ذكريات وتجارب - الحلقة الثامنة والثلاثون

Samadit.com سماديت كوم

بقلم الأستاذ: عثمان بداوى عمريت

من الطبيعي الا تقاس المحاكمات السياسية ولا حجم التعاطف والتأييد الشعبي بما ينتهى اليه الحكم في محاكمة بعينها من افراج او سجن

لأنها عبارة عن سلسلة طويلة قد تستمر لأجيال مع التفاوت في مدى تأثير كل منها في ازكاء الروح الوطنية وارباك اجهزة العدو و سياساته بصفة عامة. وفي هذا الصدد، لقد وفر اعتقالنا مادة سياسية واعلامية وانسانية دسمة للجبهة استغلتها في المحافل الدولية ثم جاءت الاحكام القاسية لتؤكد صحة اتهاماتها لحكومة الامبراطور بالقهر والطغيان بدون أي اعتبار لما يكون لها من انعكاسات سلبية على سير المحاكمة.

وحتى في الجانب الاخر يمكن، القول ان بروز منافسة ظلت مكتومة بين جناحين في جهاز المباحث احدهما برئاسة بلطي والاخر برئاسة ماتيوس - ارتري الجنسية الى العلن يعود في جزء منه الى اسناد ممثل الامبراطور مهمة اعتقال الزميل حمدو محمد الى المقدم بلطي بأسلوب يتنافى مع الإجراءات المتبعة ما اثار حفيظة الطرف الاخر ولاسيما عقب ضبط بعض الاسلحة ومصادرة كمية ذهب كما ورد سابقا. استغلت مجموعة ماتيوس اخفاقات بلطي وتلاعب مجموعته فبذلت قصارى جهدها لتحميله مسئولية عدم احكام ترابط قضية بهذه الاهمية، وحققت ما ارادت حيث لم يفقد بلطي فرصة الترقية فحسب بل واضطر الى الاستعانة بممثل الامبراطور لإنقاذ ماء وجهيهما على حد سواء بينما تمت ترقية ماتيوس. مما لا ريب فيه ان مثل هذا النفور بين قيادات امنية واقحام ممثل الامبراطور نفسه بهذا السفور في عمل القضاء من الطبيعي ان يؤدي الى نوع من زعزعة الثقة البينية واهتزاز هيبة السلطة واختلال توازنها، لان اكثر ما تخشاه الانظمة الديكتاتورية واقل ما تصبر عليه هو استدراجها الى منازلة في ساحة القضاء والاعلام، ومن هنا تأتي اهمية الاستفادة القصوى من اية ثغرة متاحة مهما صغر حجمها او ارتفعت تكلفتها، فان لم تكن بهدف تحقيق العدالة التي لا تتأتي الا عبر نضال طويل، فعلى الاقل، من اجل تعريتها وإجبارها على التراجع او دفعها الى التغول وتعطيل القوانين وفي كلا الحالتين انجاز لا يمكن التقليل من تبعاته التراكمية.

وانطلاقا من هذا الفهم والعمل به، قام الاخ محمد سعيد بشير والمحامي موائيل مبرهتو باتصالات مكثفة تمهيدا لتقديم الاستئناف تمخضت عن اتفاق مع رئيس الهيئة العليا للقضاء على اسناد القضية الى قاض ايطالي من عائلة توليرو (لا اذكر اسمه الكامل وهي عائلة معروفة في اسمرا) كان على اطلاع تام على تفاصيل القضية وتطوراتها الى ما قبل تدخل ممثل الامبراطور، وبعد مراجعة حيثيات القضية ومقارنتها بالأحكام التي كان سيصدرها القاضي السابق، توصل، توصل ومن وجهة نظر قانونية محضة، ان الاحكام التي ستصدرها محكمته ستكون اخف منها بكثير، ومع هذا اشار الى اهمية ضمان موافقة مساعديه الايمن والايسر، على الاقل من باب الاحتياط، وهكذا كان. بالإضافة الى هذا، اقترح تطويل الفترة الفاصلة بين الجلسات بحيث تتماشى مع انتهاء تاريخ عقده ولعل متابعة المباحث تخف، وعدم رغبته في تجديد عقده كان عاملا مساعدا على تحدي اية تعليمات مخالفة قد تصدر اليه. ولهذا عقدت الجلسة الاولى في اجواء ايجابية استعرض خلالها المحامي دواعي واسباب الاستئناف مع التركيز على العوار القانوني الواضح في اصدار الاحكام، اما المدعي العام اكتفى بالمطالبة بإبرامها.

