الغولاغ الأرتري مشاهدات سوداني في معتقلات الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة - الحلقة السادسة

بقلم الأستاذ: أمير بابكر عبدالله  المصدر: دفاتر أمير

"دجَّن" تعني بالتقرنيا الأرض المحررة (كما قيل لي)، ولكنها تعني بالنسبة لي هذا الشاب الإرتري النشط الذي رمت به

الغولاغ الأرتري

الأقدار في سجن "أدر سار".

وهو من الشباب الذين تربوا وتلقوا تعليمهم في السودان، لم يتبق له من إرتريته سوى حبه العظيم لوطنه. "ولكنهم كرَّهونا فيها هؤلاء" - يقصد الجبهة الشعبية. عاش "دجَّن" حياته بين الخرطوم (تلاتة) وأركويت مع شقيقتيه ودرس هناك حتى المرحلة الثانوية، ثم قطع دراسته ليتمكن من مساعدة أهله وعمل سائق "رقشة". ولأنني لا أعرف الرقشة، وليس لي تصور محدد عنها وصفها لي "دجَّن" لدرجة أنني تخيلته هو نفسه الرقشة من كثرة حديثه عنها ونشاطه وحركته الزائدة سواء داخل العنبر أو عندما تم تكليفه مع أخوانا بابكر وعبده وإسحق للعمل في المطبخ بعد إطلاق سراح "عامر" وعودته للسودان.

علمت من "دجن" أن الإرتريين في السودان يتسللون إلى ليبيا عن طريق الصحراء ومنها يحاولون الهجرة إلى بلدان أوربا وخاصة إيطاليا، وأن إحدى شقيقاته سافرت إلى ليبيا منذ عام وأنه يحاول توفير بعض المصاريف لها لتواصل دراستها هناك حتى تتمكن من السفر لاحقاً إلى أوربا. كان هذا سبب قدومه للمرة الثانية لإرتريا مجازفاً لملاقاة والديه المقيمين في مدينة تسني الحدودية لتوفير مبلغ أكبر من المال لشقيقته. نجح في المرة الأولى في عبور الحدود من السودان إلى إرتريا كما نجح في العودة إلى الخرطوم دون عوائق تذكر. ولكن في المرة الثانية أصر عليه بعض الشباب من معارفه أن يذهبوا معه إلى السودان ويخرجوا من هذا الجحيم الذي يعيشون فيه.

إقتنع "دجن" بعد نقاش طويل معهم بأن يرافقوه في طريق عودته، ووضع خطة بعد أن درس كل الطرق التي يمكن أن يخرج بها في سهولة دون أن تلتقيه قوة من حرس الحدود أو المخابرات المنتشرة. وقرر أن يأخذ أصدقاءه عبر طريق قلسا كسلا بعد أن يقطعوا مسافة محددة مشياً داخل مجرى القاش، ومن ثم يعبرونه قرب جبل قلسا الشهير الذي بتجاوزه يكونون قد وصلوا إلى بر الأمان.

قاد "دجن" مجموعته حتى وصلوا إلى جبل قلسة حيث كانت في انتظارهم قوة من حرس الحدود وأفراد من المخابرات. حاول "دجن" الهروب وكاد أن ينجح لولا أن القوة أطلقت الرصاص في إتجاههم فأصابت واحد من مجموعته. توقف بعدها وعاد إلى حيث رفيقه الجريح، لتعتقله قوات حرس الحدود هو وبعض أفراد المجموعة في حين نجح واحد في الفرار ومواصلة طريقه ولكن إلى أين ؟ (هذا ما لا يعرفه دجن).

تم ترحيلهم فوراً إلى سجن المخابرات في "تسني" ومروا بما يمر به عادة المعتقلون هناك إلى أن تم ترحيلهم في العربة الفيات ضمن مجموعة كبيرة إلى سجن "أدر سار". وعندما سألته عن بقية أفراد المجموعة، قال لي أخذوهم إلى ساوا فهم لم يقضوا فترة التدريب العسكري.

شيء أقرب إلى هذا حدث مع "سمهر"، تلك الفتاة الحسناء التي لم تتجاوز السادسة عشر التي أقلقت مضاجعنا يوم أمس. قررت سمهر الهروب إلى السودان، ويبدو أنها خططت لذلك منذ مدة طويلة ولكنها أسرَّت إلى إحدى زميلاتها بذلك. غادرت تسني إلى قرية قلوج الأقرب للحدود ومن هناك إنطلقت على قدميها محاولة عبور المنطقة الحدودية من تلك الناحية حيث منطقة القرقف السودانية.

