرتم بلدكم؟" أبسلاح الأمريكيين أم الصهاينة أم بسلاح عربي؟ عليك أن تفهم يا حديش إني عربي ولا أقبل أي كلمة تمسنا، وتمس أي دولة عربية، مهما كان توجهها، فالعرب هم الذين وقفوا مع الثورة الارترية، وفتحوا مخازنهم وقدّموا لكم السلاح والمال والتدريب والجامعات والمدارس والمواد التموينية وحتى الجوازات ...الخ.

عندما تعودون إلى الحقيقة، وعدم النكران، فلكل حادث حديث، أنت سمعت هذا مني، وانقله لمعلميك، أنت كل يوم تأتي لبيتي ثم تذهب وتكتب بحقي الكتب والمذكرات إلى الجهات المسؤولة، وتقول إنني اسيء العلاقة بين البلدين، بل أكثر من هذا، وأنا أعرف إن هذا ليس رأيك، بل رأي رؤسائك، فهم الذين يملون عليك ما تفعله، عليك أن تفهم كما فهم معلموك، إني مع ارتريا العربية، ولست غير ذلك.

وأراد أن يلّطف الجو وقال (إن القيادة في اسمرا، تريد أن تمنحك الجنسية الأرترية، تكريماً لمواقفك ونضالك مع شعبك الأرتري).

قلت له: شكراً لك ولهم، وأرجو ألا تخرج من بيتي، وتذهب وتكتب إلى الجهات المسؤولة والمسؤولين في بلدي، مذكرة كاامذكرات التي كتبتها لقد أجحفت بحقي كثيراً، وحاولت أن تسيء إليّ كشخص. أكتب وأفعل يا حديش ما تشاء فأنت تمثّل تنظيمك، الجبهة الشعبية، وأنا عربي وضدّ كل من يحاول أن يمس العروبة وبلدي.

وغادرني حديش وهو لا يرى طريقه. من أين أتتني أخبار أفعاله هذه؟ إنها من مكتبه... مكتب الجبهة الشعبية.

وفي تلك الأثناء كان الثالوث - الذي باع نفسه إلى الجبهة الشعبية، وبعد أن خان القسم العظيم بالله - يلملم وثائق تنظيم جبهة التحرير الأرترية ويسلّمها إلى الجبهة الشعبية، وهرب الغنم الذي يسوقهم الراعي حديش رئيس مكتب الجبهة الشعبية في دمشق.

كانوا يغشّون أنفسهم ويخونون اليد التي، امتدت إليهم وقت الشدة - هرب حامد طنبار الذي عاش في سورية وتعلم فيها من شهادة الكفاءة حتى تخرجه من الجامعة السورية، هرب محمد نور سعيد الذي عاش في سورية وتخرّج من كلية الفنون وتزوج فيها وأنجب أولاداً هرب هبتي الذي عاش في سورية خمسة عشر عاماً كما هرب من قبله رؤساؤه.

هرب هؤلاء كلهم وكأنهم يعيشوا في دمشق، وعلّموا أولادهم، ولم يقولوا لأحد (السلام عليكم) هرّبهم معلمهم حديش، وكما قال لي (هكذا صدرت الأوامر من أسمرا) لم يودّعوا الماء الذي شربوه، وأنا دائماً أفكر (لماذا هذا الحقد علينا)؟ كنت متفرغاً للتنظيم، أحترمتهم وأحببتهم ورعيتهم، وفي بعض الأحيان كنت أرعاهم أكثر مما أرعى أسرتي. كانوا أولادي وأخوتي. لقد تعلمت أشياء كثيرة من الأرتريين في الريف المحرر. كنت أعيش في الريف الأرتري. بين أهلي أعيش، الأمل الذي أراه في عيونهم أما هؤلاء الذين ذكرتهم هنا، فكأنهم لا علاقة لهم بشعبهم.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click