ذكرياتي مع المناضل القائد محمد أحمد عبده قائد جيش التحرير الارتري - الحلقة الأولى

بقلم المناضل الأستاذ: أحمد أبو سعدة

الثالثة صباحا وصلنا إلى كسلا، طرق مرافقي باب أحد البيوت الذي يشبه باب بيتنا العربي في دمشق وعندما فتح الباب بدأ النور من

الداخل يتجه نحونا ومع النور اقترب وجه شاب أسمر... لازلت أذكر صوته ونبرته الطيبة التي تبعث فيك نشوة الأخوة العميقة...
أهلا بالأخ أحمد ؟ وتعرفت على ملامحه من خلال الفانوس الذي يحمله وتعانقنا على الطريقة السودانية التي هي نفسها الطريقة الارترية وزاد ترحيبه بي وحاولت ان اعتذر وقلت مازحا... ألا يزعجكم هذا الضيف الثقيل القادم إليكم في مثل هذه الساعة قبل بزوع الفجر...

سألتي صاحب الفانوس... السحور جاهز.. ألا تريد أن تأكل:

قلت... لا أريد شيئا سوى النوم...

وهكذا كان.. فقد نمت بعد أطول يوم هو بداية رحلتي إلى إرتريا، ولم أشعر إلا بيد تهزني بلطف بالغ... هيا.. لقد أصبح الوقت ظهرا كان صوت الأخ محمد عمر.. وتظاهرت بالابتسام، لكنني في الحقيقة كنت أشعر بالتعب ووجع الرأس، لكن الذي أنعشني ودب في قلبي الحرارة وأزال عني التعب هو الوجه البشوش المرحب بي... أهلا... أهلا بالأخ أحمد، يا مرحبا؟؟!!... إنه صوت صاحب القانوس نفسه.. وعرفني الأخ محمد عمر عليه حين قدمه لي قائلا: الأخ محمد أحمد عبده قائد جيش التحرير الارتري...
دهشت..؟؟ قائد الجيش...؟؟ هكذا وبكل بساطة ؟؟؟

أزفت ساعة المغادرة وقام أصدقائي الذين رافقوني بوداعي، حزنت لفرافهم لكنهم قالوا لي إن مهمتهم قد انتهت هنا وعندما كان الآخرون يقومون بوداعي كنت أسمعهم يقولون: نتمنى أن ترجع بالسلامة... وتساءلت بيني وبين نفسي.. لما هذا الحديث عن السلامة، يا ترى إلى أين أنا ذاهب... وبدأت الوساوس تشتعل في رأسي وأنا أتظاهر بالابتسام وكنت أرد التحية بأحسن منها... لكنني كنت مصمما على ألا أتراجع حين سمعت صوتا يناديني تفضل يا أحمد تفضل السيارة جاهزة... كان المناضل محمد أحمد عبده هو من يناديني.

وخرجت من الباب لأجد واحدة من سيارات الشحن أو كما يطلقون عليها (اللوري) وهي مخصصة لنقل الناس وأحيانا الحيوانات وفي كثير من الأحيان الناس والحيوانات معا...وعلمت فيما بعد أن (اللوري) هو أكثر وسائل المواصلات شيوعا في السودان وفي افريقيا بشكل عام...

على بركة الله سرنا حيث لم تنقطع التمنيات لنا بالسلامة وتذكرت (دمشق) ...آه أين أنت يا دمشق.. كنت أفكر بأهلي بعيدا هناك بينما السيارة لا تكاد تخرج من حفرة حتى تغوص في حفرة أخرى وخلال أربعة ساعات متواصلة تخللتها فترات توقف في الطريق من أجل وضع ألواح الحديد تحت عجلات السيارة الغائصة في الرمل تارة ومن أجل تسهيل الطريق تارة أخرى..
كان صراخ محرك السيارة يزداد كلما اجتزنا مرحلة من الطريق... عندما توقفت السيارة فجأة تقدم مني شاب وقال لي بأدب جم تفضل لقد وصلنا...

وتساءلت بيني وبين نفسي إلى أين وصلنا يا ترى فقد كان كل شيء في غاية الظلمة ولكنني تفضلت ويدي مشبوكة بيد قائد الجيش محمد أحمد عبده ونزلت من اللوري على ضوء المصباح وكان سلام وعناق مع مضيفنا الشيخ علي شيخ قرية (الحفرة) وزعيمها والحفرة قرية تقع على الحدود السودانية الارترية.

ومن خلال الضوء الخافت تفرست ملامح الشيخ... وجهه مشرب بالسمرة، يشع منه الإيمان بقضية وطنه... ملابسه بسيطة وعلى كتفه بندقية قديمة ومعه عدد من الرجال سمر الوجوه لم أستطع تمييزهم رغم ضوء المصباح الذي لم يستطع أن يمحو الظلام... وشربت الشاي وأنا أفكر... أين أنا يا ترى... ولم يطل تفكيري حيث ارتفع تفكيري بالسؤال عن المكان الذي أتواجد فيه والناس الذي يحيطون بي.

قدمهم لي... قائد الجيش محمد أحمد عبده... وعرفوني على أسمائهم قائلين... نحن هنا بانتظارك منذ ثلاثة أيام يا أخ أحمد... أنا اسمي صالح جبر وهذا المناضل هو صالح فرج والمناضل الآخر هو أورور... بعد ساعتين من الراحة جاءت الرحلة الأكثر مشقة فهذه المرة لن تكون الرحلة بواسطة السيارة بل بواسطة الجمال... نعم لقد كان هناك ثمانية عشر جملا تشارك في الرحلة... سرت واضعا يدي في جيبي واليد الأخرى متشابكة مع يد الأخ محمد أحمد عبده....

قال لي قائد الجيش... يا أخ أحمد ألا تريد ركوب الجمل... ضحكت من كل قلبي (جمل...؟ لا... أفضل السير على ركوب الجمل)...
واعترف أن رفضي ركوب الجمل ليس نوعا من العناد بل إن له مبررا قويا فأنا أولا لم أركب جملا في حياتي وثانيا لأنني كنت أرغب في السير... وأسير قدر ما أستطيع عبر الطريق.

الظلمة شديدة الحلكة... والهواء يصفر ويضرب الوجوه... ورفاق الرحلة يتكلمون بصوت الهمس... كل ذلك ذرع في نفسي شيئا من الرهبة.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click