الهشّْ جراحُ الأرضِ الطيبَّة بعدسةٍ وجوديَّه

بقلم الأستاذ: صلاح سينيوسْ المصدر: سواليف

يقول ”سورين كيركيجاردْ“: إذا أردتَ انْ تنفيني ضعني ضمن نظامْ !!، إنني لستُ رمزاً حسابياً، إنني أنا.

إنَّ التأكيد على تفرُّد الإنسان هنا ليسَ هو الشغل الشاغل لهذا الفيلسوف الوجودي وحده بل كانَ الشاغل أيضاً لزملائه الآخرين مِنْ أمثال ”ياسبرز“ و”سارتر“ و”سيمون دي بوفار“، وبطرقٍ شتَّى: التأكيد على استقلالية الفرد في وجهِ التقاليد، ”أنا أفكِّر إذنْ انا موجودْ!!“، والتأكيد على المكوِّن العاطفي للإنسانْ، لايمكن اختزال آلآم المرء ومشاعره إلى مجرد شعاراتٍ أو أنظمةٍ فلسفيةٍ كبرى، و أخيراً ”وهنا الموضوع الأهم للفكر الوجودي“، التأكيد على أنَّ الإنسان كائنٌ حرّ وليس مجرد ترسٌ في آلة !!، وهو بهذا المعنى مشروعٌ مفتوحٌ على المستقبل ويمكنه ان يغيِّر مصيره في أيِّ لحظة على الرغم مِنْ محدداتِ الوراثة وقوانين الفيزياء ومتطلبات الأنظمة السياسية، في إطار هذا الفكر انشغل الأدبُ الوجودي بأبعاد عديدة في حياة الإنسان مثل السقوط / العبث / القلق، وأضافَ للمكتبةِ الإنسانية أعمالاً أدبية كبيرة تميَّزتْ بالجرأةِ والأصالة التي لاتفارق الذاكرة حالما تنطبعُ على الوجدانْ.

إنَّ رواية ”الهشّْ“ التي صدرتْ مؤخراً للكاتب الإرتري / أحمد عمر شيخ يمكن أنْ تندرج في سياق الأدب الوجودي منذ الوهلة الأولى بعد الانتهاء من قراءتها دون انْ يختلّ هذا السياق تماماً، فالصراعُ الرئيسي في هذا العمل هو صراعُ الإنسان ضدّ الفجيعة“.

وينقلنا الكاتب في حياة البطل الرئيسي للرواية ”صابر مِنْ فجيعة إلى أخرى دون مقدمات حتى أنك تخشى أنْ تكون الفجيعة الكبرى بانتظارك في الصفحة التالية !!، ويصل العبث قمَّته، وكذلك الأحزان في حادثة العنف لمجرد العنف، وبعد ذلك كان يمكن للرواية أنْ تاخذ منحى آخراً مغايراً، لأنَّ الإحباطات والانكسارات ليست نهاية العالم ولكن حسب التقليد الوجودي سار الراوي بأبطال روايته بأحزانٍ أخرى، إلى المجهولْ.

والفجيعة الكبرى بعد تلك الحادثة المشؤومة لمْ تكنْ فيماجرى للفتاة / الحلم كما تصوّر الراوي لأنَّ علاقة البطل الرئيسي بها لمْ تتعدَ سوى بضع لقاءاتٍ عابرة، كان يمكن أنْ تكون هي - في مجتمعٍ يعتمدُ على الترابط الأسري - في فقدان البطل الرئيسي آخر المطاف لوالديهِ اللذين ظلا وبلدة ”قلُّوج الضاربة الجذور، الثابت المشرق الوحيد الذي لمْ تطله روح السوداويَّة والتشاؤم، والتي لمْ تُفلح جماليات الشكل الروائي في إخفائها، وبطبيعةِ الحال في الروايات الوجودية يمكن للشكل أنْ يسيرَ في اتجاه وأنْ يسير المضمون في الاتجاه المعاكس إمعاناً في الصدمة واللاجدوى.

