ذكريات وتجارب - الحلقة الاربعون

Samadit.com سماديت كوم

بقلم الأستاذ: عثمان بداوى عمريت

بعد قضاء وقتا طويلا في ردهة القلعة نتطلع الى عودة الضابط عله يعجل اجراءات دخولنا، اصبحنا املنا بعد مشاهدة ما حصل

للسجينين ان يمررنا بدون الخضوع لهذه التجربة التي اقشعرت لها جلودنا، غير انه قام بأكثر من هذا، ففور وصوله طلب منا مرافقة الشاويش الذي تركنا في عهدته وانصرف، وهكذا اقتفينا اثره الى ان وصلنا الى قسم الغير محكوم عليهم الذي يقع خلف القلعة في الجهة اليمنى من السجن لا تفصل بينهما الا اسلاك شائكة.

يقع سجن اديس ابابا المركزي في منطقة جبلية كلها صخور وحجار تتوسطها عدة عنابر كبيرة يقيم فيها ما لا يقل عن ثلاثة الاف سجين يتدافعون في زحام شديد يستلزم السير فيها الى حذر شديد. قيل لنا انه كان في الاصل اصطبلا للخيول ابان الاحتلال الايطالي ثم حوله الامبراطور هيلي سلاسي الى سجن مركزي وبنى في داخله قلعة ’الم بقا‘ المشؤومة. كنا مأخوذين بالمنظر عندما فوجئنا بوقوع كل من كان حولنا على الارض سجدا. لم نعرف السبب وما يجب علينا عمله سوى تبادل نظرات الاستغراب حتى شعر الشاويش بتوقفنا وحيرتنا فأشار بيده الى السماء. لم يكن هناك سوى طائرة تمر فوقنا وهي تستعد للهبوط في مطار بولي الدولي. وحتى يزيل اللبس اضاف الشاويش باللغة الامهرية ’جلالة الامبراطور هيلي سلاسي في الطائرة‘. مع اننا هززنا رؤوسنا متظاهرين بالفهم لم يزدنا توضيحه الا غموضا. فما علاقة وجود الامبراطور في طائرة عابرة بمساجين يسجدون! علمنا لاحقا ان الامبراطور كان عائدا من زيارة الى المانيا الغربية وان ادارة السجن كعادتها اعلنت ساعة مرور الطائرة حتي يقوم المساجين بتحيته.

في عنبر رقم 4 الذي ادخلنا فيه حدد لنا رئيسه مساحة لا تتسع لأكثر من نصفنا وحتى هذا في احسن الاحوال، ففرشنا ما توفر لدينا من بطانيات والوسع في القلوب، كما يقول المثل، فارتمينا فوقها كيما كان وسرعان ما استسلمنا للنوم ونحن في حالة مزرية من شدة التعب والعطش والجوع، ولم نستيقظ الا في ساعة الفجر وعلى تحذير من العم عبد الله محمد صايغ قولا وفعلا. في البداية، تهيأ لبعض الزملاء ممن شعروا بحركته او سمعوا صوته انه يوقظنا لأداء صلاة الفجر كما جرت العادة الى ان ادركوا انه يطلب منهم عدم رفع رؤوسهم، فبدلا من الامتثال لطلبه، عملوا العكس خشية ان يكون هناك امر داهم، وكل من رفع رأٍسه قال ’اعوذ بالله‘ وحذر غيره.
في الحقيقة، استيقظ العم عبد الله قبيل الفجر للذهاب الى الحمام معتقدا ان هذا ممكن ومسموح به ولكنه اكتشف ان الطريق مسدود بكتل بشرية عارية مرصوصة ومتلاصقة وكأنها في علبة سردين او صندوق كبريت في وضع مقزز جدا. فما كان منه الا ان سحب عليه بطانيته واخذ يحذر كل من هم بالقيام، ولم تنته حالة الاستنفار هذه الا في الساعة السابعة والنصف عندما دبت في العنبر حركة حيث تشكل امام الحمام طابور فيه اكثر من خمسين شخصا ينتظرون دورهم، وطابور مماثل امام برميل ماء.

