ذكريات وتجارب - الحلقة الثانية والثلاثون

Samadit.com سماديت كوم

بقلم الأستاذ: عثمان بداوى عمريت

قد يبدو غريبا ان يوصي المحامي، كما ورد في الحلقة السابقة، اجراء اتصالات مع المدعي العام ورئيس المحكمة للقيام بواجبهما

المهني وهو امر بديهي. هذا صحيح لولا نمو وتنامي شبكة ثلاثية فاسدة مكونة من المباحث، القضاء والمحامون جعلت من مهنتها تجارة رابحة تستغل بها معاناة المعتقلين واسرهم الى ابعد الحدود، مبالغة في حجم التهم وخطورتها، مماطلة في انهاء الاجراءات وتطويل مواعيد الجلسات اضطرت الكثيرين الى بيع ممتلكاتهم من مواشي وحلي.

فضلا عن المنفعة الشخصية، كان بعض المحامين يحثون الاهالي على رشوة المدعى العام، وهو بدوره يضغط لرشوة رئيس المحكمة، ورئيس المحكمة يوصي برشوة القاضي الأيمن، والقاضي الأيمن يوصى برشوة القاضي الأيسر وهكذا دواليك. ولا يختلف الحال حتى لو كان المحامي معينا من قبل الحكومة، مطالبة بمبالغ اضافية لما تتطلبه القضية من جهد وعلاقات عامة واسعة والا فلا.

والاخطر من كل هذا، كان بعض المحامين يعملون مخبرين مقابل اسناد الحكومة اليهم القضايا التي تدفع اتعابها فكانوا يستدرجون موكليهم لمعرفة أسرار ومعلومات سياسية عجزت المباحث في الحصول عليها اثناء التحقيق. تكشفت وثبتت هذه الوشاية عندما بدأ الادعاء في المطالبة باضافة تهم جديدة ضد المساجين كان قد جرى بحثها بين المساجين ومحاميهم. على سبيل المثال، استأنف الاخ احمد سعيد علي جميل لتخفيف حكمه، فحكمت عليه محكمة محكمة الاستئناف بعشرين سنة بعد ان كان حكمه سنتين اخذا في الاعتبار حيثيات جديدة تقدم بها المدعي العام تطرق اليها احمد سعيد مع محاميه في إطار تحضير الدفوعات، كان احمد سعيد مقاتلا تلقى تدريبه في سوريا. وبنفس القدر كان بعض القساوسة الأرثوذكس ينقلون الى المباحث ألاسرار التي يعترف بها السجناء أمامهم في إطار طقوس دينية "منّزاز" وتعني الاعتراف من اجل التوبة. اعتقد أحد المساجين يدعى سيوم (عدي نفاس) لا اذكر اسمه الكامل، انه تجاوز مرحلة الخطر بعد ان حكم عليه بعشر سنوات فكشف أمام القسيس اسمه الحقيقي ودوره النضالي. في مرحلة الاستئانف كشف المدعي العام في ادعائه الهوية الحقيقية لسيوم ونشاطه السياسي في الميدان فحكمت عليه المحكمة بالإعدام، واعدم فعلا.

لعل تجربة الحاج محمد ايرا تلخص بعضا من هذه الاساليب المخزية التي كانت سائدة. عندما مثل امام المحاكمة، سأله القاضي ان كان بمقدروه توكيل محامي ام يريد ان تعين له الحكومة، فذكر انه لا يعين ولا يريد ان تعين له الحكومة احدا. حاول المحامي الذي عينته له الحكومة طبقا للقانون في التهم الكبيرة ابتزازه والضنغط عليه من خلال المماطلة الا انه لم يفلح الى ان صدر بحقه الحكم بالإعدام. اعتقد المحامي ان الحكم لابد ان يكسر شوكته ويلين عريكته وانه وسيرضخ لابتزازه فرد عليه الحاج محمد ’يا هذا .. أنا لا ارغب في الاستئناف فلو خشينا الشهادة لوسعتنا بيوتنا وإذا رغبت في المزيد من المال فاطلبه من الجهة التي كلفتك‘. تقدم المحامي بالاستئناف، ايضا على حساب الحكومة، كإجراء قانوني لابد منه. وبعد جلسة أو جلستين تم ابرام الحكم بالاعدام ثم صادق عليه الإمبراطور هيلي سلاسلي كأعلى سلطة في البلاد وتم اعدامه.

