السيمات الرمضانية المصوعية

بقلم الأستاذ: عمر نهاري (أبو حسين) كاتب إرتري - لندن، المملكة المتحدة 

في بلادي لهذا الشهر الكريم نكهة ومذاق فريد من نوعه وذاكرة الطفولة والصبا عندي...

تسجل لمحات إيمانية ترسخت تراكمية وأثقلتها المقارنة بين رمضانيات الشعوب التي عاينتها وعايشتها ومررتو بها خلال تجوالي في المهجر باحثاً عن تلك الجماليات الروحانية التي لا مثيل لها لأرض الهجرة الأولى في الليالي الاخيرة من شهر شعبان ترٓ الوجوه فرحة ومستبشرى تترقب بفارق الصبر وتنتظر ولادة هلال رمضان تتطلع الى السماء فالأجواء نقية وصافية والنجوم تتلألأ بخلاف التلوث الضبابي المنتشر كما هو حالنا في هذه الأيام، والأضواء خافتة والأنظار ثاقبة.

تخترق السحاب تتحرى لتنال الفوز بشرف التبليغ للرصد ومن رأى منهم الهلال يسابق الريح متطوعاً بالبشارة اما اسقف المنازل وأحواشها تحمل التوجيهات لإستشعار الناس عبر الأدخنة المتصاعدة من التنور وتوحي لك ان القادم عظيم والإستعداد له على قدم وساق وما ان يتثبت الناس من رؤيت هلال رمضان حتى تسمع التهاليل والتسابيح تتعالى بعد صلاة العشاء الكل يتدافع الى المساجد والزواية والخلاوي لأداء صلاة التراويح حتى العاصي يغتسل متوجهاً الى احدى بيوت الله يتباها مرتدياً ثوبه الأبيض الناصع وواضعاً الطاقية البيضاء المعمولة من خيوط حريرية يدوياً لهذه المناسبة وحولها رباط من القماش الشفاف يسمى شال ناصع البياض تتخلله بقع خضراء وجزءً منه يتدلي حول الأكتاف وما ان تفرغ الجموع من صلاة العشاء.

بعد الحمحمة والضجيج للتزاحم يعلو صوت الامام قائلاً صلاة الترويح اثابكم الله في هذه اللحظات كبار السن وحفظة كتاب الله القرأن الكريم يربطون الخصر بعمائمهم إيذاناً على الاستعداد للوقوف لساعات بين يديي الله يتقدمون الصفوف والشباب الراشدين والبالغين من الحفاظ يحيطون بهم في الصفوف التي تليهم، كنا نحن الصبيان ومن هم في شأكلتنا يأتي الى المساجد برفقت الأباء والإخوة الكبار حتى ان البعض فينا ينام في اركان المسجد لعدم تحمل السهر لشدت الإعياء والإرهاق في النهار بعد العودة من المدارس او الخلاوي والبعض فينا يلهو ويلعب في ساحة المسجد تحت الأضواء و يتم اسطحابه كي يتدرب على الصلاة بالمشاركة ولو اربعة ركعات وتجد من هو يتحمل ويكابد حتى يثبت انه متدين ومواظب كي يرٓ الرضى والقبول في عينا أبويه اثناء الليالي الرمضانية والفوز بالملابس العيدية هناك كانت بعد المواقف الطريفة لازلنا نستعيدها على سبيل المثال نتباها ونعلن لبعضنا البعض عن تجارب العام الماضي والاستعدادات لصيام هذا الشهر من باب التفاخر وسط الزحام يتصدى احدنا لصديقه مذكراً إياه لماذا لم تصوم اليوم الاول من رمضان العام الماضي رأيتك تأكل حلاوة فوفل في صحن المدرسة هههههه حتى تتعالى الأصوات الكل يقهقه ويرد عليه ويأتي الرد من المتظلم انه في تلك الليلى لم يأكل السحور وحاولوا ايغاظه لكنه نام ولم يتحمل الجوع ويتعهد امام الجميع عليه قضاء يوم وهنا يبرز لنا من الصفوف الوسطى احد الشباب المفتوليين مهدداً متوعداً يسود الصمت ولكن للطفولة احكام في اخر الصفوف تسمع همسات ولمسات للتشويش وما ان ينفجر احدنا بالضحك الكل يهرب الى بيته ليحرم نفسه ويعتكف في البيت متورياً من الخجل والبعض يفرق شحنته وطاقته في الألعاب الليلية الرمضانية (سلباتي، وبيب) هكذا يأتي من ينبه لتأخر الوقت واقترب وقت السحور وتجد التوبيخ لعدم مشاركتك في الترويح حينها لم يتوفر غير المذياع في تلك الفترة التي نشأت فيها بين أواخر الستينات ومنتصف السبعينات بخلاف التقدم الذي وصل اليه عالمنا واوسائل التسلية لم تغزو أطراف مدينتنا سوا المذياع وهو جهاز حصري للكبار لا يمكن الإقتراب منه والجهاز المرئي لم نسمع به إلا بعقدين من الزمان صحيح كان يتوفر التلفاز في بيوت الأثرياء وكبار الموظفين في العاصمة اسمرا والبث يتم من القاعدة الأمريكية قانجواستشن كما يطلقون عليها ولساعات محدودة، اما نحن نعد الأيام للإحتفال بوداع ليالي رمضان بالطقوس التي تنفرد بها مصوع من إشعال النار والتحوط حولها لتسخين الطبول وتمايل المادحيين تحت تأثير الإيقاعات:-

تببم تببح
تببم تتبح
وادع وادع ياشيخ رمضان
ودعات الله ياشيخ رمضان.

ثم تأتي شلة من المشاغبين عتاولة الاسواق لتحشوا الهتافات الصوفية بكلمات عاطفية دون ان يتنبه لها كبار السن منها مدانا الله الله ومرق عاسا الله الله وكرمباسا الله الله حبكم فني الله الله ابعدو عني الله الله وينقضي شهر رمضان ليأتي شوال وتبقى الناس على حالها كلها ذكريات، لازلنا نضحك حينما نستعيدها.

Top
X

Right Click

No Right Click