كتاب حركة تحرير ارتريا الحقيقة والتاريخ - الطبعة الثانية

تأليف الأستاذ: محمد سعيد ناود - روائي كاتب مؤرخ ومؤسس وقائد حركة التحرير الإرترية

لقد مرت 14 عام منذ صدور الطبعة الأولى لكتاب (حركة تحرير ارتريا ـ الحقيقة والتاريخ). والكتاب وما يحتويه من مقدمة ومحتوى

حركة تحرير ارتريا الحقيقة والتاريخ   الطبعة الثانيةموجود بيد القارئ.

ولكنى وباختصار شديد أقول انه شمل صفحة هامة من تاريخ الثورة الإرترية ومن قبلها القضية الإرترية مضافا إليها ما أحاط بنا من مؤامرات دولية تمثلت في دور أمريكا بما يتمشى مع مصالحها الإستراتيجية في فترة الحرب الباردة وسعيها للتمركز في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بما يخدم هذه الإستراتيجية.. والدور الأثيوبي المتمثل في عقلية التوسع على حساب الشعب الإرتري.. أيضا تطرقت للنضالات التي خاضها الإرتريون بعد الحرب العالمية الثانية لنيل حقوقهم المشروعة في حق تقرير المصير والاستقلال الوطني أسوة بباقي شعوب المستعمرات.. والدور الأثيوبي وقيام إثيوبيا بشق الصف الوطني الإرتري يتبعه سياسة (فرق تسد) وتشجيعها للتناقضات الطائفية الإقليمية والقبلية.. ثم مناقشة القضية الإرترية في الأمم المتحدة وإصدار القرار الفيدرالي الذي تقدمت به أمريكا للجمعية العامة للأمم المتحدة بين ارتريا وإثيوبيا، والذي كان يمثل ظلما للشعب الإرتري والانحراف بقضيته والابتعاد بها عن مسارها الطبيعي. وكيف اعتبرت إثيوبيا بأنها فازت بإرتريا واعتبرتها جزء منها ثم قامت بعد ذلك بإلغاء الفيدرالية من جانب واحد دون العودة للأمم المتحدة أو للشعب الإرتري واحتلت بلادنا احتلالا عسكريا واتبعت سياسة الأرض المحروقة، ومارست التخريب الاقتصادي وفتحت سجونها لكل من يعارضها، واتبعت سياسة قتل الزرع والضرع والإبادة الجماعية للمواطنين مما دفع بالأفواج الأولى من اللاجئين إلى خارج ارتريا ثم تبعتها موجات متلاحقة من الهاربين من الجحيم الأثيوبي بحيث انتشر الإرتريون في شتى بقاع العالم وفي كل القارات.

كل ذلك تناولته في الكتاب المذكور ثم تناولت تاريخ حركة تحرير ارتريا، ميلادها وبرنامجها وأهدافها وفروعها داخل ارتريا وخارجها، وفي هذا الكتاب فان الحركة كانت قد نشرت برنامجها المستقبلي بعد تحرير ارتريا لأنها كانت واثقة من الانتصار وتحقيق الاستقلال، نشرت ذلك البرنامج في الكتاب الذي أصدرته بعنوان (ارتريا بين الماضي والحاضر والمستقبل) وكان البرنامج يشمل ملامح ببناء ارتريا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. وكانت تلك نظرة متطورة سبقت فيها الحركة التنظيمات التي نشأت بعدها - كما أن الحركة عرفت بمبادرتها حيث أصدرت أول مجلة في الساحة الإرترية واسمها (صوت ارتريا) للتعريف بالقضية الإرترية وبمعاناة الشعب الإرتري تحت الاحتلال الأثيوبي، ومن مبادراتها أيضا أن أصدرت أول كتاب في الساحة بعنوان (أحرار ارتريا يقدمون القضية الإرترية) والذي بعد أن طبعته ” الحركة ” في مصر قامت بتسريبه لداخل ارتريا بشكل سري وانتشر في كل المدن الإرترية... ومن مبادرات الحركة أيضا أنها قامت بتكوين أول فرقة فنية في الساحة الإرترية والتي كانت تقدم من الغناء والعزف والرقص للتعريف بإرتريا وفنونها وقضيتها، واعتبار الفن بأنه احد أسلحة الثورة النضالية.

