مركز دراسات القرن الافريقي يقدم قراءة لكتاب ”العلاقات الإرترية العربية قراءة تاريخية رؤية مستقبلية“ للدكتور عمر زرآي

بقلم الأستاذ: عبد الله إسماعيل آدم - مدير مركز دراسات القرن الافريقي

يسعدنا في مركز دراسات القرن الافريقي أن نقدم مع اطلالة العام الجديد للقارئ الإرتري والعربي كتاب العلاقات الإرترية العربية

العلاقات الإرترية العربية قراءة تاريخية رؤية مستقبلية

قراءة تاريخية رؤية مستقبلية للدكتور عمر زرآي وهو من الباحثين في المركز تميز إنتاجه العلمي بالموضعية والجدة منها الدراسة التي قدمها في عام 2005 الصحافة في إرتريا رصد وتحليل ونشرت في مجلة دراسات القرن الافريقي العدد الرابع، وجاءت هذه الدراسة استمرارا لهذا الجهد العلمي وسنحاول خلال السطور التالية تلخص أهم الموضوعات التي تناولتها الدراسة.

تتفرد إرتريا بموقعها الاستراتيجي الفريد فهي تتحكم على نقطة العبور الرئيسية في الجزء الجنوبي الغربي من ساحل البحر الأحمر بين قارتي إفريقيا وآسيا مما مكنها من لعب أدوار تاريخية مهمة في تاريخ المنطقة، فكانت الجسر الذي عبرت من خلاله الحضارة العربية السامية إلى الهضبة الشمالية الشرقية في القارة الأفريقية قبل ستة آلاف عام واستوطنتها لتتنشأ فيما بعد البلاد التي عرفت بالحبشة، أيضا نفذ من خلالها الدين الاسلمي في أولى مراحل انتشاره في القارة الافريقية ليتشكل من ذلك أن الثقافة العربية والديانة الإسلامية مكونين رئيسين أصيلين في شرق إفريقيا بشكل عام والحبشة (ارتريا ـ وأثيوبيا) بشكل خاص.

يتميز المناخ في المنطقة التي تعرف اليوم بإرتريا واثيوبيا بمناخ جاذب لكونه معتدلا وتتوفر فيه كل أسباب الحياة من ماء ومرعي وزع وذلك لارتفاع الارض عن سطح البحر وتأثره بالرياح الموسمية التي تتسبب في هطول الأمطار الغزيرة في فصل الصيف مما جعلها بقعة جذب استقبلت موجات متعاقبة من المهاجرين القادمين من شبه الجزية العربية التي يسودها مناخ طارد، لتستوطن هذه البقعة؛ التي لم تكن لتغري سكان الغابات الاستوائية المحيطة بها الذين لم تتبلور لديهم حضارة تؤهلهم لتجاوز مرحلة الجمع والالتقاط مما أغرى الجحافل السامية للاستقرار في هضبة الحبشة جالبين معهم وسائلهم الحضارية التي ازدهرت وحافظت على أصولها من الانقراض والاندثار.

تشكل تضاريس ارتريا الطبيعية الوعرة مصدرا أساسيا لحماية السكان من الغزو الخارجي مما مكنها من أن تظل بعيدة عن أي غزو خارجي، وأتاح لها سبل العيش باستقرار شبه دائم إذا استثنينا الغزو الداخلي الذي يقوم به حكام الحبشة بين الفينة والأخرى.

وقوع ارتريا على الشريط الساحلي الجنوبي الغربي للبحر الأحمر ويشكل نسبة 21,8% من ساحل البحر الأحمر و35,2% من الساحل الغربي من؛ قد مكنها من أن تقوم بأدوار تاريخية مهمة تمثلت في وصول الديانات السماوية خاصة الإسلام والمسيحية إلى شرق أفريقيا.

نسبة كبير من سكان إرتريا هم من ذوي الأصول السامية كما توجد فيها نسبة مقدرة من العناصر الحامية على رأسها البجا والدناكل سكان ارتريا الأقدم حيث سبقوا الساميين في استيطان هذه البلاد التي خضعت في حقبة من تاريخها لمملكة أوسان التي ازدهرت في الطرف الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية وخضع لحكمها الساحل الإرتري والجيبوتي والصومالي وقد عرف بالساحل الأوساني كما ذكر صاحب كتاب (الطواف حول البحر الإرتري) كما توجد من بين السكان نسبة مقدرة من العناصر النيلية.

شكلت إرتريا الحاضنة الجغرافية والتاريخية التي حفظت لنا عنصر وثقافة سكان جنوب غرب شبه الجزيرة العربية خاصة السبئيين والحميريين الذين تلاشى وجودهم في مواطنهم الأصلية وازدهروا في مواطنهم الجديدة في كل من ارتريا واثيوبيا.