بدلاً من عبور الحدود وجدت سمهر نفسها داخل عربة لاندكروزر بك أب تابعة لجهاز المخابرات الأرترية عادت بها إلى قلوج ومن ثم إلى تسني حيث أخضعت للتحقيق لفترة قبل أن يتم استدعاء والدها "كبروم" في منتصف الليل وضربه ليوافق على ما ذكرته إبنته. وكان ما ذكرته سمهر بعد الضغط الشديد عليها من قبل رجال المخابرات أن والدها كان على علم بمحاولة هروبها للسودان، بل هو من حرضها للقيام بذلك. وهاهو الأب "كبروم" الذي تجاوز الستين من عمره يستلقي بجواري تعلو وجهه الدقيق الملامح نظرة قلقة وتملأ عينيه عبرة يحاول الإمساك بأطرافها قبل أن تنزلق دموعاً.

لكن ما يثير الدهشة هو أن مخابرات الجبهة الشعبية التي نجحت في إلقاء القبض على سمهر وغيرها وفشلت في إلقاء القبض على الأضعاف المضاعفة من الهاربين الذين نجحوا في عبور الحدود والتسليم للسلطات السودانية ومن ثم إلى مفوضية شئون اللاجئين، تلك المخابرات لم تسأل نفسها ما الذي يجعل فتاة في مثل عمر "سمهر" ذات الستة عشر ربيعاً تجازف كل تلك المجازفة لتعبر وحيدة الحدود إلى دولة أخرى، ولم تسأل نفسها كيف يمكنها الحد من تلك الظاهرة التي تفشت واستشرت بشكل يهدد ليس أمن إرتريا القومي فقط بل إقتصادها وتماسكها الإجتماعي. وكما قال لي "كبروم" هل سيظل عمل المخابرات في بلادي هو مطاردة الهاربين عبر الحدود بدلاً من وضع خطة متكاملة بزوايها السياسية والإقتصادية والإجتماعية تجعل من الممكن أن يعيش الإنسان في وطنه عزيزاً مكرماً بدلاً من السعي الدؤوب لهؤلاء الشباب في محاولات الهروب.

18 أبريل 2005:

إنه يوم بطعم السودان ونكهة شرقه المميزة؛ ففي منتصف النهار وصلت - وسط ترقب المعتقلين في سجن "أدر سار" - الشاحنة الفيات من مدينة تسني. وصل على متنها هذه المرة ما يفوق الخمسين معتقلاً بينهم خمسة سودانيين من أبناء الشرق ومن مدينة كسلا بالتحديد. إثنين من أبناء الهدندوة هما فرج وأونور والآخرين من أبناء الرشايدة هما بِركي ومحمد وإدريس (أول مرة أسمع بهذا الإسم بين أبناء الرشايدة).

وكما ذكرت في موضع سابق فإن التداخل القبلي بين إرتريا والسودان يكاد أن يذيب الحدود الجغرافية وهو بالفعل يذيب الحدود الإثنية خاصة في الحدود الشرقية للسودان التي تقابل الغربية لإرتريا. ويتبدى ذلك جلياً في الإمتداد القبلي المتمثل في قبائل الهدندوة والتي تسمى في إرتريا بالحدارب وهم من يتحدثون لغة البدويت، وقبائل البني عامر عندنا هي قبائل التقري كما يسمونها هناك وهم من يتحدثون بلغة التقري، وقبائل الرشائدة المتواجدة في الدولتين وهم معروفون بأصولهم ولغتهم العربية.

إذاً قويت شوكتنا - نحن السودانيون - بهذا العدد المعتبر، فقد أصبح عددنا تسعة معتقلين يحملون الجنسية السودانية ومصنفون كسودانيين في سجلات السجن. أقول هذا لأن كثيرين من أبناء إرتريا وخاصة أبناء القبائل الحدودية المذكورة يحملون الجنسيتين السودانية والإرترية وهذا يعد من المؤشرات المضيئة للعلاقات الأزلية بين الشعبين رغم أنهم يعاملون في إرتريا باعتبارهم إرتريين وفي السودان باعتبارهم سودانيين.

