ندوة اللغة العربية في إرتريا

إعداد: جمال محمد عليْ  المصدر: صحيفة إرتريا الحديثة - منتدى حوار حول اللغة العربية في إرتريا

نظم يوم الجمعة 7 سبتمبر الجاري، منتدى حول اللغة العربية في إرتريا

بقاعة الإتحاد الوطني لشباب وطلبة إرتريا، من تنظيم نادي طلبة اللغة العربية، العاملة تحت مظلة الإتحاد الوطني لشباب وطلبة إرتريا. قدم فيها الدكتور/ صالح محمود من كلية إعداد المعلمين، ورقة بحثية حول اللغة العربية في إرتريا، حضر المنتدى عدد من المهتمين وطلبة اللغة العربية بإتحاد الشباب والضيوف المدعوين.

أفتتح البرنامج بالوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء، ثم قدم مدير البرنامج، السيد/ احمد عمر شيخ، مقدم الورقة البحثية وموضوعها للحضور، وأوضح ان البرنامج يعد البداية لبرامج مماثلة ستنظم في المستقبل من قبل نادي طلبة اللغة العربية.

وفي بداية حديثه قال الدكتور/ صالح محمود، موضحاً، ان الورقة التي يقدمها، هي بداية لدراسة بحثية غير مكتملة، يقوم بها هو والدكتور/ يوناس مسفن، من كلية إعداد المعلمين، حول اللغة العربية في إرتريا، وتم إختيارهذا الموضوع ليكون بمثابة بداية لبرامج مماثلة مقبلة لنادي طلبة اللغة العربية. حيث يتم تعريفهم بتاريخ اللغة العربية بإرتريا.

وأشار الدكتور/ صالح ”أن اللغة العربية في كل الدول العربية لها شكلان وهو، اللغة العربية المكتوبة اوالنظامية، وهي لغة الكتابة المعتمدة في جميع الدول، واللغة الثانية هي اللغة العربية العامية او الدارجة، فكل دولة عربية لديها لهجة عامية خاصة يتحدثها السكان ويتواصلون بها. وتعتبر اللغة العربية المكتوبة هي من اولى اللغات التي اجري حولها دراسات في العالم، ووضعت لها قواعد منذ القدم، في حين ان اللغات العامية اواللهجات الدراجة لم تجري حولها الكثير من الدراسات لاسباب عديدة، وينادي علماء اللغات لدراستها وبحثها ومعرفة الروابط بينها وبين اللغة العربية المكتوبة، ومع غيرها من اللهجات العامية المنتشرة في الدول العربية الأخرى و داخل الدول نفسها“. وفي هذا الصدد قال ”يتم تداول اللغة العربية المكتوبة، في الشؤون الرسمية والإجتماعات وفي وسائل الإعلام (الصحف،التلفاز، الإذاعة) وغيرها، في حين يتم التعامل باللغة العربية العامية في التواصل في الحياة اليومية، ومن النادر ان يتحدث الناس في هذه الدول إلى بعضهم البعض باللغة العربية المكتوبة حيث يمكن ان يعتبر ذلك أمراً غريباً“.

وتابع موضحاً ”فكرة الدراسة البحثية التي نجريها، هو لمعرفة هل لدينا نحن في إرتريا لغة عامية دارجة خاصة بنا، مثل الدول الأخرى؟، وإذا كان لدينا هل تمت دراستها وكتابتها؟،

• فمن المعروف ان اللغة العربية في بلادنا موجودة منذ القدم، حيث يتم التعامل بها في مختلف الشؤون الرسمية والإعلام وفي غيره، وكبداية لهذه الدراسة البحثية، قمنا بإعداد ورقة بحث، سيتم طباعتها في كتاب، لكن هذا ليس هو الهدف النهائي من الدراسة، وكمقدمة للورقة التي سأقدمها اليوم، سأتحدث بإختصار عن بداية دخول اللغة العربية إلى إرتريا،

• ثانياً، اللهجات في إرتريا،

• ثم ثالثاً، متى بدأ النظر إلى اللغة العربية من منظور ديني وسياسي؟،

وفي الختام، سأتحدث عن الجهود التي بذلت لجعل اللغة العربية تستخدم وتخدم مثل اللغات الإرترية الأخرى“.

