البعثة الإنجليزية إلى ملك الحبشة يوحنا ستة 1887م الحلقة الخامسة

ترجمة الأستاذ: عبدالحميد الحسن تأليف الأستاذ: جيرالد هـ بورتال - مبعوث دبلوماسي

بقينا نسير صامتين ساعتين أو ثلاثة كل واحد منا يشعر بان عليه أن يدخر ما يستطيع من قواه.

كان ألقيط وشواظ الشمس حادين لا يرحمان. وكنت دائب النظر بقلق إلى الخلف لا تأكد من إننا ما زلنا معا، لم نتحدث بشئ ولكننا جميعا كنا نعرف أن ظروفا كثيرة كانت تقف ضد إمكانية اقتفاء اثر الطريق رجوعا فوق الجبال التي تسلقناها خلال الليل وهذا إذا افرضنا أن قوانا وقوى خيولنا، كانت كافية.

في حوالي الساعة الواحدة بداء احمد فهمي يبطئ ويتخلف عنا فأنذرناه ثانية بأن سلامة المجموعة كلها تعتمد على بقائنا معا، ولم يكن لحثنا ورجائنا وأوامرنا لا اثر وقتي ثم ما يلبث أن يترك لتخلف نصف ميل إلى الوراء وأحيانا أكثر وفي كل مره كنا أنا وبيتش نرجع لأعادته ثلاث مرات أنذرته بحزم بأنني لن انتظره ثانية وأنني أقوم بتعطيل الآخرين لكي أسير به قدما، كنت أعوض حياة الجميع للخطر لقد كان في الواقع أكثرنا انتعاشا، فقد شرب وأكل بعدنا بكثير ولم يقم بأي عمل من الأعمال اليدوية الشاقة التي عالجنا بها البغال وأنهكتنا وأخيرا أقسمت له بأنني لن أعود بعدئذ أبدا ولن انتظره وأن عليه أن يبقى معنا أو يتبع أثرنا ولكنني أكدت له بأنني في الحالة الثانية سأرسل له الإغاثة فور وصولنا أم كلو. هذا إذا وصلنا فوعدني بأن يبقي مسايرا لنا، وكان حصانه أيضا كثر الخيول نشاطا ومع هذا فبعد خمس دقائق أخذ يتلكأ في المؤخرة ثم نزل واستلقى لينام على الرمال... هذا على الأقل ما نقله إلي بعدئذ محمود. الصبي العدني إذ لم يلاحظ بيتش أو أنا اختفاءه إلا بعد ذلك بكثير. أما هيتسوب فقد كان بعيد على أن يلاحظ أي شي.

لم يشاهد أحمد فهمي المسكين بعد ذلك على قيد الحياة أبدا بل وجد جثة هامدة في اليوم الثاني وأعيد إلى أم كلو ليدفن هناك وأنا أعلل موته بشي واحد وهو انعدام العزيمة فيه لقد كان أو هذا بداء عليه أكثرنا انتعاشا شرب الماء بعدنا بوقت طويل لكنه انهار بدون أي مقاومة وتحد كبيرين شان الباقين لم يناضل بل استلقى واستسلم وترك المعركة، ولابد إن أشير هنا إلى أن حكومة جلالة الملكة تكرمت بعد أشهر من الحادثة فمنحت مبلغ 450 جنيها مصريا لأسرته باعتبار أن أحمد لاقى حتفه وهو في الخدمة الإنجليزية.

ركبنا بعد ساعة تلسعنا أشعة الشمس الفائقة وعيوننا مسمرة على الأرض باحثة عن أي أثر يدلنا على أننا ما زلنا على الطريق الذي سلكناه في انطلاقتنا من أم كلو وحين كانت الأرض تمتلئ بالبحص بالحجارة كان اتجاهنا عمل تخمين عشوائي إذ يمكن لفرقة فرسان كاملة أن تقطع تلك الأراضي غير مخلفة أثر بل لقد اكتشفنا مره أو مرتين أننا شردنا عن طريقنا لكننا كنا نعود فنكتشف مرة ثانية قبل ضياع وقت طويل. وفي حوالي الثانية والنصف بعد الظهر كان ألقيط شديدا وكانت الصحراء السوداء المحيطة بنا والممتدة تحتنا تعكس حرارة الشمس لدرجة مؤلمة ولقد قرأت درجة الحرارة في قياس جيب احمله فوجدتها 103 (93 درجة مئوية) في الظل، ولم أجرو على معرفة مقدارها تحت الشمس. كان هتيسون قد بلغ من التعب المؤلم درجة أنه كاد إلا يتمالك نفسه قائما في السرج لهذا أعلنت عن ست دقائق توقف آملا أن يفيدنا قليل من الراحة وكانت التجربة مشكوك في نتائجها.