وليس هذا العدد المعتبر هو ما قوى شوكتنا فقط ولكن تلك الروح المرحة التي أضفاها على عنبرنا - التحت أرضي - كل من فرج وإدريس، لتصبح الفترة ما بين الواحدة بعد الظهر (نهاية الفترة الأولى من الأعمال الشاقة) والثالثة عصراً (بداية الفترة الثانية من الأعمال الشاقة) أكثر الفترات إمتاعاً بعد أن كانت تمضي ثقيلة ومثقلة بتعبنا وإرهاقنا وكثير همومنا من مصير مجهول. ففرج يجيد الغناء خاصة بالبدويت، وهو عضو في فرقة فنية معروفة في منطقة كسلا وما حولها ويمتلك حنجرة صافية وصوت شجي، إلى جانب ذلك فهو صاحب نكتة وتعليق ينم عن سرعة البديهة وحضورها. أما إدريس الرشيدي فكان يجيد التقليد والمحاكاة، ليتبادلا فينا تلك السويعات نغطي خلالها دهشتنا واستحساننا وضحكاتنا بجدار من الأسمنت والحذر وجسد مرهق أصلاً خوفاً من سوط السجان.

وصار الطقس سودانياً - داخل عنبرنا - أكثر من كونه أرترياً رغم وجود ما يفوق المائة وخمسين من المواطنين الأرتريين داخله. فمعظم المعتقلين هنا إما متهمون بالهروب إلى السودان أو متهمون بمحاولات تهريب مواطنين إلى السودان، وداخل هذا الطقس الذي خفف علي كثيراً وكلما صدح فرج بأغنية هدندوية استرخى جسدي وسرح فكري في تلك المعاملة السيئة التي يلقاها السودانيون المقيمون في إرتريا تحت ظل حكم الجبهة الشعبية. فما أن تقترب أيام المناسبات التي تنظمها الجبهة الشعبية حتى ترى السودانيين المقيمين هناك يسيرون بجوار الأسوار خوفاً من الزج بهم في السجون. ورغم ذلك لا يسلم أحد من قضاء فترته في السجن من قبل بدء الإحتفال المعني وحتى ما بعد انقضاء مدته إلا من رحم ربي. ولا يسلم حتى المنتمين لتنظيمات معارضة من ذلك.

للجبهة الشعبية مواقف كثيرة مع المعارضة السودانية وأفرادها المقيمين في المدن وحتى المتواجدين في الجبهة الشرقية تكشف عن نوعية الذهنية التي تسيطر على قادتها. ويبدو أن نشوة إنتصارها على الجيش الإثيوبي وتحقيق الشعب الإرتري لإستقلاله (وقد كانت تمثل طليعته وقتها، بعد أن أزاحت عن طريقها كل الحركات الإرترية المقاتلة في فترة سابقة)، يبدو أن نشوة الانتصار تلك صورت لها أنها قادرة على إخضاع كل منطقة القرن الأفريقي وأن لها القدرة على لعب دور مركزي في المسألة السودانية يمكنها من السيطرة على كل خيوط اللعبة. ولكنها تجاهلت أو بالأحرى لم يفهم قادتها أن اللعبة السياسية لها قواعد متحركة سواء داخلياً أو على المستوى الإقليمي أو الدولي وأن متطلبات التعامل مع قواعد النضال المسلح هي ليست متطلبات التعامل مع جهاز الدولة.

يكتب عبدالرحمن ابن محمد بن خلدون الحضرمي في مقدمته في الفصل 47 (في كيفية طروق الخلل للدولة): "فإذا جاءت الدولة طبيعة المُلكِ من الترف وجدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك، فيستبد في جدع أنوفهم بما بلغ من سوادهم. ويأخذهم الترف أيضاً أكثر من سواهم لمكانهم من المُلك والعز والغلب، فيحيط بهما هادمان وهما الترف والقهر. ثم يصير القهر آخراً إلى القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر، فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم، وهي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها، فتنحل عروتها وتضعف شكيمتها، وتستبدل عنها بالبطالة من موالي النعمة وصنائع الإحسان ويتخذ منهم عصبية، إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية، لفقدان الرحم والقرابة منها.

فإذا كانت الدولة التي عاصرها بن خلدون، وقرأ بحصافة ودقة ما قبلها، تقوم على العصبية القبلية (الأمويون، العباسيون وغيرهم عند العرب، وحتى على أيام الفرس والروم والممالك الأوربية هي أمثلة ساطعة لذلك) ويفعل فيهم صاحب الأمر ما يفعل بدافع الخوف على ملكه، فإن الأنظمة الاستبدادية تقوم على عصبية أخرى تحكمها مصالح أكبر من مصالح القبيلة لكنها تقود إلى ذات النتيجة ويفعل صاحب الأمر ما يفعل أيضاً بدافع الخوف على حكمه.