لزمنا مراقدنا نستطلع ما يجرى الى ان دخل عمال المطبخ لتوزيع الشاهي ثم خرجوا ولم يكن لنا فيه نصيب بسبب عدم اقتناء اناء يسكب لنا فيه، وما قيل انه شاهى كان مزيجا من حب شاهي، قشرة البن واشياء اخرى. وسرعان ما بدأ توزيع رغيف بواقع ثلاثة ارغفة لكل واحد وهي عبارة عن الوجبة اليومية. حتى الرغيف كان خليطا من شتى انواع الحبوب والبقول داكن والمهم انه كان اكبر وزنا من الرغيف العادي. كان البعض ممن لا يملكون مكانا يحفظون فيه يلتهمونها دفعة واحدة، والبعض الاخر يحملونها في جيبهم او في يدهم طوال اليوم ليتناولوها واحدة في الظهيرة والاخرى في الليل حيث يشتد البرد.

في الثامنة والنصف خرج كافة السجناء عدا عمال النظافة وبقينا نحن حيث كنا نحاول استيعاب ما نحن بصدده والتفاكر في كيفية التعامل والتأقلم معه. في حوالي الساعة العاشرة تقريبا استدعانا رئيس العنبر الى مقره. كان جالسا وسط سرير عليها فرش وثيرة متلحفا على النمط الحبشي وفي يده خيزران قصيرة مزينة بشعر ذيل حصان لنش الذباب وإظهار العظمة، وعلى جانبيه يقف حارسان كل منهما يمسك بسوط طويل من الجلد. اخبرنا الرئيس انه، نسبة الى الارهاق الذي كنا فيه في السابق، لم يشأ ان يشرح لنا قوانين السجن والنظام المتبع في العنبر، ثم اوضحه على النحو التالي:

1. ان المراقد في العنبر من مستويات مختلفة ولكل منها اجرة شهرية تدفع مقدما.
المستوى الممتاز: سرائر من دور ودورين وسط العنبر ايجارها الشهري برين (البر عبارة عن دولار) ولكنها مؤجرة بالكامل.
المستوى الاول: هو الصف الاول الملاصق للجدار وقيمته بر وخمسين سنتا.
المستوى الثاني: هو الصف الثاني المجاور للصف الاول وقيمتها بر واحد.
المستوى الثالث: هو الصف الثالث المجاور للصف الثاني واجرته خمسة وسبعين سنتا. اما المنطقة الوسطى فهي مجانا للعامة.

2. لا توفر الحكومة للسجين اية ادوات: لا صحن، لا كباية لا بطانية ولا برش. ومن هذا الحديث فهمنا سبب استلام السجناء الشاهي والماء في اواني مختلفة: كباية شاهي - علبة صلصة، زجاجة جبنة، علبة ببسى، جالون زيت و ’اللي ما عندوش ما يلزموش‘!

3. المصروف اليومي عبارة عن ثلاثة ارغفة.

4. يعطى السجين في اليوم ثلاث اكواب ماء - كوب في الصباح، كوب في الظهرية وكوب في العصر.

5. على كل سجين قادر ماديا ان يستخدم خدما نظير مصروفه اليومي عندما يأتيه الطعام من اهله. واذا كان السجين مدقعا، يعمل خادما بنفس الاجر. واجبات الخادم: القيام بكل ما يطلبه منه مستخدمه (سيده)، غسل ملابس، المساعدة في الاستحمام، تسخين طعام، الطبخ اذا احتاج، يساعده في الاسترخاء - التدليك.

