البيئة المحلية في الرواية زخرفة أم وظيفة عضوية؟ رواية - شاهد قبر- نموذجاً

بقلم الأستاذة: فيحاؤ السامرائي  المصدر: الحوار المتمدن

لا يمكن تبرير التصور الشائع بأن ثمة رواية جيدة ورواية أخرى غير جيدة، إذ لا وجود لرواية

سيئة بالكامل ولا رواية كاملة تماماً.. ليس من الانصاف أن يشطب قارئ أو ناقد جهداً فكرياً لروائي دون الأخذ بنظر الاعتبار كل حيثيات العمل ومفاصله، كموضوع السرد أو اللغة أو الاسلوب على سبيل المثال.. أحيانا نحتاج إلى أن نقرأ نصوصا لكتّاب اقل لمعاناً، أسماً وشهرة، ينشرون لأول مرّة.

محمد مسوكر، روائي أرتيري، يحكي في رواية "شاهد قبر" عن حياة أخرى بحسيّة واقع مختلف ببيئته وعاداته، بخصوصيته وبمحليته.. نتعرف عبرها، على خصائص إثنوغرافية ثقافية مجتمعية لمنطقة القضارف شرق السودان، حيث تدور أحداث الرواية في الثمانينات، بعيون ناس معزولين تستهلكهم صراعات ومشاكل هوية، محملين بذاكرة زمن وتراث بيئة يجسّدون شخصيات أدبية تتماهى مع فضاءات مكانية وزمانية تحدد طرق معيشتها وتؤثث معمار الرواية وعالمها الداخلي والخارجي ومنظور تطورها.

تزدحم بيئة الرواية بعادات وطقوس (شرب القهوة، بناء البيوت التقليدية، اللبس، العرس، المطبخ، الغناء والآلات الموسيقية، تقبيل ظهر اليد كنوع من السلام، الأكل بيد وطرق الصحن بيد أخرى طرداً للذباب...)، بمفردات محلية (راكوبة / عربة، قطيّة / كوخ، جبَنة / قهوة، برينسة / مركبة، تكوبة / سجادة، عرات / سرير، الديم / الحي...) بمميزات المناخ الاستوائي (المطر، أنواعه ومسمياته..).. بأسماء قبائل (بجا، فلاتة، نوبة، الشكرية، البطاحين، ضبانية، الجعليين، دناقلة)، وأشخاص (ولدبلعاي، أرهيت، إيرات..)، بلهجات وبلغات (التقري البجاوي، من التقرايت، أي لغة الجئز أو الجعيز السبئية، والرطانة، لكل من يرطن بغير العربية، "لغة الطير"..) وهذا ما يعكس التنوع في البلاد، فبعد صراع مسلّح مع الحكومة الاثيوبية، تنزح أعداد كبيرة من الأرتيرين الى السودان، الى بلد يتكون من 570 قبيلة تنقسم إلى 57 فئة إثنية.. 39 بالمئة منهم من أصول عربية، 30 بالمئة جنوبيون أو من أصول أفريقية، 12 بالمئة قبائل البجا، 15 بالمئة نوبيون، مع مجموعات أخرى، يتكلمون 114 لغة مكتوبة ومنطوقة، 50 منها في جنوب السودان ويتحدث 51 بالمئة من الناس اللغة العربية، 49 بالمئة لغات أخرى..60 بالمئة مسلمون، 10 بالمئة مسيحيون، 30 بالمئة وثنيون وأصحاب ديانات أفريقية مختلفة.

تتمثل البيئة المحلية في صور ناطقة معبّرة تجعل القارئ يسير مع المؤلف في دروب المدينة ذاتها ويحسّ بالحر ودبقه في ذروة المطر الغزير، يشم رائحة قهوة مطبوخة بالزنجبيل، يرى وسائط نقل بدائية تخترق دروباً طينية ويطلع اليها رجال بملابس تقليدية، يستريح في قطاطي مخروطية مغطاة بالقش، جيدة التهوية صيفاً ودافئة شتاءً، يلمح (العم سليمان) ناعساً راغباً بقيلولة وعزلة أثناء ظهيرة قائظة ويتعرف على شخصيته المعرفية المتناقضة (غائم لاتحدد ذاكرته رائحة... يعجز أمام تراكم الأحلام..يخشى من فكرة الحلم... يكتشف أن شروطاً تعيش خارجه تمنع حلمه من التحقق.. فيمكث مع حلمه طويلاً يسامره ويناجيه ص153).. يتفاعل القارئ أيضاً مع علاقة (سميرة) الوجدانية وفشلها بسبب كرامة الانثى ويتذوق كرم ضيافة عشائرية عندما يرى (ابراهيم) مصطحباً النسوة المسافرات الى بيت والديه، يميّز التفاوت الطبقي في ملبس وحجم قطية أو بالحصول على الماء، يدرك الحضور القوي للسياسة وهمومها بين رجال مختلفين (جبهة التحرير أدخلتها القبيلة التي تأكلكم هنا في السودان... الثورة الارتيرية هي لتحرير الانسان قبل الأرض... هل التنازل لمنع الحروب أبقى قيمة من الحق الضائع؟).. يعيش القارئ كذلك بأنه مع ناس بحنينهم الى زمن مضى وأرض يتركونها، يحس بلسع أسئلة الشباب حول ما يشغل الانسان من قضايا أزلية جوهرية (لماذا لايبتكر الانسان فرشاة لتنظيف الذاكرة... كيف تكون رائحة الذاكرة؟...)، يتجول في أفكار الروائي: (اننا مشغولون بالنفي والاثبات، أو تائهين فقدنا شعورنا بقيمة الزمن.. المعرفة تحول الانسان الى حالة عقلانية.. البكائيات لغة الفقراءالأغبياء.. كل الشئون التي نفكر فيها عادة لانصل الى تسوية لها بل الاستغراق في التفكير أصبح سمة لنا.. الناس عبارة عن أثرياء أغبياء وفقراء أغبياء).

نضع تشابك أحداث الرواية و تقريرية النص أحياناً جانباً، مع كل هذه السياحة الجمالية في البيئة المحلية التي تؤسس لشخصية رئيسية فنية لا تزويقية في النص وتصبح شاهداً على هوية الكاتب وفعل الكتابة لا باعتبارها محض مكان هندسي لوقوع الأحداث، يمارس وظيفة محددة بل يتجاوزها إلى فضاء يتسع لبنية الرواية ويؤثر فيها من خلال زاوية رؤية فنية لإنسان يعيشها ويدافع عن وجوده الانساني فيها.

Top
X

Right Click

No Right Click