وإذا كانت الرواية - كما يُقال - هي تاريخ ماأهمله التاريخ مِنْ أماكن هامشية تُصنع فيها الحياة، ومِنْ شخوصٍ عادية ساهمتْ في صنع الأحداث لكنها لمْ تنل حظها من التوثيق ومن جرائم يفلتُ أصحابها من العقابْ، فإنَّ رواية ”الهشّْ بهذا المعنى احتضنتْ المكان الهامشي في شخص بلدة ”قلُّوج على أطراف الأرض الطيبة و ”البطولي في شخوص الثورة وجماعات الخطف والتهريب التي تمرح دون أيّ مُساءلة، وفي كلِّ ذلك كان الكاتب متماهياً مع أبطال روايته في كلِّ تفاصيل حياتهم إلى حدّ الذوبانْ، ولكنه ككاتبٍ جيد لمْ يتدخلْ للقيام بأيِّ محاولة لإنقاذهم مما بدا له مصيرهم المحتومْ.

وفي هذا السياق تناولتْ ”الهشّْ الفساد بإشاراتٍ ضمنية قوية ليس بوصفه خطراً يسرقُ قوت البسطاء فحسب بلْ وكذلك معولاً يهدمُ النجاحَ والأملَ بغدٍ أفضل، ولو كان القاريء أمام مؤرِّخ يتعامل مع هذا الخطر الماحق بالتفصيل ”في آثارهِ ومقدماتهِ وفي شخوصهِ لكنّا أمام شهادةٍ مختلفة، ولكننا أمام كاتب يكفيهِ - حسب ذلك النهج - أنْ يتعامل مع الفساد كسرطان لايمكن تقصِّي جذوره ولكن يمكن تشخيص أعراضه، واختار كاتبنا مِنْ هذا السرطان أكثر أعراضه ”لؤماً: خطفُ الحياة وتركُ نزيف الآلام يمضي بلانهاية، ومع ذلك احتفلَ الكاتبُ رغم كلّ شيء في هذه الرواية بالمكان والإنسان والحيوان إلى درجة العشق كما يتطلبُ الأساس الوجودي / الظاهراتي الذي يدعو إلى إستعادة المُعاش ورصد الخبرة دون أيِّ تزييف، وإنْ بدا تناوله لبعض القضايا شحيحاً أو لنقل لمْ يُفسحْ لها الوقت الكافي بما يروي الغليلْ.

مع ذلك افتقرت هذه الرواية للتحليل السيكولوجي العميق الذي تميَّزتْ بهِ الأعمال الأدبية / الوجودية الكبرى كما في أعمال ”كامو و”ديستوفسكي، وعلى الرغم مِنْ استعانة الكاتب بتقنيات الاسترجاع الحديث في تقصِّي الأزمان المختلفة لأبطاله ومحاكاة أسلوب التصوير السينمائي في توثيق مايفلت من العين المجرّدة - كما في حالة استعداد جماعة التهريب ليلاَ - إلا أنه لمْ يسبر الأعماق كما تفعل العدسة الوجودية التي تعتمدُ على النظرة الجدلية في متابعة تطور الشخصية في بيئاتها المختلفة التي لاتستقر على حال، ولو انه تعمّقَ قليلاً في أسلوب الحياة في بلدةِ ”قلُّوج الوديعة كما يفعل الغطاس الماهر لخرج إلينا باللاليء التي تفسِّر سرّ استمرار الحياة في هذا الجزء من العالم رغم الأوبئة والجفاف والحروب الجائرة، ولو أنه فعل نفس الشيء مع أحد أبطال الرواية - شخصية الشاب ”ميكئيل - بأبعادها المختلفة لكانت فرضية الموت انتحاراً لدى القاريء بصورةٍ مقنعة مجرد هراء وليس كما حاول الكاتب بمجرد الإيحاء العابر ”يُقال أنه انتحر؟!، وعلى أية حال لقد حاول الكاتب في هذا الاتجاه ويكفيه أنه انتقل بالقاريء مِنْ إسار الماضي رغم شموخه إلى تناول قضايا الحاضر الساخنة دون أوهام أو مزايدة.