كان هذا في وقت تتصدر فيه صفحات الجرائد صور العشرات المسلحين ممن اسمتهم ب ’العائدون الى حضن الوطن‘ من الجبهة وتروي على لسانهم روايات فظيعة عن تصفيات جسدية يتعرض لها المسيحيون من منطلقات طائفية. في الحقيقة لم نلق اليها بالا على اساس انها مجرد اشاعات تروجها اجهزة المخابرات الى ان ظهرت حلقات كتبها الصحفي السوداني احمد طيفور يسرد فيها عن مشاهداته وانطباعاته الشخصية خلال فترة تواجده في الميدان ولم تكن اقل سوءا مما تصبو اليه الصحف ما جعلنا بين مصدق ومكذب. وتجدر الاشارة هنا وحسب ما علمنا واتضح فيما بعد، كان الصحفي احمد طيفور هذا من اصدقاء الجبهة وفعلا دخل الميدان ولكن لتوثيق الانشطة العسكرية والاجتماعية القائمة فضلا عن الحالة الانسانية التي يعاني منها الاهالي في المناطق الريفية لإصدار ربورتاج شامل يعرف بعدالة القضية الارترية والنضالات الجارية من اجل التحرير، وما ان اكتشفت اجهزة المخابرات الاثيوبية في السودان نشاطه وما ينوي القيام به، دبرت له مكيدة استطاعت من خلالها ابتزازه واجباره على تجيير كل ما قام به لخدمة مصالحها.

وسط هذه الحملات المسعورة والابواق المعادية حتى داخل السجن، اتفقنا مع شاويش يدعى صالح على أن يهرب لنا جريدة يستلمها من دكان الخال يحي حمد حالي الواقع امام بوابة السجن. استلمنا العدد الاول في اليوم التالي قبيل دخول المساجين العنبر في الثانية عشرة ظهرا على ان نعيدها اليه فور خروجنا في الثانية. وبينما الجميع في العنبر منشغل باستلام الغداء، استلقى الزميل احمد شيخ فرس وسطنا على بطنه حتى لا يلاحظه احد وبالكاد اكمل الصفحة الاولى حتى وقف على رأسنا شاويش من مكتب المدير طالبا تسليمه ’المنشور‘ الذي بحوزتنا وإلا استخرجه بنفسه. ومن خلال نظرته الى احمد الشيخ الذي حاول عبثا اخفاءها ادركنا ان في الامر وشاية وما كان امامنا سوى التسليم بالأمر الواقع.

استشاط المدير غضبا عندما اطلع على ما ظنه منشورا سياسيا صادرا عن الجبهة فارسل طابورا من الحراس لتجريدنا فورا من كل شيء عدا ما على اجسادنا من ملابس مع الامر بحرماننا من زيارات عائلية لشهور، بل استدعانا اليه ليعنفنا تعنيفا شديدا على تهريبنا ادبيات سياسية تهدد أمن السجن والدولة، وتمس بمكانته وسمعته الشخصية، وقال أنه سيرفع الموضوع في التو الى الرئاسة العامة للسجون والمباحث للتعامل معنا. وبعد ان ارغى وازبد واستنفد ما كان بجعبته أخبرناه أن المستمسك في يده ليس سوى الجزء العربي من جريدة ’الوحدة‘ لنفس اليوم وان المسلحين في الصورة انما هم اناس سلموا انفسهم للحكومة، واننا لم نهربها بل استعرناها ولم نقصد بهذا الاساءة اليه. استخرج نفس العدد من درجه ولكن بالتجرينية وقارن بينهما، ولحسن الحظ، كانت الصور متطابقة مع انها تختلف في الغالب من حيث الصور والمواضيع. جن جنونه وقال للشاويش الذى احضرنا كلاما يتوعد فيه بمعاقبة العناصر التي وضعته في هذا الموقف، وعندما تنبه الى وجودنا عاود تحذيرنا من القيام بأية مخالفة نظامية او قانونية بما فيها حيازة أي مكتوب او وسيلة كتابة، وامرنا بالانصراف بدون الغاء تعليماته السابقة. وفي المساء اشيع نقل سجين يدعى قبر سلاسي من عنبر اخر الى قسم العزل والعقاب بسبب وشاية كاذبة.