أيضا في كتاب الحركة المذكور والذي هو بين أيدي القراء والذي صدر في عام 1997م، بعد إعلان استقلال ارتريا - أشرت إلى أن الوحدة الوطنية التي تعتبر من أهداف الحركة فأنها لاتزال تحتاج إلى نضال متواصل، والمهم إنني قلت في هذا الكتاب كل ما تمكنت من جمعه وتذكره من تاريخ تلك الحقبة الهامة من تاريخ شعبنا وبهذا قمت بواجبي وكنت أتمنى بأن تقوم القيادات والكوادر من التنظيمات الأخرى التي عاصرت تلك المرحلة بكتابة تجربتها وتاريخ النضالات التي ساهمت فيها. وللأسف لم يحدث هذا حتى الآن، أما من جانبي فلم اكتف بكتابي عن تاريخ حركة تحرير ارتريا. بل وكتبت بعض البحوث التاريخية عن ارتريا، كما كتبت مذكراتي وذكرياتي التي أتمنى أن ترى النور قريبا في كتاب. وملخص القول استطيع أن أقول إن الكتاب كان ناجحا، وهذا ليس رأي بل قد لمست ذلك ممن قرؤوا الكتاب وقاموا بالتعليق عليه كتابة أو عبر اتصالهم الشخصي بي الأمر الذي شجعني وكان يمثل حافزا لي للاستمرار في الكتابة، وقد تأثرت وعندما شكرني كثيرون من أعضاء الحركة قائلين، بأنني حفظت لهم حقوقهم وتاريخهم بذكر أسمائهم كمناضلين في الثورة الإرترية، فهذا حقا من حقوقهم وفاء لنضالاتهم التي ساهموا بها في أصعب المراحل النضالية لشعبنا.

ولكن هناك مجموعة اقل من أصابع اليد الواحدة فإنها ومن منطلقات ذاتية وانتماءات ضيقة ولأنها ظلت أسيرة للصراعات التي كانت بين التنظيمات في مرحلة النضال وبالذات مرحلة الصراع بين الجبهة والحركة، وبدلا من قراءة الكتاب بتمعن تم مناقشته بشكل موضوعي فقد استعجلت وحاولت إتباع أسلوب التجريح الشخصي والتقليل من شأني ومن شأن الكتاب، وكان أسلوبهم وكأنهم يدافعون عن جبهة تحرير ارتريا، ولو قرؤوا الكتاب بهدوء وقبل مهاجمته ومهاجمتي لوجدوا فيه بأنني قلت أنني احترم الجبهة كتنظيم ناضل في صفوفه واستشهد تحت رايته كثيرون من الشرفاء، وخاض هذا التنظيم سلسلة معارك ضد جيش الاحتلال الأثيوبي حتى تمكن من تثبيت أقدام الثورة. وذكرت بأنني كنت مختلفا مع قيادة جبهة تحرير ارتريا التي جعلت منذ تكوينها هدف القضاء على الحركة بأي وسيلة في مقدمة أولوياتها ودون أن اعرف أسباب ذلك حتى اليوم. ومن اجل هذه الغاية سنوا سنة غير حميدة من تلفيق التهم الجزافية ضد مخالفيهم وإتباع أسلوب العنف والحروب الأهلية ضد من يختلف معهم أو يعارضهم، وعدم القبول بالآخر رأيا كان أو تنظيما أو حتى فردا.

وهؤلاء الذين هاجموني فقد تصدى لهم آخرون لا أقول دفاعا عن شخصي وعن الكتاب، ولكنهم دافعوا عن الحقائق وعن حركة تحرير ارتريا والدور الرائد الذي قامت به.. وهؤلاء الذين هاجموني كانوا يحاولون جذبي إلى الخلف لأصبح أسيرا لما كان يجري في مرحلة ما قبل التحرير من اتهامات واتهامات مضادة ومهاترات في بيانات لا تكلف قيمة ألمداد الذي تكتب به إلا إنها كانت تلحق إضرارا بالغة لساحتنا ونشر الفتن والأحقاد وتأجيج الصراعات وتشويه الوجه الناصع للثورة الإرترية. لذا فإنني تجاهلت تلك الفئة ولم أتجاوب معها لأنني اعتبرت بأننا أنجزنا تحرير ارتريا ودخلنا في مرحلة جديدة لها متطلباتها وأجندتها. فابتعدت عن الصراعات السلطوية ونذرت نفسي وجهدي ووقتي - بما يسمح به سني وإمكانياتي المتواضعة - للاهتمام بالتاريخ سواء كان التاريخ الإرتري العام أو تاريخ الثورة الإرترية، للإسهام بقلمي بين حين وآخر فيما يفيد الوطن، وكذلك الإسهام بقلمي المتواضع بما من شأنه أن يخدم الشعب الإرتري ووحدته حسب قناعتي الشخصية.

ليت أولئك يهتمون بكتابة تجربتهم في الثورة الإرترية وما يعرفونه من تاريخها العام خدمة لحاضرنا ومستقبلنا بدلا من محاولات جرنا إلى الخلف لمرحلة مضت وبدلا من اللف والدوران في صراعات كلامية وبأثر رجعي وليت كل من له المعرفة والقدرة على الكتابة من الجيل الذي عاصر الثورة أن يسارع بتسجيل تجربته وما يعرفه من حقائق وبكل تجرد من اجل تمليكه للجيل الحالي والأجيال القادمة، واخص بالذكر قيادات وكوادر جبهة تحرير ارتريا والذين لايزالون على قيد الحياة وقبل أن يرحلوا من الدنيا ويدفن معهم كل ما يعرفونه.