إنَّ ”الهشّْ / العنوان الذي صدرتْ به الرواية ربما يحيل القاريء إلى كتابات جيل الوجوديين الذين عاصروا ويلات ”الحرب العالمية الثانية، وامتلأت كتاباتهم بالتنظير لـ”هشاشة الوجود وكلّ مايدعو إلى الكآبة والقنوط، في عالم خرج مِنْ حربٍ تقليديةٍ مدمِّرةٍ ليدخل في حربٍ حديثةٍ أكثر دماراً، ولكن الحياة في أوروبا وفي كلِّ أرجاء العالم لمْ تتوقف عند تلك الهشاشة، فأوروبا رغم عصور ظلامها الوسطى وعصور ظلامها الحديثة (وأوروبا هي صانعة الحربين الأخيرتين بامتياز والتي كان بالأحرى تسميتهما بالحروب الأوروبية وليست العالمية) هاهي اليوم تتمتع بالإبداع والإخاء والرفاهية.

والامرُ نفسه ينطبقُ على بلادنا وعلى كلِّ دول هذه المنطقة التي تمتلك عوامل الإزدهار وإنْ بدتْ بعيدة عن العيان، ولذلك فإنَّ ”الهشّْ هنا ليس في انعدام تلك العوامل بلْ بالأحرى في غياب القوى صانعة المستقبل أوضعفها، وقد أشارتْ الرواية لملامح هذا الضعف في اكثر مِنْ مكان ”هروب بعض الشباب لأسباب رومانسية / تخلي الفتاة المغنية عن بلادها إلى الأبد / تخلي البطل الرئيس عن ابنه بالتبنِّي بعد صموده إلى حين، غير أنها اكتفتْ بهذا الضعف لتضحي رواية واقع بلا مستقبلْ، وربما اختار الكاتب ”الهشاشة عمداً على سبيل التحريض مِنْ أجلِ تمسُّكٍ أكبر بالأرض / وأيمان أقوى بالمستقبل كما فعل حينما اعتمدَ على أسلوب الفجيعة في إحداثِ الصدمة المطلوبة لمراجعة الذاتْ.

إنَّ تاريخ الإمبراطوريات البائدة ليس هو تاريخ الشعوب!! ولو كانت المآسي والضربات على أهل الأرض التي انطلقتْ منها الرواية كافية بإلغاء ذلك المستقبل لما كانت هذه الرواية نفسها ممكنة.

إنَّ النماذج التي تصنعُ المستقبل موجودة حتى في نسيج هذه الرواية كما في طلاب كلية الطبّ وفي مزارعي الحقول على تخومِ بلدة قلُّوج رغم الجفاف، على سبيل المثال: إنَّ العناصر ”الهشَّة في أيِّ مجتمع لايمكن أنْ تلغي وجود العناصر الصلبة؟؟!!، ومسألة انتصار الثانية على الأولى هي مسألة وقت لإنَّ الشمسَ تشرقُ كلَّ صباح بالجديد والأمل مع زوال كل بالْ.

وكما يقول ”جان بول سارتر / فيلسوفُ الحريَّة: لاشيءَ يضمنُ لنا النجاح ولاشيءَ يقنعنا بحتميةِ الفشل، إنَ الجميع / باستثناء القلَّة التي اختارتْ السَّفر إلى الماضي / يحاول مِنْ أجل الغد الأفضل ولاسيما البسطاء الذين احتفلتْ بهم هذه الرواية: إنهم ببساطة لايكترثون لتلك الحتميَّة.

Top
X

Right Click

No Right Click