بداية دخول اللغة العربية إلى إرتريا:

أشار الدكتور/ صالح موضحاً الاهمية الإستراتيجية لإرتريا قائلاً ”رغم تعدد الدول الواقعة على البحر الأحر، إلا ان إرتريا تمتاز بموقعها الإستراتيجي عليه، إذ تقع في اضيق موقع من البحر الاحمر، وهذا يعطيها ميزة اكثر لقصر المسافة بين افريقيا وقارة أسيا والشرق الاوسط، لذلك كانت إرتريا الباب الاول للمبشريين المسيحين إلى إفريقيا، جاء هؤلاء المبشرون في البدء من سوريا، وكما يقول احد الباحثين الإنجليز الذي كان في فترة الإستعمار الإنجليزي، وهو باحث قام بدراسات حول اللغات الإرترية والإثيوبية، وكتب عن اللغة الجئزية والأمحرية والتقري والتقرينية، يقول (معظم نصوص الديانة المسيحية ترجمت من اللغة العربية إلى اللغة الجئزية، وبعضه من اليونانية إلى العربية ومن ثم إلى الجئزية، وجزء منه كذلك ترجم من اللغة السريانية إلى العربية ثم إلى الجئزية، او من السريانية إلى الجئزية مباشرةً. ومسمى إمبا سويرا، أتى من هؤلاء المبشرين، حيث عاشوا في هذا الجبل).

لذا، نرى هنا أن اللغة العربية خدمت قبل الإسلام في حمل نصوص الديانة المسيحية إلى إرتريا،

ثانياً، من المعلوم، ان صحابة محمد رسول الله أتو إلى إرتريا، وذلك بعد ان إضطهدهم قومهم قريش ومنعوهم من قبول الدين الإسلامي، و هاجروا إلى إرتريا عبر البحر الأحمر، هذا يجعل من إرتريا من أوائل الدول الإفريقية التي آمنت بالإسلام، ونرى هنا ان إرتريا كانت للمرة الثانية باباً لدخول ديانة إلى إفريقيا، ونفهم من هذا أن العرب كان لهم أدوارسابقة في إرتريا“.

وتابع موضحاً ”كانت إرتريا ايضاً معبر للحضارات الإفريقية الأخرى والهجرات إلى الشرق الأوسط إلى مصر و إلى القدس و بعده ايضاً إلى مكة، يوضح لنا هذا أنه منذ القدم كانت تربط الشعب الذي كان يعيش في إرتريا والشعوب التي كانت تعيش في ارض العرب علاقات قديمة، كذلك مع الحضارات الأخرى، وإن إرتريا وشعبها كانوا في طريق و موقع يربط بين هذه الحضارات.

ومن الأمثلة التي كتبت لوصف هذه الروابط و العلاقات، يقول المثقف الإرتري/ إسماعيل إبراهيم (كانت تربط إرتريا علاقات ثقافية وإجتماعية ممتدة مع الشرق الأوسط أو العرب منذ القدم، وأن العرب جزء من الفسيفساء التي شكلت الشعب الإرتري). واضاف الدكتور/ صالح محمود ”كما يُسرد، ان الملك الذي إستقبل الصحابة، كان يتحدث اللغة العربية، وذلك يعود كما يقال إلى انه عاش فترة من صباه في الجزيرة العربية، ونرى هنا ان اللغة العربية كانت متداولة ليس بين الأفراد العاديين فقط، بل بعض الملوك ايضاَ، وإسم نقاسي ليس موجود في تاريخ ملوك إثيوبيا كما تقول كتبهم، بما يدل على انه يمكن ان يكون من الملوك الذين كان يطلق عليهم بحر نقاسي الذين حكموا إرتريا في فترة من فترات التاريخ، لكن لا يمكن ان نجزم ونقول ان بعض من الصحابة لم يذهبوا إلى مملكة أكسوم، وهذا موضوع يحتاج إلى دراسة بحثية خاصة ومعمقة.