ارتريا في تاريخها العريق كانت تخضع للمؤثرات الثقافية القادمة من جنوب شبه الجزيرة العربية بينما المؤثرات الأخرى كانت ذات طبيعة استيطانية لا تحمل مؤثرات ثقافية، وعلى رأسها البطالمة الذين حكموا مصر فقد استوطنوا في الساحل الإرتري وأسسوا مستوطنات لهم؛ من أهمها عدوليس التي كانت عبارة عن موقع تستريح فيه مراكبهم البحرية المتجهة إلى الهند كما كانت لهم مستوطنات في الهضبة مع حلفائهم من البجة عرفت (بكَلَوْ بَلَوْ).

أصل التسمية في كلمة كلو تعود إلى كليوباترا آخر ملكة بطلمية حكمت مصر والتي تطلق عليها المصادر العربية الكلاسيكية كُلُوباترا فسقطت كلمة باترا وبقي صدر الكلمة (كلو)، أما الكلمة الثانية وهي بلو تعود إلى السكان الأول لهذا الإقليم وهم البلو والذين امتدوا على طول الشريط الساحلي الغربي للبحر الأحمر من صعيد مصر وحتي الأطراف الجنوبية لهذا الشريط الساحلي مع توغل للداخل في عمق الهضبة الإرترية؛ والإثيوبية من جهتها الغربية وإليهم تعود تسمية (بَجِي مِدِرْ) أي أرض البُجَا وكانت تحكمه قبيلة وَالْ قَيِتْ وهي إحدى قبائل البلو وواحدة من ممالك البجا الخمسة في العصور الوسطى التي ذكرها المؤرخون العرب؛ من تبقي من البطالمة مازال أعقابهم إلى اليوم يتواجدون في ارتريا وهي قبيلة صغير تعرف بالكلو، الروايات التاريخية الشعبية في ارتريا تصفهم بأنهم حكموا إرتريا متحالفين مع البلو وكانوا يدينون بالإسلام.

البلو هم فرع من الحميريين هاجروا إلى ارتريا في هجرتين مختلفين الأولي كانت مباشرة من مواطنهم في جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الساحل الإرتري وبالتحديد شبه جزية باطع التي حرفت إلى باضع والتي نشأت فيها مدينة مصوع الحالية؛ منها توغلوا إلى الداخل وأصبحت باضع مقر حكمهم، وربما يكون ذلك قبل أكثر من ألف سنة من قبل الميلاد، أما الموجه الثانية فقد جاءت إلى ارتريا من الشمال مع البطالسة الذين كانوا يحكمون مصر وكانوا حلفاء لهم في صراعهم ضد الرومان، وقد استمرت هذه الموجة إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية عندما أمر الخليفة الثاني عمر بن اخطاب القبائل العربية في الشمال بالتحرك نحو مصر ومنها فبيلة بِلَيْ التي اختارت أن تنزل في أرض البجة حيث سبقهم أشقاؤهم الأول الذين اختلطوا مع البجة.

تعتبر القبائل السبئية من أقدم القبائل العربية التي هاجرت إلى ارتريا وما زالت محتفظة بخصائصها الثقافية، فلغتها الأم ما زالت حية حتي اليوم وتعتبر من أكبر اللغات الحية في ارتريا حيث يتحدث بها ما يقارب من ثلثي سكان ارتريا وهي لغة التقرايت؛ وتنتشر على امتداد ثلثي مساحة إرتريا واستطاعت أن تمتص جميع المؤثرات الثقافية التي وفدت بعدها حتي العربية الحديثة، كما لم تتأثر بالمؤثرات الثقافية للحبشة المجاورة سواء من جانب اللغة أو الدين فهي قد انتقلت من الوثنية إلى الإسلام ولم تتأثر بالمسيحية التي عمت الحبشة التاريخية أي اقليم تجراي الحالي.

مثلها أيضا كانت الهجرات العربية التي استقرت في الطرف الجنوبي الغربي من شاطئ البحر الأحمر وهي التي تعرف اليوم بإقليم دنكاليا حيث كانت قد استقبلت هجرات عربية باكرة موغلة في القدم من معين، وقتبان، وريدان، وحضرموت، وغيرها من الممالك التي كانت تحكم جنوب شبه الجزيرة العربية حيث كانت في اتصال مستمر مع الطرف الغربي لشاطئ البحر الأحمر وقد استقرت مجاميع منها في هذه البقاع ليتشكل منهم عنصر مزيج سامي وحامي وهم العفر أقدم سكان هذا الإقليم وقد حافظوا على خصائصهم الثقافية حتي اليوم بعيدا عن التأثيرات المحيطة بهم سواء المؤثرات الحبشية أو البطلمية أو الرومانية وغيرها وحتي الفارسية التي حكمت اليمن.

