أغردات و قصة الأحد الدّامي

بقلم الأستاذ: الحسين علي كرار - كاتب ارترى

جلس خليل في صالة المقهى يمد بصره إلي الساحة التي كان يصلب فيها الشهداء ويمد بصره

أيضا خلفها إلي سرايا الحكم المشهور بحادثة القنبلة وعلي يمينه ذلك الجبل الشامخ في وسط المدينة الذي يشهد علي تاريخ كل المتغيرات حوله وهو صامد لا يتغير يوجد في قمته النصب التذكاري الذي أقامه الإيطاليون لحاكم المدينة الذي قتله ثوار المهدية عاد خليل بعد لجوء عن مدينته كل شيئ كما تركه لم يتغير إلا الأشخاص حتى المقهى لم يتغير جلس وطلب الشاي بينما كست وجهه غيمة خزينة عادت به إلي الوراء و بعد أن استجمع قواه واسترخي في جلسته تذكر إنه في الساعة الثانية بعد الزوال في مارس 1975م جاء لهذا المقهى الذي كان يملكه العم صالح ليشرب عنده الشاي ذكّره هذا الكوب الساخن أمامه بتلك اللحظة التي جاءه فيها صديقه ادم عندما كان يعتزم الذهاب إلي المنزل وكان المقهى يكاد يكون خاليا من الرواد في ذلك الوقت أخبره ادم بأن الاستخبارات الأثيوبية ألقت القبض علي زميلهم صاحب المطعم الذي يفطرون عنده وكان معهم من ضمن الخلايا السرية وكان اعتقاله من هذا الجهاز يعني نهايته المحتومة قال خليل ملتفتا إلى ادم وهو قلق مضطرب لا بد أن نفعل شيئا ويجب ألا نكون ساكنين هل تعرف أحدا من الضباط الأثيوبيين حيث نقدم له بعض المال ويقوم بمساعدتنا لإخراجه من المعتقل قال ادم نعم أعرف العميد (كبدي) وهو يحتسي الخمر كل ليلة في إحدى الحوانيت إذن يا ادم اتصل به علي الفور وأعطني النتيجة في أسرع وقت ممكن وانطلق ادم إلى ذلك الضابط ولكن الأمل كان ضعيفا وقضوا علي الرجل المسكين دون عدالة ودون رحمة أو شفقة ساد المدينة حزن عميق وغضب شديد وشعور بالظلم وأوقد روح التحدي والانتقام وعمت غمامة سوداء داكنة سماء ها كان خليل في منزله مستلقيا بظهره علي السرير ولم تغمض له العين جفنا كان يسوده القلق والتوتر والشرود سأله والده ما إذا كان مريضا أو متعبا فرد عليه بالنفي كان خليل يعلم ما اتخذته إدارة الاستخبارات لجبهة التحرير الارترية بتصفية أحد العملاء ووضع ذلك موضع التنفيذ في أقرب وقت ممكن وأبدى خليل تحفظه علي ذلك القرار لأنه كان يرى عدم ملائمة الظروف لذلك لأن الجيش الأثيوبي كان كالذئب الجريح يشعر بمرارة الهزائم وعدم الانضباط الذي كانت تسود صفوفه ولكن كان خليل عاجزا بأن يفعل أكثر من هذا الإغراق وهذه الحيرة القاتلة.

قام الفدائيون بإعدام العميل في طرف الأحياء المتاخمة لوادي بركة وسط أشجار الدوم الكثيفة التي استدرجوا فيها العميل.

وقتها كانت قيادة الجيش الأثيوبي في اجتماع مغلق مع احد قيادات الدرقي القادم من أسمرا ليرفع من معنوياتهم المنهارة كان يسودهم اليأس وهم يرون حلقة الثوار تحيط بأسوارهم كانوا يطالبون بإخراجهم من هذا الحطام المظلم إلى الأمان المنشود.

وكان المأزق لسكان المساكن المجاورة لموقع الحدث أن يخبروا السلطات الأثيوبية بأن شخصهم قد قتل وقد أصابتهم الحيرة بما يفعلون ومن الذي سيزف لهم هذا الخبر غير السعيد إن العملية أصبحت تحتاج إلي تضحية ورباطة جأش فتشاور العقلاء فيما يفعلون في هذه المصيبة التي حلت بهم وبوجه السرعة تقدم اثنان منهم للذهاب إلي الجيش وإخبارهم بذلك وصل الرجلان إلى المعسكر وكانت قيادة الجيش قد أنهت لتوها الاجتماع علم قائد المنطقة بالنبأ الذي كان كوقع الصاعقة في نفسه هاجت أعصابه وتغير لون عينيه وامتلأت احمرارا لاحظ ضيفه ذلك فأخبره بعملية فدائية في ضواحي المدينة فجن الضيف وأصيب بحمي الهيستيريا وسادت روح الانتقام من الأبرياء روحه الضعيفة خرج من المكتب مغتاظا مقهورا ضاع كل ما جاء من أجله واتجه بخطوات بطيئة متثاقلة نحو الطائرة التي كانت جاثمة في المطار القريب من معسكر الجيش والتي كانت محاطة بالحراسة الشديدة وعند إقلاعها كان يهمس ويدمدم بما أصدره من أوامر التأديب العنيف.

