مذكرات مناضل إرتري - تجربتي في الكفاح الوطني الأرتري - الجزء الاول

قراءة: صالح فايد ـ أسمرا تأليف: علي محمد صالح شوم علي

قول مأثور ”اقرأ لا لتعارض وتفنن ولا لتؤمن وتسلم بل لتزن وتفكر“. صدر كتاب مذكرات مناضل إرتري للأخ

المناضل/ علي محمد صالح شوم علي في شهر سبتمبر عام 2007م وتم توزيعه داخل الوطن لعام 2008/2/2م وبعد مضي أسبوعين من هذا التاريخ انتهيت من كتابة هذه الملاحظات حول مضمون الكتاب ولكن فضلت الانتظار لإعطاء الفرصة لمن هم أجدر وأفضل مني في تناول هذا الكتاب بالنقد والتحليل خاصة إنني أعرف العديد من المناضلين الذين عاشوا الفترة التي تدور أحداث الكتاب حولها ولكن للأسف حتى هذا التاريخ لم تكن هناك أي كتابات تتناول هذا الكتاب داخل الوطن وأخيرا وجدت نفسي مضطرا لطرق هذا الباب إعمالا للمثل القائل ”أن تأتي متأخرا خيرا من ألا تأتي“.

يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام هي:

القسم الأول: يتناول فيه الكاتب مرحلة النضال السلمي في مقاومة الاحتلال ألأثيوبي ونشاطه السياسي في مدينة كرن، وفي الواقع قد وفق الكاتب بشكل كبير وتمكن من أخذ القارئ معه دون أي استئذان في متابعة وقائع وأحداث في مشهد رائع تدافعت فيه الحقائق بأسلوب جميل كجمال مدينة كرن وبسالة أهلها ودورهم البارز والمشهود في مقارعة المحتل، ويمكن القول هنا أن الكاتب قد نجح في سرد أحداث القسم الأول من الكتاب من الزاوية التي كان يقف عندها أثناء وقوع تلك الأحداث التي يتناولها الكاتب ولم يقع في الخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثير من الناس عند كتابتهم لمذكراتهم الشخصية.

وأعني بذلك كتابة المذكرات بلغة لولبية أي أن تكون القناعة شيء والكتابة شيء آخر. أما القسم الثاني والثالث فيتحدث فيه الكاتب عن قصته التحاقه بالميدان وكلمة ميدان تعني في القاموس السياسي الإرتري حمل السلاح ومواجهة العدو بلغة الحديد والنار ويمكن النظر إلى هذه التجربة من زاوية منفرجة بعيدا عن الزوايا الحادة كما هو حال البعض عند محاولاتهم النقدية. وقبل التطرق إلى ملاحظاتي المتواضعة كان من الضروري أبراز بعض الحقائق الأساسية التي تساعد الكاتب والناقد والمحلل السياسي في إبراز الحقيقة كاملة خدمة للوطن وللأجيال الحالية والقادمة وتتمثل هذه الحقائق في:

أولاً: لابد من الإقرار بأنه ليست هناك حقيقة واحدة ولكن هناك عدة حقائق.

ثانياً: عدم عصيان حركة التاريخ والتشويش على عقول الأجيال التي يهمها أن تعرف تأريخها والإلمام به إلماما موضوعيا.

ثالثاً: التأكيد على أن حلقات التاريخ متواصلة مع بعضها البعض، فواقع اليوم لايمكن فهمه فهما صريحا أن لم ندرك الظروف التي قادت إليه ضمن سياقها التاريخي.

رابعاً: الاقتناع والإقرار بأن كل ماكتب حول التأريخ الإرتري الحديث سواء في مرحلة الكفاح المسلح أو بعد التحرير والاستقلال كل هذه الكتابات هي في واقع الأمر عبارة عن مشاريع ومقترحات مقدمة للتاريخ ولاتشكل بأي حال من الأحوال تأريخها بذاتها.

وبناء على هذه الحقائق أستميح القارئ العزيز عذراً إبداء بعض الملاحظات حول كتاب مذكرات مناضل ارتري. وتهدف هذه الملاحظات أولاً وأخيراً إلى تسليط الضوء على الكتاب باعتباره أول تجربة في مجال كتابة المذكرات الشخصية حسب علمي.

حدثنا الكاتب حول انتفاضة شباب كرن وذكر بأنهم كشباب بدءوا في التفكير بالقيام بعمل سياسي منظم، يجمع شملهم وقرروا استئجار منزل لهذا الغرض وقد أخذ تجمع شباب كرن في تطوير أنشطته بسرية تامة، وقد بلغهم في أحدى الأيام بأن أعضاء الرابطة الإسلامية في حي حشلا سيعقدون اجتماعا لعضويتهم، فقرروا المشاركة في الاجتماع والعمل على توجيهه في الاتجاه والمسار الذي يرغب فيه التجمع الشبابي والسؤال الذي يطرح هو ماهي أوجه الاختلاف والتعارض بين التوجه السياسي لتجمع شباب كرن وأهداف وبرامج الرابطة الإسلامية فرع كرن. وقد صور لنا الكاتب وكأن الرابطة الإسلامية فرع كرن كانت تنتهج نهجا يضعها تحت دائرة الاستفهام مما أستدعى من التجمع بأن يقوم بعملية اختراق أمني للرابطة إن صح التعبير عبر قيامه بدس أحد أعضائه وهو السيد/ آدم محمد علي أكتي لمراقبة سير الاجتماع.