يعتبر العفر سكان إقليم دنكاليا سادة البحر في إرتريا وقد لعبوا دورا كبيرا في استمرار عملية التواصل والربط بين الساحلين الشرقي والغربي وفي استمرار عملية التواصل، حيث وفد عن طريقهم المؤثر الثقافية والديموغرافية العربية إلى ارتريا كما نقلوا المؤثرات الحبشية إلى شبه الجزيرة العربية، وقد خضعت هذه القبيلة برمتها للدين الإسلامي بحكم تواصلها مع شبه الجزيرة العربية.

اتسمت العلاقة بين الشاطئيين في جنوب البحر الأحمر بصفتين متمايزتين حيث اتسمت في تحركها من الشاطئ الشرقي إلى الغربي بطابع السلم وكانت تتحرك باستمرار بمؤثراتها الحضارية، بينما كانت في تحركاتها من الشاطئ الغربي إلى الشرقي يغلب عليها طابع الغزو والهيمنة والاعتداء لذا نجد أن أعداد غزو الحبشة لبلاد اليمن قد بلغ ستة حملات عسكرية كانت باستمرار بالتحالف مع طرف ثاني يمثل القوة الدولية في ذلك العصر.

غزت الحبشة اليمن متحالفة مع البطالمة وأيضا الرومان ويأتي على رأس هذه الحملات حملة عيزانا في منتصف القرن الرابع الميلادي وحملة أبرهة الأشرم في نهاية القرن السادس الميلادي.

هذا العدوان المتكرر، غالبا ما يكون من نتائجه الانتقام من الأحباش مع نهاية كل فترة عندما تضعف قوتهم مما أوجد ظاهرة الرق؛ فجميع الرقيق الذين وجدوا في مكة قبيل الإسلام هم من مخلفات حملة أبرهة على اليمن وبصفة خاصة حملة أصحاب الفيل. فوحشي بن حرب، وأم أيمن بركة الحبشية، وبلال بن رباح الحبشي وغيرهم هم من مخلفات حملة أبرهة ويشكلون الجيل الثاني الذي ولد في اليمن، وليس صحيحا ما يحاول تسويقه اعلام النظام الإرتري الحالي بتصوير أنهم ـ سكان الهضبة ـ كانوا عرضة باستمرار لتجارة الرقيق، فمملكة أكسوم لها تاريخ عريق في ممارسة الرق تجاه الشعوب التي تخضع لسيطرتها ومنها سكان ارتريا الحالية.

تعتبر ارتريا البلاد التي توجهت إليها المجموعة الأولى من المهاجرين عندما أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بالتوجه نحو الحبشة؛ وذلك لوجود علاقات تاريخية ربطت هذه البلاد بشبه الجزيرة العربية مع وجود اختلاف في البقعة التي نزل فيها هؤلاء المهاجرين حيث تقول الروايات أنهم نزلوا بباضع ومنها توغلوا إلى الهضبة الإرترية ومنها إلى أكسوم، بينما ترجح روايات أخري أنهم هبطوا في منطقة تسمي (مِعْدِرْ) في منطقة دنكاليا قريبة من مدينة بيلول أقدم مدن هذا الإقليم وربما يكون هذا الرأي هو الأقرب إلى الصواب بحكم علاقة العفر بالبحر الأحمر كما أن المهاجرين عند عودتهم في السنة السابعة للهجرة جاء معهم سبعون فردا من الأشاعرة الذين هاجروا إلى الحبشة بصحبة أبي موسى الأشعري من بلادهم في اليمن ساحل زبيد والتي كانت تعرف بالحصيبة في المصادر الإسلامية ثم قدموا إلى المدينة المنورة مع جعفر بن ابي طالب.

جميع الاتصالات التي كانت تتم بين شبه الجزيرة العربية والحبشية كان الوسيط فيها العفر سكان دنكاليا؛ يضاف إلى جميع ما تقدم أن النجاشي توفي وهو في طريقه إلى المدينة المنورة وقد توفي بالقرب من مدينة مقلي الحالية أي إلى الجنوب الشرقي من عاصمته أكسوم مما يؤكد فرضية أن الاتصالات مع الحبشة كانت عن طريق اقليم دنكاليا وليس باضع.