ويتابع الدكتور/ صالح موقع إرتريا الإستراتيجي كان له دور كبير في خلق النسيج الإجتماعي للشعب الإرتري، فطريق الحج للافارقة إلى القدس ومكة، ومن قبله الهجرات التي كانت نتيجةً لظروف طبيعية، مثلما حدث بعد ان إنهيار سد مأرب، وكذلك الهجرات التي كانت نتيجةً للهروب من الإضطهاد إلى إرتريا، فكل ذلك خلق الثقافة و الفسيفساء الإرترية فاللغة العربية لاتخص شخص او جهات بعينها، فقد كان للعرب واللغة العربية دور في نشر الديانتين المسيحية والإسلامية، وكان دخول المسيحية إلى إرتريا في القرن الرابع الميلادي، ودخول الإسلام في القرن السابع الميلادي، لكن قبلهما كانت هناك روابط تجارية تجمع بين إرتريا والعرب. فاللغة العربية لم تأت مع قومية الرشايدا أو مع الإسلام او المسيحية، لذا فهذه الخلفية التاريخية للغة العربية في إرتريا تبين لنا تماماً أنها لغة تخص الجميع في إرتريا.

اللهجات العربية في إرتريا:

اما عن اللهجات العربية التي يتم التحدث بها في إرتريا، قال الدكتور/ صالح محمود ”توجد عدة لهجات في إرتريا يتم التواصل بها وهي، اللهجات، النجدية والحجازية واليمنية... (حديدة، عدن، حضرموت)، وكذلك اللهجة السودانية”. اللهجة النجدية، هي التي يتحدث بها قومية الرشايدا، وكما تشير الدراسات فإن الرشايدا جاءوا من مناطق نجد في السعودية إلى إرتريا، في اوخر القرن التاسع عشر، هذه اللهجة لم تكتب ولم تجر حولها اية دراسة او بحث بعد. اللهجة الاخرى التي يتم التحدث بها في إرتريا، هي لهجة حديدة وعدن، وهي من اللهجات اليمنية التى يتم التحدث بها في إرتريا في جنوب البحر الأحمر من مصوع إلى اطراف عصب وضواحيها، يتحدث بها الذكور من الصيادين الذين يذهبون إلى اليمن وكذلك بعض الإناث والأطفال، وكلما إبتعدت عن السواحل يقل التحدث بها، حيث كانت لغة التفاهم السائدة بين مختلف القوميات التي تعيش في هذه المنطقة“، وتابع موضحاً ”أيضاً هناك اللهجة الحضرمية وهي من لهجات اليمن، أتى هؤلاء إلى إرتريا في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، وكان عددهم كبيراً، ولهجتهم كان يتم التحدث بها في مصوع وأسمرا وكرن، وكان لهم مشاركة كبيرة في المجال التجاري والصناعي، وشاركوا ايضاً في المعترك السياسي في حقبة الفدرالية، وقد تم إستهدافهم من قبل نظام هيلي سلاسي، بحجة انهم يريدون ان يبيعوا إرتريا إلى العرب، وعندما جاء نظام الدرق صادر أملاكهم وهاجر معظمهم من إرتريا، وبقى منهم عدد قليل، ولم تجر دراسة حول ما إذا كان احفادهم يتحدثون هذه اللهجة ام بلهجات أخرى. اما اللهجة التي يتم التحدث بها في إرتريا بشكل واسع، فهي اللهجة السودانية، حيث يتم التحدث بها في إقليم عنسبا والقاش بركة، والساحل، حتى في المدن الإرترية مثل اسمرا وغيرها، وفي المناطق التي كانت تتحدث بلهجات اخرى، نجد اليوم فيها اللهجة السودانية، حيث ان الاعداد الكثيرة للاجئين الإرتريين الذين عادو من السودان، كان لهم دور كبير في نشرها، وقد نشهد تنشئة لهجة إرترية جديدة مكونة من جميع هذه اللهجات التي تحدثنا عنها آنفاً، وهذا يحتاج لإجراء دراسة بحثية“.