ضربت صفارة الطابور للجيش في السادسة مساءا وصدرت التعليمات بالقتل والسفك والتدمير والإحراق فانطلقوا مسرعين يتسابقون كالوحوش الجائعة تسيطر عليهم روح الانتقام وفي لحظات قليلة جعلوا المدينة في كماشتهم في محاور ثلاثة وهم يطلقون وابلا ت الرصاص في الشوارع علي الأبرياء دون تمييز أحرقوا أحياء بكاملها بمن فيها من نساء وأطفال وعجزة وسط ضجيج و صراخ الأطفال و النساء ونباح الكلاب ونهيق الحمير وغثاء الأغنام ومواء القطط إن قلوبهم المتحجرة كانت لا تذيبها حرارة النيران التي يشعلونها واحمرار الدماء التي يسفكونها كانت لا تطفئ وتزيد من غليلهم و ظمأهم من نجي من لهيب النار أسقطوه برصاصهم الذي يمطرونه قتلوا المئات وجرحوا المئات وملئوا الشوارع والطرقات بالجثث والأطراف المقطوعة حاصروا الناس في الأماكن العامة في المقاهي والمطاعم والمتاجر قتلوا المصلين في المساجد وزحفوا علي الأعيان في منازلهم و قتلوهم ولم يرحموا ضيوفهم كانت الساعة عندهم تساوي دقيقة والدقيقة عندهم ثانية بينما كانت هذه الثانية عند الآخرين تساوي دهرا من عمر الإنسان.

كان خليل عند بداية هذه المجازر جالسا في مقهى العم صالح مع أصدقائه وكان بعض رّواد المقهى يلعبون بالورق في الصالة الداخلية المغلقة من الخلف بجدار مرتفع لحماية الجيران احتمي الهاربون بالمقهى وصالتها الداخلية وأحكموا غلق الأبواب بقوة ووضعوا عليه قضبان الحديد القوية ثبتوا الأبواب بأكثر من مكان لأن الثواني كانت بينهم والممات خفتت أصواتهم وتجمدوا كالحجارة هنا توقف العقل وعاش لحظته تجرد من البنوة من الأبوة من الأخوة هاهي النفس ذائقة الموت حاول أفراد الجيش أن يفتحوا الأبواب بالقوة فلم يستطيعوا وأمطروه بوابل من الرصاص واستمرت معركتهم مع الأبرياء حتى ما بعد منتصف الليل كان خليل داخل المقهى متكئا في إحدى الزوايا وكان في حضنه طفل صغير لا يعرف متى حضنه في هذه الظلمة المرعبة ومع توقف المجازر وشروق الشمس كانت دهشته بابن أخيه في حضنه وعرف مدي الذعر والحالة النفسية التي أصابتهم.

شاهدوا الجثث والجرحى الذين يئنون داخل المقهى كانت الدماء المتجمدة فوق أسطح البلاط كالبرك الراكدة أصدقائه قتلي كان من بينهم العم صالح صاحب المقهى وصديقه الحميم ادم كانت الشوارع والطرقات تكتظ بالجثث والجرحى منظر أشبه بمناظر الدراما التراجيدية التي يخرجها المحترفون ولم يكن هؤلاء أقل احترافا كان من بقي من الناس قد هرب أثناء الليل ولم تبق إلا قلة قليلة فاقدة لقواها الجسدية بذل خليل ومن معه مجهودا شاقا مع المجلس البلدي لجمع شتات الجثث المتناثرة ودفنها في القبور الجماعية.

كانت القرى المجاورة للمدينة تزدحم بالنازحين الذين كانوا يتسابقون في استئجار الجمال عاد خليل مرهقا إلي المنزل كانت أسرته وأسرة أخيه الذي كان مسافرا ووالده المسن في انتظاره يملأهم الذعر والرعب أطفال يصرخون ووالد يرتعش من الضعف فما كان واحدا من هؤلاء يفكر في الطعام والشراب فقد عدم الخوف عندهم غريزة الجوع والعطش انصرف خليل إلي قريتهم في أطراف المدينة لإحضار الجمال كان يمشي مسرعا تارة ومهرولا أخري حتى وصل القرية قبل صلاة العشاء قوبل بالحفاوة من أهل القرية الذين أرعبهم ما سمعوه وقد بدد قلقهم بسلامة أسرته وحكي لهم مسلسل الجرائم وهم يستمعون بألم شديد و تحدّي يظهرونه قدموا له الماء والطعام عندها شعر بمدى الجوع والعطش الذي أصابه وأخذ خرقة يمسح بها الدم الذي كان يسيل من أطراف أصابع قدميه وأثر الإرهاق علي مآقي عينيه جهزوا له الجمال وساروا في ليلتهم إلي المدينة وعند آذان صلاة الفجر كانت أسرة خليل تغادر مدينتها مثلها مثل غيرها تاركين ورائهم منازلهم بأثاثها ومتاجرهم ببضاعتها ومدينتهم بعمرانها وبدأ اللجوء الكبير لسكان تلك المدينة وفي ثالث أيام المجزرة تحولت المدينة إلي أطلال خاوية موحشة مرعبة وروائح كريهة نتنه قاتله خاف وحشتها ورعبها الجيش الأثيوبي الذي دمرها ولم يصمد في قتالها وعادت إليها الحياة مرة أخري تشمخها تلك القبور الجماعية التي دفعت ثمنا لتحريرها وشعر خليل نفسه جالسا تلك الجلسة الأولي التي طلب فيها كوب الشاي وتذكّر نشاط و بسمات عم صالح وسماحة وكرم زميله ادم و مسح بيده دموع الذكري من عينيه وتناول كوب الشاي الذي لم يكمله ذلك اليوم.

Top
X

Right Click

No Right Click