تعتبر هجرة الصحابة من المؤثرات القوية في تغلغل الإسلام بين القبائل التي تسكن بمحاذاة الساحل في ارتريا خاصة سكان دنكاليا فلا نجد أي تأثير للمسيحية الحبشية أو الوثنية البطلمية أو الرومانية وحتى اليهودية أو المجوسية الفارسية التي حكمت اليمن. وأغلبها تنتمي حاليا إلى الصحابة وهو انتماء حقيقي لا يمكن انكاره لأن كثير من العلويين ومن بعدهم الأمويين قد هاجروا إلى هذه البقاع من بطش الأمويين ثم العباسيين الذين بطشوا بالأمويين، الثابت تاريخيا أن من فروا من الامويين مع مروان بن محمد آخر حكام الدولة الاموية (132هـ ـ 750م) والملقب (بمروان الحمار) كانوا في حدود ثلاثين ألف وقد وصل منهم إلى مناطق البجا عشرة آلاف وعاد منهم من بقي عن طريق باضع إلى اليمن ثم مكة.

ذكر المؤلف في ثنايا هذه الدراسة أن الدناكل ربما كانوا هم من أغار على جدة وهذه الفرضية قد يسندها التاريخ فقد امتدت سيطرة الدناكل على البحر الأحمر حتي إلى الأطراف الشمالية منه، فابن بطوطة في رحلته إلى سواكن يذكر لنا انهم كانوا يتزودون بالأسماك من الجيوب التي تخرج من البحر (الخلجان) ويقول : انهم يسمونها (بوري) وبوري بلغة الدناكل تعني التراب أي المياه الضحلة .

نشأت في العصور الوسطي علاقات متينة بين ثلاثة مكونات من سكان هذين الشاطئيين البجا في الجانب الغربي من سكان البحر الأحمر والعرب سكان الجانب الشرقي من شاطئ البحر الأحمر وكان الدناكل هم واسطة الاتصال مما أوجد حركة اتصال مبكرة، ويعتبر الإسلام الرابط الأساسي بين هذه المكونات الثلاثة لينشأ من ذلك التأثير البارز للإسلام في هذه المنطقة وتبدأ هذه الحقبة من أول عصر الدولة العباسية في مطلع القرن الثامن الميلادي والتي أخضعت البجا لحكمها بعد الاتفاق مع زعيمهم كنون بن عبد العزيز وكان مقر حكمه في منطقة هَجِرْ التي تقع في الطرف الشمالي الغربي للحدود الإرترية مع السودان وكان يمتد نفوذه إلى باضع في الجنوب وإلى أسوان في الشمال وإلى الأطراف الشمالية من مملكة الحبشة وغربا حتي وادي النيل ليلعب هذا التحول التاريخي دورا كبيرا في دخول المؤثرات العربية من طريق ثاني وهو الطريق الشمالي عبر سيناء، وفي وقت متأخر برز الاتصال البحري مباشرة

من الحجاز إلى أرض البجا التي عرفت بأرض المعدن لتدخل إلى ارتريا قبائل عربية جديدة عبر هذين الطريقين من ربيعة وجهينة وبلي ويأتي على رأسها قبائل البني عامر في هجرتها ثانية من صعيد مصر إلى بلاد البجا ومنها إرتريا الحالية.

اتجهت إلى ارتريا هجرات عربية فردية وبصفة خاصة من الحجاز حيث كانت تفد إلى هذه البلاد مجاميع من الأسر والأفراد وبصفة خاصة الدعاة ممن شكلوا فيما بعد أسر دينية تولت مهمة تدريس الدين الإسلامي وكذلك من حضرموت الذين انخرطوا في التجارة بين الشاطئين بدءً من فترة الدولة المملوكة التي حكمت اليمن فكانت القوافل تتجه إلى اليمن من القاهرة برا عبر بلاد البجا وحتى باضع ومنها تنتقل إلى اليمن عبر البحر والذي كان تحت سيطرة وادارة الدناكل.

بدخول العثمانيين إلى ارتريا في منتصف القرن السادس عشر بدأت تتشكل الملامح السياسية لإرتريا الحالية، حيث أصدر الباب العالي في الدولة العثمانية فرمانا بتأسيس ولاية الحبش وعاصمتها باضع القديمة والتي أطلق عليها مصوع نسبة إلى سكانها من أسرة مساوا الحجازية والتي كانت تشكل أغلب سكان جزيرة مصوع كما ورد في الموسوعة الإسلامية وقد حرفها الغزاة من إقليم تجراي الإثيوبي في حملتي أُوبِي وأَلُولا إلى (مطوع) ومازال يتمسك بهذه التسمية من بقي من أحفادهم.

تميزت فترة الحكم العثماني لإرتريا بالاستقلال النسبي الذي تمتعت به إرتريا حيث كان شرق إرتريا تحت ادارة النواب بينما كانت الهضبة تحت حكم سكانها من قبائل البجا وإليهم تعود تسمية الإقليم بحماسين وهي واحدة من قبائل البجا وقد تشتتت بفعل ضربات الغزاة من حكام تجراي؛ خاصة في حملة أوبي ولم يبقي منهم اليوم إلا اعداد قليلة في أقصي شمال إرتريا وما زالت تحتفظ باسمها الأصلي.