فمنذ بعيد وصولنا الى هذا السجن تنامى الى علمنا بطريقة واخرى وجود خلايا يتزعمها شخص يدعى قبري سلاسي أثيوبي من قومية تقراى من شباب حزب الاتحاد الموالي لإثيوبيا وممن شاركوا في بعض الاعمال الارهابية ضد مصالح وشخصيات وطنية، وانه كان حتى تاريخ سجنه والحكم عليه بالمؤبد بجريمة قتل يعمل في مجال المحاماة، وان معظم العناصر التي تدور في فلكه في معظمها من نفس القومية. لربما كل ما قامت به هذه المجموعة حتى تزايد اعداد السياسيين كان التقرب الى الادارة من اجل منفعة شخصية وثم تطور ت الى خلية تجسس مرحب بها من الادارة. ولهذا لم نفاجأ بحدوث مثل هذه الوشاية في اية لحظة.

الا ان انزعاج رئيس العنبر من تسرب معلومة لحدث حصل في عنبره بدون علمه الى شخص في مكان اخر في اقل من نصف ساعة مع عدم معرفة الفاعل والطريقة التي تمت بها، لفت نظرنا الى مدى يقظة هذه المجموعة وسرعة تواصلها، فبدأنا نهتم بمعرفة خلفيات النزلاء جلهم من قطاع طرق وقتلة، وكان استنتاجنا ان شخصا في العنبر همس من خلال كوة في الباب في اذن احد الشخصين اللذين حملا الطعام وبقيا خارج الباب ريثما تنتهي عملية التوزيع هو من طار الى قبري سلاسي الذي نقلها بدوره الى مكتب المدير وبالتالي اعتبرنا عمال المطبخ الخيط الاول. علما ان هذه الكوة التي تفتح وتقفل من الخارج ولا تسع مساحتها لأكثر من فم الانسان وسيلة تواصل الحارس مع رئيس العنبر بعد قفل الباب.

لم تمر على هذه الوشاية سوى بضعة اسابيع حتى باغت عدد من الحراس العنبر في وقت مبكر من الصباح تحت اشراف ضابط وقاموا بعملية تفتيش دقيقة قلبوا افرغوا كل شيء من محتواه وخرجوا بخفي حنين. عندما لاحظنا ان ما حل بمراقدنا اسوأ بكثير من غيرها وسمعنا من البعض ان عملية التفتيش في العادة كانت تتم بعد خروج السجناء وتحت اشراف شاويش ورئيس العنبر عرفنا اننا المستهدفون، وبالفعل المح رئيس العنبر للبعض انهم كانوا متأكدين من وجود بعض الممنوعات.

وتكررت نفس المحاولة أثناء الدخول مع ان الوقت لا يتسع لأكثر من تناول الغداء والتناوب على الحمام، ومن ثم توالت بشكل اسبوعي تقريبا ولكن في توقيتات مختلفة ومع هذا لم تحقق نقيرا ولكنها خلقت ردود افعال متباينة، عزا البعض السبب الى وجودنا او بالأحرى تصرفاتنا بينما اعذرنا الاخرون لعدم عثور ما يديننا محملا تبعات ما يجري للعناصر التي تصيد في الماء العكر ومن خلال الهمزات والغمزات التي كانت تصدر تعرفنا على بعض المشتبه فيهم. بعد ان هدأت الامور لبعض الوقت واعتقدنا انها سحابة صيف وانجلت، اعلنت الادارة عن زيارة وشيكة للسجن تقوم بها شخصية كبيرة قيل انه رئيس السجون الأثيوبية فبدأت عملية تنظيف وصيانة لكل المرافق بحيث يظهر السجن بالصورة اللائقة وفي الاخير تم صرف نصف صابونة لكل سجين للاستحمام وغسل الملابس، مع التحذير المتكرر من الاقتراب من الضيف الكبير او محاولة تقديم شكوى او بأي شكل من الاشكال.