واجبات المخدوم: يمنع منعا باتا ان يؤاكل خادمه او ان يقدم له أي شيء فوق ما ذكر. بالإضافة الى تعليمات ومعلومات كثيرة تؤكد عمق الفوارق الطبقية والاجتماعية المتأصلة في المجتمع الأثيوبي. بالطبع كنا في حالة ذهول نستمع الى كلامه كالتلميذ الابله الذى يهز رأسه بدون ان يفهم فهمنا من خلال حديثه لماذا وضعنا بالقرب من الحمام تحت برميل ماء حيث القاذورات من المياه المتدفقة النازحة من الحمام او التي يحملها الداخل والخارج. على كل حال، اخبرناه أننا لا نملك نقدا ندفعه ما لم يسمح لنا بسحب مبلغا مما نملك في امانات السجن. تهللت اساريره ووعدنا بالمساعدة وفعلا حلت المشكلة خلال ساعة وانتقلنا الى المستوى الاول وان كان غير كاف لاستيعابنا، وبهذا اتضح لنا ان ادارة السجن هي من يدير هذه التجارة الرابحة التي لا ينال منها رؤساء العنابر ومساعديهم الا اللمم. فيما يتعلق بتحديد وضعنا من ان نكون خدما او مستخدمين، طلبنا منه تأجيل الموضوع لحين مقابلة ذوينا.
فور الدخول الى العنبر في الساعة الرابعة والنصف مساء، اصطف اكثر من خمسين شخص في يد كل منهم اناء لاستلام مصروفه من الماء وطابور مماثل امام الحمام. اما نحن لم نعد نعبأ بهذه المسائل بعد ان ارتقينا الى الأرستقراطي الذي لا يتطلب منا الا الاشارة من بعد. نادى الزميل ابرها حقوص، وهو ممن عاشوا في اثيوبيا وعايش شعبها وخبره تماما، احد عمال العنبر وناوله بعض القروش وامره ان يقوم بتنظيف الحمام جيدا قبل دخولنا. تلقف العامل المبلغ وكأنه شيئا كبيرا، في البداية ترددنا كثير في تجاوز رقاب الاخرين لنواحي انسانية او على الاقل حتى لا نثير مشكلة، ولكننا علمنا مع مرور الوقت وتعلمنا ان هذه الاعتبارات ليس لها مكان بين الشعب الاثيوبي، فمن له مال يدخل الحمام حتى يقضى حاجته وعلى مزاجه بدون ان يطرق عليه احد الباب. ومما يقلل من الضغط على الحمام ان معظم الفقراء لا يدخلونه الا مرة في الاسبوع او اكثر لان امعاؤهم خاوية وهم الاغلبية في العنبر.
في الساعة الثامنة ليلا قرع جرس لتنبيه النزلاء للجلوس والهدوء والاستماع وحوالى عشرة من العمال الاشداء يقفون صفا وسط العنبر في حالة استعداد وكل يلوح بسوط طويل من الجلد. علما ان هذا العنبر مخصصا لاستقبال السجناء الجدد وكلما زاد العدد يتم توزيعهم على العنابر الاخرى. حسب الرقم المسجل على سبورة معلقة خلف الباب من الداخل كان العدد حوالى مائتين وستة وثمانين سجينا. نسبة 60% مسيحيون و40% مسلمون.

بدأ نائب العنبر تلاوة اللائحة على النحو التالي: ايها السجناء الجدد عليكم معرفة القوانين المطبقة واللوائح المتبعة والالتزام بها حرفيا، واي شخص يخالف بندا من بنودها سيعرض نفسه لعقاب صارم:

1. يمنع منعا باتا التحرك من موقع الى اخر من الساعة التاسعة ليلا وحتى السابعة صباحا.
2. يمنع منعا باتا الحديث حتى مع من يجاورك.
3. يمنع منعا باتا الذهاب الى الحمام.
4. يمنع منعا باتا الاقتراب من برميل الماء.
5. يمنع منعا باتا الجلوس او رفع الرأس بعد تحديد المواقع.
6. يمنع منعا باتا التعدي او سرقة ممتلكات الاخرين.
7. يمنع منعا باتا الشجار بأي شكل من الاشكال.
8. يمنع منعا باتا القيام بأية ممارسات غير اخلاقية.

بمجرد ان انتهى النائب من تلاوته للقوانين، حتى بدأ العمل في رص السجناء في المنطقة المجانية ضربا بالسياط يمينا وشمالا. وخلال ربع ساعة بادر معظم السجناء في هذه المنطقة الى خلع ملابسهم ليضعوها تحت رؤوسهم وينامون على بلاط لا برش فيه او حصير ناهيك ملاية او بطانية، وتحولت هذه المنطقة الى كتلة خرسانية. هذا المنظر هو الذي افظع العم عبدالله في اليوم الاول.
بالطبع لا تطبق هذه القوانين على المناطق والفئة الأرستقراطية من قريب او بعيد حيث يمكنها الذهاب الى الحمام ليلا فوق اجساد هؤلاء المساكين تدوس هذا على صدره واخر على صدغه وثالث على ظهره وبالجزمة بدون أي اعتراض او تذمر. اما النبلاء فوق السرائر يتسامرون وبعضهم يقرأ حتى وقت متأخر وخادمه راقد تحته رهن الاشارة، وعندما يرغب يرفع له صحنا يغسل فيه يديه ثم يقدم له الاكل، وكثير منهم لا ينام الا بعد مساج حتى يسترخي وينام قرير العين..

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click