أما غرب إرتريا فكان يخضع لحكم واحدة من قبائل البجا والتي كانت تسيطر أيضا على الجزء الشرقي من السودان وهي مملكة بازين التي ورد ذكرها في المصادر التي أرخت للدولة المملوكية كالقلقشندي وابن تغري بردي وبن سليم الأسواني بالإضافة إلى مملكة صغيرة للحلنقا والتي ورد أول ذكر لها في المصادر التاريخية العربية مع حملة الناصر قلاوون (1317م) التي جابت بلاد البجا من سواكن وحتي القاش وعادت عن طريق الأبواب (شندي الحالية) وقد أوردت المصادر التاريخية العربية في عهد الدولة المملوكية نهر بركا باعتباره خاضعا لمملكة بازين، جميع هذه الممالك كانت تخضع لحماية العثمانيين الذين حاربوا أباطرة الحبشة الذين كانت تنتهي حدود مملكتهم عند نهر مرب الذي يقع في جنوب ارتريا.

تميزت فترة حكم العثمانيين بالاستقرار وانحصار الغزو الحبشي لإرتريا مما أدي إلى ازدهار التواصل مع الحواضر الإسلامية في القاهرة والحجاز واليمن مما شكل انعطافه بارز في تاريخ هذه البلاد التي بدأت تأخذ هويتها الحقيقية وغدت باضع (مصوع) حاضرة هذه البلاد ومنها يتم الانتقال إلى الحجاز ومصر واليمن وكانت قوافل الحج العلاقة البارزة في هذه المؤثرات.

تميزت هذه الحقبة بوفود مؤثرات جديدة تمثلت في دخول أعداد من رعايا الدولة العثمانية إلى إرتريا وعلى رأسهم الإغريق والرهبان العازاربين حيث أسسوا ارساليات في كل من مصوع ومناطق منسع وسنحيت كما بدأت تطهر الاتصالات بين المناطق التي تمتعت بحكم العثمانيين ودولة الفونج خاصة بعد رحلة الحج التي قام بها عجيب الما نجلك ليدخل إلى ارتريا أفراد من عد درقي وهم في الأساس قدموا من الأندلس والقواسمة حلفاء الفونج وقبيلة الولدنهو وهم أخر من تبقي من العنصر الفونجي في ارتريا حاليا كما وفدت إلى ارتريا قبيل هذه الحقبة أعداد من تلامذة ومريدي أبو الحسن الشاذلي المغربي الذي توفي أثناء رحلة الحج في الصحراء الشرقية في مصر ويعرفون الآن في بركا بعد شيخ سليمان إن دبؤ وهي أسرة دينية لها اسهاماتها الدينية في بركا والقاش وإلى هذه الحقبة يرجع سليم أب ناجا (سليم أبو النجا) صاحب المزار المشهور في دبر سالا في وسط ارتريا والروايات الشعبية تقول إنه رجل ذو بشرة بيضاء قدم إلى هنا من جهة الشمال وكان يتعبد في هذه المنطقة منعزلا عن الناس.

في الفترة التي حكم فيها المصريون ارتريا شهدت ارتريا تراجعا سياسيا فقد تحولت من ولاية عثمانية مثلها مثل اليمن ومصر وبقية الولايات العثمانية إلى سنجقيه وذلك لكون مصر ولاية عثمانية واقتطعت منها متصرفية جدة وسواكن كما انشغلت مصر بحروبها التوسعية في الصومال وزيلع وهرر فلم يتجاوز وجودها في إرتريا عن وجود حاميات في شرق ووسط وغرب إرتريا.

بدأت تظهر في هذه الفترة تأثيرات الأزهر الشريف حيث وفدت أعداد كبيرة من شرق ووسط إرتريا إلى الأزهر الشريف خاصة من زولا ومصوع وكرن التي خضعت مباشرة لحكم الدولة الخديوية ويعتبر الشيخ عثمان سليمان من مدينة كرن أول خريجي الأزهر الشريف حيث تخرج منه في عام 1927م.

اللغة العربية في ارتريا لغة عريقة ومتجذرة وليست وافدة في حقب متأخرة كما يزعم أعداء الثقافة العربية في ارتريا، فسكان ارتريا في الأساس ساميون يشكلون امتدادا طبيعيا لأشقائهم في شبه الجزيرة العربية يقسم علماء اللغات، اللغات في إفريقيا إلى أربعة مجموعات كبرى منها مجموعة اللغات الآفروا آسيوية وتتنشر من جبال البحر الأحمر وحتى شمال مصر وإليها تنتمي كل اللهجات في إرتريا سواء السامية أو الكوشية فلغتي التقرايت والتجرينية في جذورهما تنتميان إلى اللغة العربية القديمة فهما ليستا بحاميتين ولا من اللغات النيل صحاوية في المجموعة الثانية من اللغات الأفريقية فأقدم اللغات في ارتريا هي الحامية مثل اللغة العفرية ولغة اليروب ولغة البجا والكوشية لغة البلين.