بدايات إستخدام اللغة العربية في التعليم النظامي في إرتريا:

وعن بدايات إستخدام اللغة العربية في التعليم النظامي في إرتريا قال الدكتور/ صالح ”كما تشير الدراسات فإن بدء إستخدام اللغة العربية في التعليم النظامي كان في بداية القرن ال 20 الميلادي، مع دخول الإستعمار الإيطالي لإرتريا، إذ أسس مدارس للمسلمين ومدارس للارثودكس ومدارس للكاثوليك، كما قام بتخصيص تعليم اللغة العربية للمسلمين، ومن حيث اللغات خصص اللغة العربية للمسلمين واللغة التقرينية والامهرية للمسيحيين، وهنا زرعت بذور التفرقة اللغوية، حيث اصبح ينظر للغة العربية كأنها لغة تخص المسلمين. وفي أربعينيات القرن الماضي وعهد الحكومة الفدرالية كانت اللغة الإعلامية للمسلمين هي اللغة العربية والتقرينية للمسيحين، بعده اتى الإستعمار الإثيوبي وتم إلغاء اللغتين العربية والتقرينية وأصبحت اللغة الامحرية هي اللغة الرسمية“.

وعن فترة الكفاح المسلح قال ”في فترة الكفاح المسلح وبعد الإستقلال، كانت اللغة العربية واحدة من لغات التعليم كباقي اللغات الإرترية، وصدرت المجلات والصحف وتسجيلات الفيديو بها، كما بثت برامج إذاعية باللغة العربية، وتواصل بعد الإستقلال إستخدام اللغة حيث كان يتم تعليمها في المدارس حتى الصف الخامس، وعلاوةً على هذا كان من سياسة التعليم أن يتم تعليم اللغة العربية لجميع الطلبة الإرتريين حتى الصف الثاني عشر وان تكون من المواد الأساسية، لكن ولعدة اسباب، من بينها النقص في المعلمين لم يتم يطبق هذا البرنامج كما ينبغي. وهناك محاولات متفرقة لتعليم اللغة العربية، تتمثل معظمها في تنظيم دورات مدتها بين 3-6 أشهر، واحدة منها هذه الدورات التي تنظم على مستوى الإتحادات الوطنية وبعض المؤسسات الحكومية“.

وفي المجالات الرسمية كما هو معروف يتم إصدار الإعلانات باللغتين التقرينية والعربية، كذلك في المناسبات الوطنية. كما أن المحكمة الشرعية تعمل باللغة العربية، إضافةً إلى ذلك فجميع اللافتات او معظمها في المؤسسات والدوائر الحكومية هي باللغتين التقرينية والعربية إضافةً إلى اللغة الإنجليزية. كذلك البرامج الإعلامية، الصحف والتلفاز والإذاعة تبث برامج باللغة العربية“.

واضاف موضحاً ”أود أنّْ اشير هنا إن ما خلفه المستعمر من تفرقة في اللغة بحيث جعل من بعض اللغات، تخص جانب دون الأخر، وتأثيرها السلبي داخل المجتمع أخذ فترة طويلة من الزمن. وفي هذا الجانب فإن منظورالجبهة الشعبية في سياسة التعدد اللغوي الذي تنتهجه، يتمثل في أن جميع اللغات متساوية، ومن حقها ان تتطور بالتساوي، واللغة هي للتفاهم ولا يجب ان نربطها بدين اوثقافة معينة".

وفي ختام ورقته قال الدكتور/ صالح ”اود ان اشير إلى ان هناك الكثير من الأجزاء في هذه الدراسة، يحتاج لدراسة بحثية عميقة، واختم بالقول أن اللغة العربية تخصنا جميعاً، وليس هناك أحد ينتمي إليها أكثر من الآخر، وشكراً“. بعده إنتقل الميكرفون إلى الحضور، حيث قدموا أراء وإضافات و طرحوا بعض الأسئلة، وتوافقت الاراء حول أهمية الورقة التي قدمت والدراسة التي تجري وذلك لما للغة العربية من أهمية.

Top
X

Right Click

No Right Click