والآن وبمناسبة صدور الطبعة الجديدة من الكتاب أضع بعض الخطوط العريضة الهامة على النحو التالي:-

.1 أن الجيل الذي عاصر الثورة حتى انتصارها فان ما يكتبه أو يقوله يجب أن يكون موجها للجيل الجديد المتمثل في أولئك الذين ولدوا في ظل ارتريا المتحررة والأكبر منه بقليل، فان من ولدوا في عشية التحرير فإنهم اليوم على أبواب العشرين من عمرهم، وهذا هو الجيل الذي سيتحمل مسؤولية ارتريا في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أما جيلنا الذي قاد الثورة أو عاصرها فان الكثيرون منه قد رحلوا، وما تبقى فإنهم على أبواب الرحيل بحكم الزمن. وهذه سنة الله في خلقه، ومسؤوليتنا نحو هذا الجيل الجديد أن نقوم بمساعدته بتمليكه تجربتنا حتى يستفيد منها، لا أن نقوم بتوريثه للجوانب السلبية المظلمة والأحقاد والفتن والمفاهيم المتخلفة والتطاول على بعضنا البعض.

.2 في مرحلة التحرير كانت هناك أخطاء قاتلة مثل الصراعات السلطوية والحروب الأهلية واللجوء للقبلية والطائفية الدينية والإقليمية كوسيلة للسلطة في إطار التنظيم الواحد أو بين التنظيمات المتصارعة، وقد دفعنا ثمنا غاليا نتيجة كل ذلك. وان ما جرى في تلك المرحلة لم يتم تسجيله أو تقييمه لتستفيد من ذلك الأجيال الجديدة، وعكس ذلك فعلينا الآن نشر ثقافة التسامح والقبول بالآخر والتطلع للمستقبل لا أن نكون أسرى للماضي. وفي نفس الوقت علينا نشر القيم الجميلة بحب الوطن، كل الوطن، وحب الشعب كل الشعب، وبناء ارتريا وازدهارها في كل الحقول، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

.3 لا زلت أقول أن تاريخ الثورة الإرترية لم يكتب بعد، وان هناك أبطال وبطولات كبيرة قام بها كثيرون في تلك المسيرة الطويلة، إلا أنهم لم ينالوا حظهم من التكريم في صفحات تاريخ الثورة الإرترية، كما أن هناك محطات هامة في تلك المسيرة لم يتم تسليط الأضواء عليها.

 .4من ابرز مبادئ حركة تحرير ارتريا والتي أشرت إليها في الكتاب مبدأ (الوحدة الوطنية). وكما كان بالأمس فاليوم أيضا توجد قوى دولية والتي تنفذ من الثغرات وتتدخل لتحقيق طموحاتها ومصالحها. وقد لمسنا ذلك في الماضي وفي مرحلة حرب التحرير، واليوم أيضا فان هذه القوى موجودة وتتمثل في القطب الأوحد، فمن اجل المحافظة على هذا الوطن الذي امتلكناه بعد أن دفعنا ثمنا غاليا، فعلينا بالوحدة الوطنية لكي نسد كل الثغرات التي تنفذ منها هذه القوى المعادية، ولكي نتجنب التجربة الأفريقية التي حدثت بعد الاستقلال من الانقلابات العسكرية والتطاحن والصراعات السلطوية المغلفة بالدين والإقليم والقبلية وغيرها، وعند البحث في أسبابها سنجد بأن القوى الشريرة العالمية ومن خارج القارة، سنلمس أصابعها من وراء الستار. ووصل الأمر ما عرفناه عن قوات المرتزقة القادمة من خارج القارة الأفريقية والتي كانت تقوم بإسقاط حكومات وبتنصيب حكومات أخرى مقابل الملايين من الدولارات والفرنكات والجنيهات الإسترلينية، وكل ذلك أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة للكثيرين من الدول الأفريقية بعد استقلالها بزجها في حروب داخلية وصراعات سلطوية، وابرز ما نراه كمثال على هذه النماذج ما يجري في الصومال اليوم.

لذا فإننا وفي ساحتنا الإرترية وبعد أن أنجزنا مهمة تحرير الوطن بنجاح، وبعد أن دخلنا في المرحلة التي تليها وهي مرحلة بناء هذا الوطن وتعميره والمحافظة على سيادته سعيا لازدهاره في كل الحقول، فان سلاحنا البتار وقاعدتنا والنهج لتحقيق كل ذلك هو المحافظة على وحدتنا الوطنية لحماية الوطن والشعب الإرتري من الانزلاق إلى ما جرى في العديد من الأقطار الأفريقية. وأقول ذلك لمعرفتي بان هناك قوى شريرة تتربص بنا.

Top
X

Right Click

No Right Click