اتفق نظاما الإمبراطور هيلي سلاسي الذي حكم ارتريا وتنظيم الجبهة الشعبية الحاكم على طمس الموروث الثقافي للغة العربية والإسلام في ارتريا من خلال محاربة اللغة العربية احدي أبرز مواعين التواصل بين مسلمي ارتريا وذلك بفرض اللغة الأمهرية في فترة هيلي سلاسي وتشجيع اللغة الأم في فترة حكم الجبهة الشعبية بهدف تقليص دور اللغة العربية في مجتمع المسلمين الإرتريين ولم يستفد هذان النظامان من حالة الرفض التي أبداها المسلمون لسياسات ايطاليا الرافضة للغة العربية بالأحجام عن الانخراط في مؤسسات التعليم الإيطالية، كما واجهوا الإثيوبيين بتأسيس المعاهد الدينية من أجل الحفاظ على هويتهم وثقافتهم، وذات المصير تواجهه سياسات النظام الحاكم اليوم في ارتريا لرفض شريحة مهمة من الشعب الارتري التعليم باللغة الأم.

كثيرا ما يزعم أعداد اللغة العربية في النظام الحاكم بأن التعليم بالعربية فرضه الاستعمار البريطاني وهذه فرية لا يسندها التاريخ فلم تكن اللغة التجرينية في أي لحظة من تأريخ ارتريا لغة تواصل بل كان مسلمو ارتريا يوثقون أحوالهم المدنية باللغة العربية خاصة من الحقبة التركية مرورا بالفترة المصرية ثم الإيطالية ويلاحظ أن الجبهة الشعبية عندما دخلت مدينة كرن في عام 1977م دمرت الكثير من هذه الوثائق التي تعود إلى الحقبة التركية والمصرية والإيطالية والتي كانت في قلعة كرن (فورتو) في خطوة متعمدة وتخريبية بامتياز، فوثائق الأحوال الشخصية وعقود الزواج وملكية الأرض جميعها كانت تبرم وتكتب باللغة العربية، ومن المهم أن نذكر أن من أول الشروط التي كانت تراعى في الوالي الذي سيشغل منصب والى ولاية الحبش في باضع هو اجادة اللغة العربية.

التعليم الديني في ارتريا كان باللغة العربية، ولذلك عندما بدأت تظهر الصحافة المقروءة في حقبة الاستعمار الإيطالي والتي بدأت على شكل منشورات تلخص الاحداث اليومية منذ العام 1892م كانت باللغة الإيطالية والعربية، وفي عام 1928م صدرت أول صحيفة رسمية ومطبوعة وهي (اليومية الارترية) كانت تطبع بالإيطالية والعربية فقط وكانت تطبع منها في عام 1941م 30,000 نسخة في اليوم

صدرت في الحقبة الإيطالية ثلاثة جرائد كانت واحدة منها باللغة العربية وهي الجريدة العسكرية (سافوي) (1934م) والثانية هي جريدة (بريد الإمبراطورية) (1936م) وكانت تصدر باللغين الإيطالية والعربية بالإضافة إلى اليومية الارترية التي تقدم ذكرها مما يدل على قوة مركز اللغة العربية في ارتريا وأصالتها لأن المستعمر الإيطالي اضطر إلى مخاطبة مكون مهم في المجتمع الارتري بلغته الأم وهي العربية وكان من يقرأ ويكتب بها أكثر من اللغة التجرينية التي كانت منزوية في الهضبة الجنوبية.

في حقبة الانتداب البريطاني والاتحاد الفدرالي صدر عدد 22 صحيفة ومجلة يومية واسبوعية ونصف شهرية وكانت كلها تصدر بالعربية حتى الصحف التي أصدرها أنصار الاتحاد مع أثيوبيا مثل جريدة أثيوبيا كانت تصدر بالعربية والأمهرية لا وليست اللغة التجرينية بينما كانت خمسة منها فقط تطبع ملاحق بالتجرينية.

أول جريدة باللغة التجرينية صدرت في العام 1947م وهي الجريدة الاثيوبية وكانت تصدر بالعربية والتجرينية، بينما سبقتها أربعة جرائد في الصدور بالعربية فقط من العام 1943وهي الجريدة الارترية الأسبوعية (1943م)، ومجلة الشهيد (1944م)، وجريدة البريد العربية الأسبوعية (1945م)، وصوت الرابطة الإسلامية (1947م)، أما في فترة الاتحاد الفدرالي فقد صدرت أربعة صحف بالعربية والتجرينية واحدة فقط ومجلة واحدة بالعربية وهي مجلة المنار، مما يدل على مكانة اللغة العربية في إرتريا وعلو شأنها وأنها كانت لغة الأغلبية المستنيرة من سكان المدن والحواضر الإرترية منعصب جنوبا حتى قرورة في أقصى الشمال ومن مصوع شرقا حتى تسني غربا في مساحة تشكا 80% من مساحة إرتريا.