فالصعوبات التي وجدناها في العودة إلى الركوبة أخيرا كانت أكبر مما كنا عانيناه لو بقينا راكبين وتابعنا. ولكن ربما أفادت الراحة الخيول. كان هيتسون يعاني ألاما رهيبة. لكنه تجلد وقاوم ميله الشديد إلى الاستلقاء والغيبوبة الدائمة بل ناضل بعزيمة لا يفيها حقها أي مديح. كان عند بيتش زجاجة وبسكي في محفظته فآخذ كل وأحد منا جرعة واحدة. لكننا رميناها من أفواهنا بسرعة بعد أن لذعت حلوقنا واستنا الملتهبة. في هذا لأوقت تبدد كل اهتمامنا وقلقنا بخصوص تقصي الطريق الصحيح نتجبة لذكاء أحد البغال التي أطلقناها. الذي كان بسبر أمامنا بتصميم وثقة. وقد جعل منخريه قربين من الأرض وثنى أذنيه إلى الخلف متتبعا طريقنا على حاسة الشم عنده كالكلب المدرب ولقد أجمعنا بعدئذ وبدون تردد أنا ندين بحياتنا إلى ذلك البغل بذات.

لقد بلغنا موضع مخيمنا السابق يا نجوس حوالي الساعة الرابعة لكنا اضطررنا بعد ذلك بقليل إلى التوقف ثماني دقائق لتمكين هيتشون من يعض الراحة وبدأنا أنا وبيتش تنتابنا الشكوك في أمكان نجاحنا في أعادته إلى أم كلو. كان في وضعه على السرج مرة أخرى. لم يكن لسانه وشفتاه سوداء ومتيبستين فقط، فقد كانت هذه حالنا جميعا. لكنه كان يعاني أفظع الآلام الباطنية أيضا، تلك الآلام التي كانت أحيانا تطويه طنين، والتي لم يأت دورنا فيها حتى تلك اللحظة لكننا كنا على حالة لا تمكننا من مد يد العون الفعال إليه فهو يدين بحياته التي أنقذها إلى عزمه وتصميمه النادرين على النضال حتى النهاية.

كان محمود الصبي العدني قد تهاوى منذ مسافة قصيرة خلفنا لكني لم أقلق عليه كثيرا، لأنه كان نشيطا نسبيا ولأننا وصلنا ألان إلى السيل الرملية التي انطبعت آثار خيول عليها واضحة. في الوقت ذاته كانت الشمس تنحدر في الأفق بسرعة، لكن ثقتنا ب(رائدنا) البغل الهمام كانت من العظم بحيث أننا لم نقلق بخصوص معرفة الطريق والمكان العودة هذا إذا بقيت فينا قوة على ذلك أو إذا تحملت خيولنا فترة أطول. وعند الغروب بالضبط خمنت بأننا لم نكن بعيدين أكثر من أربعة أميال أو خمسة من الحصون الإيطالية. ونظرا لان الطريق أصبح واضحا فأنني حثثت جوادي التعس فأصبح يخب خبا وانطلقت مسرعا بأمل في إرسال النجدة إلى الصبي العدني والى أحمد فهمي.

وحال وصولي إلى الحارس الإيطالي أوقفني الذي فهم حالتي فورا لأنني كنت عاجزا عن التعبير الواضح نظرا لان لساني المتجلد المشقق المسود كان قد انشل تقريبا - هرول الحارس ليحضر الماء إلى بيتش وهيتسون، اللذين أشرت إليه أنهما ليسا بعيدين ورائي. وبعد خمس دقائق بلغت بئرا جلب لي بعض الجنود دلوا من الماء لحصاني وكيلا منه لا رواء ظمئي ومن المستحيل بل من المحال علي إن أحاول التعبير عن فرحي بذلك الشراب أحاط بي ضباط الحامية فورا وخلال ربع ساعة أو اقل غادرنا كشافان عربيان موثوقان على هجينين سريعين ومعهم الزاد والمؤن للصبي الصومالي ولأحمد فهمي.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click