إرهاصات سبتمبر دروس لتحرير القرار الارتري من طغيان الداخل أو الارتهان للخارج

تم إعداد هذه المادة: منبر الفاتح من سبتمر  حاضر فيها الأستاذ: عثمان صالح - كاتب ومفكر سياسي

ان كلمة ارهاصات تعبير شرعي.. ارتبط بالأنبياء، النبوءات (مرحلة خرق العادة)

او الأشياء التي لا ندركها نحن، ولكن التعبير استخدم في كافة مناحي الحياة ومنها السياسية، ومن المعاني التي استخدم فيها في المجال السياسي (المؤشرات او الدلائل او الجذور) المنتجة لمشكلة معينة، بمعني قراءة لما سبق وليس لما سيلحق، والبحث عن المؤشرات والدلائل التي كانت اسبابا لما ترتب عليها لاحقا من احداث وتطورات.

دواعي انطلاقة سبتمبر:

ألخص الدواعي في كلمة واحدة واقول ان"كل المشكلة التي تعرضنا لها منذ خمسينيات القرن المنصرم وحتى التحرير بما فيها من أزمات وحروب وتضحيات ولجوء، سجون ونزوح كانت (الفدرالية).

فالفدرالية هي التي اوردتنا هذا المورد الذي تجرعنا به كل معاناتنا، فالفيدرالية كانت أس المشكلة التي عانيناها خلال أربعين عاما. لأن معاناتنا منها ومرارتها أكبر من أي اعتداء آخر تعرضنا له.

الطعم المر:

ذلك ان المحنة التي تعرضنا لها تحت غطاء الفيدرالية تسبب لنا فيها المجتمع الدولي الذي يفترض ان يحمينا ولكنه سلمنا للمشكلات التي عشناها أربعين سنة. فالمجتمع الدولي ساهم في هذه الجريمة. لان الفيدرالية تمخضت في نهايتها عن جريمة بحق الشعب الارتري فقد تحولت إلى استعمار دون عوائق.ويمكن التأشير الى عدة عيوب في قرار الجمعية العامة بربط ارتريا فدراليا مع امبراطورية هيلي سلاسي!

العيب الأول:

بما أننا جزء من هذا المجتمع الدولي كان يتوجب عليه ان يراعينا ويحافظ على حقوقنا، ولكنه للاسف سلمنا مجددا لاستعمار آخر بعد ان كنا قد تخلصنا من البريطانيين والايطاليين بنهاية الحرب العالمية!

العيب الثاني:

بحسب المقدمة فان القرار بالفدرالية اخذ بنظر الاعتبار ثلاث أمور:-

• رغبة الشعب الارتري.

مصالح الأمن والاستقرار في المنطقة.

مطالب اثيوبيا.

ومن هنا يتضح ان (ثلثي) دوافع اتخاذ قرار الفدرالية لم يكن له علاقة مباشرة بمطالب ورغبات الشعب الارتري.

العيب الثالث:

بالنظر الى التضليل الذي مورس فيه فانه في الاصل توصية (وبالتالي لم تكن فيه صفة إلزام ولكنه قدم على انه) قرار (مع أن الجمعية العامة لا تتخذ قرارات ملزمة).

القرار قدم ثلاث أشياء متناقضة في جملة واحدة:-

1. ارتريا وحدة مستقلة.

2. ترتبط فدراليا مع اثيوبيا.

3. تحت التاج الاثيوبي.

وهذه الأمور الثلاث لا يمكن التعايش بينها، اذ يصعب تصور التعايش بين (الاستقلال والاحتلال) وبما اننا كنا تخلصنا بالفعل من الاحتلالين الإيطالي والبريطاني بحكم دخولنا الى الجمعية العامة للأمم المتحدة فلا يمكن فهم الاستقلال المقصود هنا الا في مواجهة الشريك الاخر (اثيوبيا)، وإذا كانت ارتريا مستقلة فكيف يستقيم ان تكون تحت التاج الأثيوبي. فلا يستقيم ان تقول لشخص أنت (حر) ولكنك (عبد) في ذات الوقت.!

كما ان مسألة ارتباط ارتريا فدراليا بأثيوبيا ينشأ عنها تناقض آخر بوضع ارتريا تحت (السيادة الاثيوبية) ذلك ان الفدرالية وضع قانوني يقتضي (التساوي) بين الوحدات المنضوية تحته. وبما ان هذه التعبيرات (المتناقضات)الثلاث لا يمكن ان يستقيم أمرها وتنشئ حالة قابلة للبقاء لم يكن هناك حل إلا انتفاء اثنين منها وبقاء واحدة فقط، وهذا ما حدث بالفعل بانتفاء فقرتي ال(مستقلة / فدرالية) وبقاء ارتريا (تحت التاج الاثيوبي). فالمجتمع الدولي عن وعي قدم في جملة واحدة ثلاث متطلبات من المستحيل التعايش بينها.

العيب الرابع:

هناك فرق كبير بين الوحدتين الداخلتين في الاتحاد الفيدرالي، الفرق شاسع سياسيا واداريا بينهما، فاثيوبيا تحكم ثيوقراطيا وبنظام يشبه القرون الوسطى والوحدة الأخرى (ارتريا) تتمتع بتعدد سياسي وحزبي وحرية إعلامية وحقوق للتنظيم والاجتماع والتظاهر. وهذا كان إخلالا باحد قواعد الفيدرالية كوضع قانوني يفترض التساوي او التماثل بين الوحدات الفيدرالية.