في حقبة الكفاح المسلح فقد أصدرت الثورة الإرترية ما يقارب من عشرين نشر ومجلة كلها كانت تصدر بالعربية وأبرزها مجلة الثورة، الطليعة، عدوليس، كفاح ارتريا، النضال، النفير، الجهاد، فجر الوحدة.

هذا يعطينا الرؤية الحقيقية لمستوى حضور الثقافة العربية في إرتريا ويدحض افتراءات وادعاءات أنصار الثقافة الأحادية من الطائفيين في نظام الجبهة الشعبية.

كان طبيعيا أن تتجه أنظار الشعب الإرتري ابان حقبة تقرير المصير وفترة الكفاح المسلح نحو أشقائه في العالم العربي فأثيوبيا طوال تاريخها مع الشعب الإرتري لم تكن جارا يؤمن بوائقه كما لم تستطع اخفاء مطامعها فلم يجد الشعب الإرتري صعوبة في التواصل مع جيرانه وأشقائه في العالم العربي وكان تأييدهم للثورة الإرترية بارزا ولا ينكره إلا جاحد.

لم يكن التأييد العربي مقرونا بأطماع أو أهواء بل كان ينبع من إيمانهم بعدالة هذه القضية وأفضل من جسده هو الملك فيصل بن عبد العزيز الذي دعم الثورة الإرترية دعما غير محدود حتى أنه خصص لهذا الغرض ميزانية مفتوحة كانت تصرف في تسليح الثورة الإرترية وذلك في مطلع السبعينات وقد استفادت منها كثيرا قوات التحرير الشعبية التي كان يرأسها السيد عثمان صالح سبي وبهذه المقدرات بني تنظيم الجبهة الشعبية.

تنظيم اسياس برمته في مطلع عام 1972م كان في حدود أقل من فصيل (خمة عشر جنديا) يحتمي بالمنحدرات الجبلية الشرقية الوعرة، انتقل إلى الساحل الشمالي للتزود بالأسلحة الجديدة والنوعية التي ضخها السيد سبي مستفيدا من الدعم السعودي المقدم للثورة الإرترية واسس منها قوات التحرير الشعبية الأولى وقد استمر هذا الدعم حتى انسلاخ الجبهة الشعبية عن سبي.

في مطلع الثمانينات واجهت الجبهة الشعبية أزمة في الإمداد والتسليح فلم تستطع تجاوزها الا بمقابلة اسياس لصدام حسين وعن طريق أفراد من حزب البعث في المنطقة ليقول اسياس كلمة واحدة فقط أن إرتريا عربية ليقدم له صدام حسين مبلغ ستة ملايين دولار أخرجت التنظيم إلى مرحلة جديدة مكنته من الانفراد بالساحة الإرترية وتمرير مشاريعه الطائفية وهو ما يحاول اليوم أن يلعبه من خلال مواقفة المتأرجحة، فهو يعلن أنه ضد سياسة المحاور والتحالفات من أجل الإبقاء على خيوط التواصل مع إيران ثم يصدر إعلانا باهتا من سطرين لا يزيد عن عشر كلمات في جريدته الرسمية بأنه يؤيد عاصفة الحزم وتحالف محاربة الإرهاب متفادي كلمة التحالف الإسلامي الذي أيدته أكثر من 35 دولة معظمها من القارة الإفريقية.

عمل النظام الإرتري من مطلع التحرير وبشكل ممنهج على تدمير علاقات إرتريا مع أشقائها وجيرانها العرب بدءً بالتحالف مع المشاريع الصهيونية ومنها انكار انتماء ارتريا إلى العالم العربي ثم الدخول في نزاع مع ثلاث دول عربية في عدوان سافر وتمجيد اسرائيل عدوة الشعوب العربية في تصرف غير مسؤول واستفزازي لشعوب دعمت حق الشعب الإرتري ماديا ووفرت له الغطاء السياسي دوليا.

أغلب الدول العربية لم تقم علاقات دبلوماسية مع اثيوبيا بسبب القضية الإرترية وفي أفضل الأحوال كانت فاترة واستمر ذلك حتى فجر التحرير ولم يستوعب النظام الإرتري هذا الدور الا عندما فقد الغطاء السياسي في حربه الحدودية مع اثيوبيا ليجد أيضا أن من يقف بجانبه هم العرب، فقد دعمته ليبيا عسكريا ووفرت له كل من الجزائر والجامعة العربية القطاء السياسي بتوقيع اتفاق الجزائر ويصبح السودان متنفسه عندما أحكمت عليه اثيوبيا الحصار باستصدار القرارات الدولية في حقه وهذا يعد استمرار لعلاقات الارتريين الإثنية والثقافية مع أشقائهم العرب.