الملاحظة الأخرى: وشهد عام 1968م أحداث سياسية كبيرة وقد برزت على السطح حركات عديدة مثل حركة الإصلاح وحركة الكسر وحركة أبناء الساحل وجميع هذه الحركات كانت تنادي بتصحيح الانحرافات والظواهر المتخلفة وبشكل خاص تصرفات بعض قيادات المناطق والسؤال هو أين موقع الكاتب من تلك الأحداث الخطيرة ولماذا لم يتم تسليط مزيدا من الضوء عليها وهل كانت تشكل إرهاصات ومقدمة طبيعية لوجود التنظيم السياسي البديل للجبهة من خارجها وهناك العديد من الأسئلة لايتسع المجال لطرحها على الأقل في الوقت الراهن.

والملاحظة الأخيرة في القسم الأول تتعلق بخطأ في أسم أول أسير للثورة الإرترية من قبل العدو والصحيح هو بيرق حمد نوراي وليس محمد بيرق. كذلك ذكر الكاتب في الصفحة ”104“ أن عثمان صالح سبي أستغل حالة التذمر التي كانت تسود الساحة الإرترية بعد مؤتمر أدوبحا وأخطاء القيادة العامة مما مكن عثمان من كسب أعداد كبيرة جدا من المقاتلين وإرسالهم على الفور إلى عدن وهنا أيضا لم يوضح لنا الكاتب طبيعة وحجم هذه الأخطاء الخطيرة والتي أدت بدورها إلى شق صف النضال الإرتري ولايوجد أي مبرر مقنع يجعل الكاتب يتحفظ من توضيح هذه الممارسات والأخطاء القاتلة لأن من حق الجيل الذي لم يعايش هذه الفترة أن يكون على علم ودراية تامة بأحداث تلك الفترة.

والملاحظة الأخرى يقول المؤلف في الصفحة ”106“ إن الانقسام والتشرذم في الساحة الإرترية دفع بعض المناضلين إلى تبني مواقف عدائية فأقترح البعض تصفية المرحوم/ عثمان صالح سبي ولابد من الإشارة هنا إلى حقيقة هامة يعرفها كل من شارك في المؤتمر الوطني الأول والحقيقة هي أن هذا القرار اتخذ بإجماع المؤتمر باستثناء صوت مناضل واحد وكان صاحب هذا الصوت المعارض هو المناضل/ ادم محمد صالح وهو من العناصر البارزة وكان مسئولا عن مكتب حلفا في الأعوام 1967ـ 1968م وقد قررت سكرتارية المؤتمر إلى ضرورة الاستماع إلى وجهة نظر المناضل المذكور وإعطائه الفرصة ليبرر موقفه المعارض لكل أعضاء المؤتمر، وعرض السيد/ آدم محمد صالح وجهة نظره وقال أن هذا المؤتمر ليس محكمة جنائية تحاكم المجرمين وأنه من غير المقبول، أن ينجر إلى قضايا شخصية لدرجة محاكمة أفراد مهما كان دورهم السلبي. وطلب من المؤتمر أن يعيد النظر في قراره وفي الجلسة المسائية أدركت حكمة السيد/ آدم بقية أعضاء المؤتمر وتم شطب القرار والتراجع عنه بفضل شجاعة ورجاحة رأي المناضل/ آدم محمد صالح.

كذلك ذكر الكاتب في الصفحة ”150“ أن الشيء المؤسف أن قيادة الجبهة قد وافقت على إلغاء سلاحها تحت مبرر عدم الدخول في أي مواجهة عسكرية مع الجيش السوداني وأتذكر جيدا أننا كنا في مدينة كسلا هربا من صيف مدينة بور تسودان الذي لايطاق. والكل كان يتابع تطورات الأحداث، والحقيقة المعروفة أن الجبهة قررت في الاجتماع الذي عقدته في معسكر ”كركون“ بتاريخ 1981/9/3م والذي شهد خلافا كبيراً بين تلك القيادة إلا أن الشيء المهم أنه تم تم أتفاق الأغلبية على ضرورة عدم تسليم الأسلحة للجيش السوداني قدر الإمكان، إلا أنه وللأسف الشديد فإن بعض قادة الألوية كان خيارهم المفضل هو العيش في بلاد العم سام بدلا من مواصلة مسيرة النضال ضد المحتل الأثيوبي هؤلاء هم الذين تسببوا بشكل مباشر وعن قصد بتسليم الأسلحة إلى الجيش السوداني والملاحظة الأخيرة تتعلق بجانب فني فهناك خطأ مطبعي في الصفحة ”175“ وخاص بهيئة الإذاعة البريطانية BBC وليس كما ورد CBB وفي الختام نرجو من كل المناضلين القدامى الذين وهبوا لنا الحياة بأن نعيش أحرارا في وطن يمثل بالنسبة لنا مصدر الحقيقة والصواب والخطأ عليهم أن يبادروا اليوم قبل الغد إلى كتابة تجاربهم النضالية من أجل مصلحة الوطن والتاريخ والتحرر من السبات الشتوي الذي حاصر الكثيرون ومنعهم من الولوج إلى حقل الكتابة والتسجيل عليكم بالكتابة ثم الكتابة وترك الأمور الأخرى لحكم التاريخ وعلينا أن ندرك أن غربال التاريخ وأسع الفجوات تمر من خلاله كل الحقائق التي تصلح للناس وتصلح أن توضع في رفوف كتب التاريخ والشكر والتقدير لمبادرة المناضل علي محمد صالح والتي تشكل بالتأكيد حافزا وعاملا منشطا لذاكرة العديد من المناضلين الشرفاء لكي يسارعوا إلى الكتابة خدمة للوطن وللأجيال الحالية وتلك التي لم تولد بعد.

Top
X

Right Click

No Right Click