ولم يختلف ما كان يجري خارج السجن عما كان يجري داخله الا من حيث بعض الاساليب. فبينما يحق للسجين، بموجب القانون، مقابلة ذويه على الاقل مرة في الأسبوع، ومقابلة خاصة مع ذويه أو محاميه لمناقشة أمور عائلية او قانونية تتعلق بالقضية، ولكن كانت رئاسة السجون وإدارة السجن تستغل هذا الحق فتطلب من الزائر استخراج تصريح من رئاسة السجون في منطقة حزحز حيث يقضي يومه بدون جدوى واذا حصل يكون موعد الزيارة قد فات وصلاحية التصريح قد انتهت. ويتكرر الامر في الاسبوع التالي الى ان يلقي من يوجهه الى تسليك طريقه مع ادارة السجن فيتعلم الزائر ويعلم غيره كيفية اختصار الطريق عن طريق الرشوة حتى لا يعودوا الى بيوتهم بخفي حنين ولاسيما إذا قدموا من مدن وأقاليم بعيدة فضلا عن تكلفـة المبيت في اسـمرا والوضع الأمني الذي كان سائدا. علما انه حتى منتصف عام 1965 أي تاريخ تطبيق الجبهة نظام المناطق وانتشار جيش التحرير الى كافة المناطق، كان المساجين السياسيين من المسلمين من ابناء المنطقة الغربية وبالذات من ابناء الريف.

في البداية كان الدفع لمدير السجن فقط وبأساليب مختلفة. وبعد فترة، ومع تزايد اعداد السجناء بدأ نائب مدير السجن يفرض نفسه من خلال تيأخير موعد الزيارة لساعات يقضيها الاهالي في فضاء مكشوف بلا حماية من حرارة الشمس أو هطول الأمطار، وأحيانا يردهم على أعقابهم ولاسيما إذا كان المدير غائبا. فتحسبا لمثل لهذه التصرفات ادخل بعض الاهالي نصيب النائب ايضا في الاعتبار. أما الشاوشية وما دونهم فكانوا شركاء في كل ما يحضره الاهالي مع الاحتفاظ بحقهم في اختيار الافضل، وهذا ايضا دخل في الاعتبار فكان البعض يجهز لكل ذي حق حقه مقدما! اما من تمكن من الزيارة بدون العبور عبر هذه القنوات فيدخل ضمن مجموعة كبيرة في مكان ضيق لا يَسمع ولا يُسمع ولبضعة دقائق.

بفضل الخال الحاج يحي حمد حالي الذي كان يملك دكان صياغة أمام السجن مباشرة وعلى معرفة تامة بإدارة السجن بكل مستوياتها، في الغالب كانت تتم العملية بسلاسة تامة حيث أتفق معهم صراحة على الا يعرقلوا أي زائر يجئ عن طريقه مقابل استلام ’المعلوم‘ منه. ولهذا، كان على من يرغب في زيارتنا أن يدفع ’معلومه ‘ مقدما ثم يتوجه إلى السجن مباشرة ’نور وانوار!‘ كما كان يطلق عليها البعض.

الحديث عن حقول الغام امر سهل وايضا مثير ولكن عند السير فيه تقشعر الابدان ويحتاج الامر الى تضحية وخبرة كبيرة وخصوصا اذا كان في شكل شبكة موصولة ومتصلة ببعضها. كانت البيئة والاجواء العامة المحيطة التي ينبغي على الاخ الاستاذ محمد سعيد بشير والمحامي السير فيها لا تقل خطورة عن هذا وخصوصا بعد ان ادركت المباحث حتمية ما ستؤول اليه الامور اذا لم تتدارك اخطائها الفادحة بسرعة فائقة، فاخذت تقتفي اثر تحركاتهما والاتصالات التي يجريانها سواء مع اطراف رسمية ذات علاقة او شهود بعد ان اخفقت في العثور على الاخ عمر ادريس شيخاي لعلها تعثر عليهما ثغرة او هفوة تلحقهما بنا، وغدا لناظره قريب.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click