كانت الأنظمة العربية أكثر حرصا على وحدة الصف الإرتري ولم يثبت أنها غزت الخلافات بين الفصائل الإرترية.

الدعم العربي للثورة الإرترية كان دعما خرافيا وغير محدود شمل الدعم السياسي والمالي والعسكري والفني والتعليم والإغاثة والإعلام وكان رسميا وشعبيا وامتد من وتونس وليبيا غربا وحتي الكويت والبحرين شرقا لم تشذ دولة عربية واحدة ولا شعب عربي واحد، ومن السهولة أن ينكر كل جاحد الدعم العربي للثورة الإرترية غير أنه لا يستطيع أن يأتي بحاله واحد ولو موقف سياسي لأي نظام أو شعب أفريقي ساند الثورة الإرترية ولا الأنظمة الأوروبية وأحزابها باستثناء الحزب الشيوعي الإيطالي وبعض الأحزاب في أروبا الشمالية أما الأحزاب الأوروبية الكبيرة فلم يفتح الله عليها بكلمة تؤيد فيها حق الشعب الإرتري وعدالة قضيته ومثلها الحزبين الرئيسيين في أمريكا الشمالية وكذلك كندا.

النظام الحاكم في ارتريا وطوال فترة الكفاح المسلح كان يؤمن تحركه السياسي من المنطقة العربية وكانت مكاتبه تنتشر في الخرطوم ومقديشو وعدن ودمشق وأبو ظبي وبغداد والقاهرة وبيروت والرياض وجدة والكويت وصنعاء وطرابلس كمكاتب رسمية تتمتع بحصانة ولم نسمع بأي مكتب في نيروبي وهراري ولاقوس وكمبالا ولا حتى تل أبيب التي هرول نحوها تنظيم الجبهة الشعبية.

تميز الدعم العربي للثورة الإرترية باهتمام المثقفين العرب بالقضية الإرترية من صحفيين وكتاب وأدباء مما يدل على مكانة هذه القضية في وجدان الأمة العربية.

هدفت هذه الدراسة بالدرجة الأولي إلى وضع رؤية استراتيجية تعمل على تطوير العلاقات الإرترية العربية باعتبارها علاقات استراتيجية بعيدة عن المماحكات والأهواء والتقلبات السياسية والميول الطائفية.

هذه الدراسة العلاقات الإرترية العربية قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية للدكتور عمر زرآي تحاول استقراء تاريخ التواصل بين شعوب شاطئي البحر الأحمر (الإرتري والعربي) وما ترتب عليه من تمازج وتجانس الموروثات الدينية والثقافية التي بنيت على مر العصور وتهدف من هذا الاستقراء التاريخي إلى الانطلاق من أرضية ثابتة لاستشراف مستقبل العلاقات الارترية العربية من أجل بناء علاقات استراتيجية قوامها المصالح المشتركة التي تخدم الشعب الارتري والشعوب العربية.

هدفت الدراسة إلى وضع تصور للعلاقات الإرترية العربية مستندة على الإرث التاريخي لهذه العلاقات، بحث الدراسة هذا الموضوع من ثلاثة زوايا هي

مقومات التعاون العربي الإرتري ومجالاته. وفيه تسلط الدراسة الضوء على إمكانات إرتريا للتكامل مع العالم العربي وذلك من خلال ثلاثة محاور هي:-

أـ المحور الاقتصادي

بـ ـ المحور الثقافي

جـ ـ المحور السياسي والأمني

التحديات التي تواجه هذا التكامل وفيه ناقشت الدراسة:

النظام السياسي والقانوني والملومات والبيئة الاستثمارية والبنية التحتية والاستراتيجية العربية نحو ارتريا.

آفاق ومحفزات التكامل الارتري العربي وناقشت فيه العوامل السياسية التاريخية والثقافية والجغرافية.

ختمت الدراسة مناقشة الرؤية المستقبلية بمناقشة مجالات التكامل العربي الإرتري وحددتها بالمجال السياسي التجاري والسياحي والثقافي والإعلامي والصناعي والطاقة والزراعة والأمن الغذائي.

لخصت الدراسة في الختام أهم ما جاء فيها وأهم النتائج التي توصلت إليها وبعض المقترحات التي يرى الباحث العمل فيها كونها تساهم في بناء علاقات استراتيجية بين إرتريا والدول العربية.

Top
X

Right Click

No Right Click