العيب الخامس:

الارتريون والاثيوبيون لم يتوصلوا الى اقامة الفدرالية عبر حوارات وتفاوض بينهم. الذي حصل هو ان الأمم المتحدة اتخذت ذلك القرار و ألزمتنا بتنفيذه. ولذلك فالقرار يعيبه خلوه من آليات دولية ضامنة او مراقبة ينبغي العودة اليها في حالة الخلاف او الاعتداء على الفدرالية، ومن ناحية اخرى أشار القرار الى ان الحكومة الاثيوبية هي الحكومة الفيدرالية.

وهكذا يتضح ان القرار لم تكن له قيمة اساسا.. فمن المفترض ان تكون الحكومة الفيدرالية هي الهيئة التي تجمع بين المكونات المنضوية تحت الاتحاد الفيدرالي. فالوضع الطبيعي هو ان تكون هناك حكومتان، حكومة لكل وحدة تدير الشئون الداخلية وحكومة فيدرالية فيما يخص الوضع الفيدرالي ومن هنا ينشأ توازن، اما إعطاء الحكومة الاثيوبية صلاحية الحكومة الفيدرالية قد ألغى هذا التوازن، وبالتالي أصبح الامبراطور الاثيوبي هيلي سلاسي هو الحكم والخصم.

العيب السادس:

شهوة هيلاسي للاستعمار، وللاستحواذ على ارتريا ولابتلاعها بالكامل، فنية الاحتلال كانت متوفرة من اليوم الأول، وانتهاك القرار الفيدرالي كان واضحا من البداية، ولكنه - هيلي سلاس - لم يدرك ولم يقدر ردات الفعل الارترية على نزعاته تلك او خروقاته الإدارية.

العيب السابع:

التصرف غير الحكيم لحزب الأندنت.

فهؤلاء بما انهم كانوا يطالبون بالانضمام الى اثيوبيا مقابل المطالبين بالاستقلال، اعتبروا ان الفيدرالية جائزتهم على موقفهم ذلك وتصرفوا فيها بشكل غير مسؤول في استغلال والاستئثار بالمصالح الناتجة عن الوضع الفيدرالي.

ولكل ما سبق فان القرار الفيدرالي حمل في داخله بذور إنهاء جوهر وجوده، وملامح العلاقة بين الكيانين الارتري والاثيوبي، فتم انهاء العلاقة السياسية بطريقة غير قانونية، فمن ناحية انهت الملامح السياسية الارترية فالحكومة الاثيوبية كانت تنتهك السيادة السياسية الارترية يوميا وفي نفس الوقت انهت العلاقة الفدرالية برمتها في نهاية المطاف.

وهذا لأن قرار الأمم المتحدة لم يحمل أي آليات لحل المشكلات التي من الممكن أن تنشأ اثناء تنفيذه إذا اعتدى أحد الطرفين على الوضع الفيدرالي. فخلو القرار من المرجعية لمعالجة تلك المشكلات أدى الى التصرف من دون حساب لعواقب انتهاك القرار الفيدرالي وذلك لعدم وجود رقيب. ومن العجيب ان تلك الفيدرالية كانت قرارا أمميا ولكنها انتهت بقرار محلي وهذه حالة لا نجد لها أي توصيف قانوني سليم.

انتهاء الفيدرالية بالصورة المتقدمة وعدم توفر أي طريقة لمعالجة الاعتداء الاثيوبي أدى إلى يقين الارتريين انه لا سبيل سوى المطالبة بالحرية والاستقلال.

أخيرا اشير إلىإذا كان المطالبون بالاستقلال هم اغلبية وقرار الأمم المتحدة بالفدرالية كان مخالفا لتلك الرغبة فلماذا لم يقاوموه؟

والجواب: هو الادراك المبكر من قبل الإرتريين واستيعابهم انهم إذا قاوموا القرار الأممي فسوف تنزلق البلاد الى فوضى عارمة تتيح المجال لجميع الأطراف سواء كان الأثيوبيين او البريطانيين او حتى الإيطاليين للتدخل. وقد تكون نتيجة تلك الفوضى أن تؤدي بالمجتمع الدولي الى الاقتناع ان الطرفين غير صالحين للتعايش وبالتالي يتوجب اللجوء الى الرغبة البريطانية السابقة بالتقسيم. ولذلك كان الموقف القبول بأن يظلموا معا وقد يستفيقوا يوما معا بضرورة ويتجهوا للعمل معا. هذا الموقف هو الذي مهد لاحقا الي الاستفاقة الجماعية للإرتريين بانه لا مناص من استقلال ارتريا وكانت وسيلته الكفاح المسلح.

وهو الفهم والقناعة المشتركة التي اخذت بها لاحقا حركة تحرير ارتريا ثم جبهة التحرير الارترية، واعتبروا انهم يمثلوا كل المشروع الوطني الارتري وكل المطالب وكل الارض الارترية وكل القوميات وكل الديانات واللغات الارترية فكان هذا قمة الوعي. هذا الفهم والادراك مهد بعد ذلك عندما تم انهاء كل الملاح الارترية بشكل لا رجعة فيه، إلى بروز وحدة الارتريين سواء هؤلاء المطالبون بالوحدة مع اثيوبيا أو أولئك الداعون للاستقلال وأدى بهم في نهاية المطاف للنضال سويا من أجل الحرية والاستقلال.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click