إسقاط هذا القول على الجبهة الشعبية (للديمقراطية والعدالة) لا يحتاج لكبير عناء على المستوى الداخلي لها. ولأنها لا تقرأجيداً فهي لم تستفد من ما يحدث حولها، ويعزى ذلك لضعف قدراتها على مستوى إدارة دولة وكذلك لقلة خبراتها في التعامل مع قواعد اللعبة السياسية. وقد قلت من قبل إن قادتها يحاولون ممارسة السياسة على طريقة الفهلوة السودانية ويدخلون أنفسهم في الزجاجة ويغلقونها خلفهم ثم لا يعرفون طريقاً للخروج من عنقها الشيء الذي يجيده الساسة السوادنيون. ومرد ذلك لا لشيء إلا للخبرة الطويلة للسودانيين في ممارسة العمل السياسي والتي تقف أمامها تجربة الجبهة الشعبية ضئيلة جداً وهو ما يجعلها تتخبط لأنها لا تريد أن تقرأ أصلاً. وحتى أنها لم تستفد من أخطاء ألد أعدائها (نظام الخرطوم) الذي بدأ عدائياً لدرجة الهوس تجاه التعددية السياسية والديمقراطية وفعل في مواجهتهما ما فعل، وانتهى به المطاف للإضطرار لدفع إستحقاقات قيام نظام ديمقراطي يقوم على التعددية السياسية، يؤمن به أو لا يؤمن ليس مهماً ولكنها القواعد المتحركة للعبة السياسية.

الجبهة الشعبية حاولت لي عنق هذه الحقيقة (ضعف خبرتها السياسية) في تعاملها مع المعارضة السودانية، واعتقدت أنها طالما استضافتها - رغم أن الذي استضافها هو رحابة صدر الشعب الإرتري - فإنها ستحقق عبرها أجندتها وتستطيع أن تملي عليها ما تريد، متجاهلة أنها تتعامل مع قيادات وأحزاب عركت السياسة وعركتها. وتحضرني هنا واقعة - والعهدة على الراوي - أن الأمين محمد سعيد (أمين عام الجبهة الشعبية) اتصل هاتفياً بمكتب مولانا الميرغني وقال لمستقبله على الخط، بعد أن عرف نفسه، أنه يريد مولانا. فرد عليه المستقبِل: "مولانا.. مرة واحدة. ما تقول... أو... بعدين تجي لمرحلة مولانا".

26 أبريل 2004:

غنى مرة أخرى فرج ليقوم بعده إدريس بتمثيل وقائع تعذيبهم في سجن المخابرات بتسني بطريقة ساخرة جعلت صوتنا يرتفع ضحكاً. إنها السخرية التي تقتل المعاناة والرتابة وتعمل على تجاهل كونك معتقلاً مع الأشغال الشاقة وتحت الأرض.

أفراد كثيرين تعرفت عليهم هناك وحقائق أكثر تكشفت لي أثناء مسيرتي من سجن المخابرات الأرترية "تراكبي" بالعاصمة أسمرا إلى سجن "أدر سار" الواقع في وسط رئاسة قوات حرس الحدود الأرترية بالقرب من الحدود الشرقية للسودان. أبرز هذه الحقائق أن نظام الجبهة الشعبية (للديمقرطية والعدالة) يعادي كل شعبه، لا يفرق في هذا بين التقرنيا والبلين ولا بين التقري والساورتا ولا بين المسلم والمسيحي. إنه يعادي الجميع دون تمييز، فقط صفوة قبيلة الجبهة الشعبية وديانتها هي السائدة. ولكنها كما كتب بن خلدون " يحيط بها هادمان وهما الترف والقهر. ثم يصير القهر آخراً إلى القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الأمر، فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم"

وهذه الحكاوي ينطبق كثير منها على كل الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث التي عانت شعوبها تحت ظل أنظمة وطنية أكثر مما عانت اثناء فترات استعمارها. ولا مخرج لنا من كل هذا سوى الإيمان الراسخ بالديمقراطية قولاً وفعلاً، وجوهرها هو الاعتراف بالآخر والإيمان به وبقدراته واحترامه واحترام حقوقه. إنه المفتاح للولوج إلى لب الحل، أنه المفتاح لبناء الدولة على أسس متينة والمفتاح للتنمية والنهضة.

تـابـعـونـا... فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No Right Click