وفي اليوم الموعود والساعة المحددة وصل الضيف وبمجرد ان حط قدميه في مدخل البوابة الرئيسية اصدر تعليمات صارمة تمنع تحرك أي شخص بصرف النظر عن رتبته او طبيعة عمله سجينا كان أو سجانا من المكان المتواجد فيه في تلك اللحظة وهذا على ما يبدو كان خشية ان تكتشف هويته الحقيقية قبل وصوله المواقع التي ينوي مباغتتها. وتقريبا بعد ساعة من عملية تمويه، دخل ساحتنا واصبحنا معه وجه لوجه، ولم يكن سوى عدونا اللدود المقدم بلطي يرافقه الكولونيل علي عبد الفراج نائب مدير السجون الارترية للشئون العسكرية وخلفهما مدير السجن مرعوبا من هول المفاجأة. تلقائيا ادركنا انه يقصدنا. دخل العنبر ووقف على مراقدنا المتلاصقة وبدا لنا انه كان يعرف اماكنها، اخذ في استدعائنا فردا فردا، كان واثقا جدا من تحقيق هدفه ولو متأخرا وبدأ يفتش كل مرقد امام صاحبه ثم ليستفسر منه امام الشهود بعد ان استفاد من غلطة العمر التي ارتكبها، لم يعثر الا على مجلتين - لواء الاسلام ومنبر الاسلام - في مرقد الاستاذ محمود صالح سبي وبعد ان قلبهما بدون اكتراث بسبب اللغة سلمهما للكولونيل للاطلاع عليها، لأنه كان يبحث ان صيد ثمين لم يسأل عن كيفية وصولهما اليه، لسوء الحظ عثر الكولونيل علي وسط الصفحات رسالة يطلب فيها الاستاذ محمود من عائلته احضار ’سلاح‘ في زيارتها المقبلة. توقف الكولنيل على كلمة ’سلاح‘ وسأله عما يعنيه بها فأخبره ان 'سلاح' هذا هو ابنه 'سلاح الدين'، فجادله الكولونيل علي ان اسم 'صلاح الدين' بالصاد وليس بالسين بينما اصر محمود انه يعني 'سلاح الدين‘ وليس 'صلاح الدين' اعاد اليه الكولونيل على المجلتين والرسالة بدون ان يسأل عن كيفية ارسالها. كان يحظى الكولونيل بسمعة طيبة بين السجناء وذكر لي الاستاذ الكبير محمد احمد نور، اطال الله في عمره، في ملبورن ان الكولونيل على عبد الفراج كان وطنيا وصاحب مواقف شجاعة منها على سبيل المثال حماية الزعيم محمد عمر قاضي عندما كان في سجينا من بعض الاساءات التي كان يتعرض لها. بل كان متدينا جدا فعندما تمت ترقيته الى رتبة كولونيل وطلب منه التوجه الى اديس ابابا لاستلام الترقية من يد الامبراطور ضمن مجموعة مماثلة كبيرة اعتذر عن الذهاب لما فيها من ركوع وسجود امام الإمبراطور حتى لو ادى ذلك الى سحبها، لربما كانت هذا اول واخر مرة رأيته فيها اذ تمت احالته بعد عدة اشهر الى المعاش.

ومما رشح فيما بعد، لم يقم بلطي بهذه المغامرة الطائشة الا بعد ان تلقى معلومات من مجموعة قبري سلاسي اكدت له فيها ان عدم عثور ادارة السجن على دليل ملموس ضدنا ناتج عن عدم جديتها بدليل انها ابلغت الادارة بمكان وجود منشورات ورسائل سياسية في العنبر وفعلا عثرت عليها ولكنها اكتفت بتجريدنا من بعض الاشياء مع المنع من مقابلات عائلية بينما عاقبت رئيسها قبري سلاسي بوضعه في قسم العزل والعقاب وبلع بلطي الطعم بسهولة لغاية في نفسه. اما ادارة السجن فقد رات في خطوة بلطي بمثابة تشكيك في إخلاصها للحكومة ونقمت على هذه المجموعة ولكن علينا اكثر!

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click