ذكرياتي مع المناضل القائد محمد أحمد عبده قائد جيش التحرير الارتري - الحلقة الثانية

بقلم المناضل الأستاذ: أحمد أبو سعدة

وأنا أسير مع القائد محمد أحمد عبده في هذا الليل الحالك السواد (تذكرت كيف مشيت داخل

الأراضي المحتلة ذات يوم ولاحت أمام ناظري تفاصيل عملية جباتا الزيت السورية ويسميها الاسرائيليون (رامات شالوم) ففي نفسي أثر من تلك العملية لا يمكن أن يمحى خاصة وإنني سرت على قدمي مسافة ثلاثين كيلومترا ذهابا ومثلها إيابا وسط أحراش الجولان وجباله شديدة الوعورة... وتذكرت كيف كانت الكيلومترات الأولى سهلة... يالله... كنا حوالي ثلاثين فدائيا ومعنا إحدى الأخوات المناضلات واسمها خولة وكنا نحمل أسلحتنا الثقيلة على بغلين... ولن أنسى ما حييت تلك الأشواك التي صادفتنا... نعم الأشواك التي كان طولها يزيد على المترين ونصف المتر والتي تذكر بالادغال العذراء التي لم تطأها قدم إنسان من قبل... لقد سرنا فيها مضطرين للابتعاد عن كمائن العدو الاسرائيلي..)

التفت إلى القائد محمد أحمد عبده وقلت له بصوت كأنني أكلم نفسي الذكريات جميلة أليس كذلك يا أخ محمد أحمد....

ضحك وقال: يا أخ أحمد أنت محظوظ... فالهواء ساكن هذه الليلة.

قلت له... اذا كان الهواء ساكنا هكذا.. فماذا يفعل الانسان اذا اشتدت الريح... آه ما ألطفك يا جبل الشيخ إذن؟!

وساد الصمت لحظات.. وتنبهت إلى أني ذهبت بخيالي بعيدا... إلى اللحظة الأولى التي مرت بخاطري.. وأوحت إلي بأنه لابد أن أقوم برحلة داخل الأرض الإرترية...

وها أنذا في طريقي إلى معاقل الثوار الارتريون الأبطال بصحبة قائدهم محمد أحمد عبده...

سألني القائد محمد أحمد... بماذا تفكر يا أبو سعدة...

قلت له... سأكون حيث يكون الظلم والاحتلال والقهر سأكون في مقدمة مقاومته.

قال لي: كلامك صحيح وهنا في ارتريا كما هو في الجولان و فلسطين ونحن على هذا الحال من الحديث أفقت على صوت أحد مرافقيي ويدعى صالح... يقول:

بعد قليل سنكون مع حراس الحدود...

وأخذت من محمد أحمد عصا كان يتوكأ عليها وشعرت بالارتياح وأنا أسير متكئأ على تلك العصا ، فيما كنت أعبر تلك الجبال بأشواكها الواخزة وبأشجارها الطويلة وأغصانها التي تلتصق بصدري وتضرب وجهي وكأنها لسان أفعى تنسل ثم تهرب...لم أكن أعرف ماهي هذه الأشجار فهي غريبة عني وعرفت فيما بعد أنها تدعى (التواي).

ومشيت... ومشيت حتى فقدت الإحساس بما حولي... بالرمل.. بالأشواك... بالأغصان... وظننت أن الريح قد سكنت... لكن شيئا لم يتغير في الأمر... أخذت أعتاد على الجو... همي الوحيد كان الوصول إلى حراس الحدود... كنت متشوقا لأن أعرف شكلهم... وبماذا يختلفون عن الآخرين...

تقدم مني قائد الجيش محمد أحمد ليسألني... أحمد... كيفك... مبسوط ؟؟؟؟؟

وشعرت بالارتياح وأنا أسمع هذه اللهجة المحلية المحببة..

فقلت له.. أنت تتحدث بلهجة صافية... هي لهجة أهل بلدي... ضحك بشدة... فأنا أحب ضحكته الطويلة فهو... صافي القلب دائما وأخبرني إنه يعرف حلب جيدا ويعرف دمشق أيضا... قال وفي مدينة حلب السورية زرت باب الفرج والسبيل وأحببت الحديقة العامة، لأني كنت أمضي معظم أوقات إجازتي فيها... ألا تعلم بأني قد تخرجت من كلية ضباط الاحتياط بحلب...

قلت له ماذا تعرف ايضا..

فقال... أعرف دمشق وأنا مغرم بشارع الصالحية ونهر بردى وأعرف باب الجابية...

وانقطع الحديث بيننا عندما سمعنا وقع خطوات قادمة نحونا وبعيون يقظة... أخذت أراقب القادمين... حيث لم أتبين وجوههم وكأني أرى أشباحا من بعيد..

قال لي محمد أحمد: ألا تريد أن تتعرف على حراس الحدود.

وللحق أقول إني شعرت للوهلة الأولى بأن الاشباح القادمين باتجاهنا ليسوا سوى جنود الحبشة... حيث أنني سمعت قصصا خيالية عن أساليبهم الوحشية العنيفة التي تذكر الإنسان بأساليب الصهاينة العنصريين ولهذا كنت أتنفس الصعداء لأني وصلت إلى الهدف.

هانحن أخيرا وصلنا إلى الهدف وأفقت على صوت يقول أهلا بالأخ أحمد ورأيت يدا تمتد لتصافحني ولكنني في اللحظة التي امتدت فيها يدي للمصافحة شعرت أن حرارة اللقاء أقوى من أي شيء فإذا بالعناق يتوج اللقاء حتى يخيل إلي أنني أعرف هؤلاء الناس منذ زمن موغل في القدم... وكيف لا... وهم يبادلوني الإحساس نفسه...

وقدمني القائد محمد أحمد بكلمات مؤثرة... الأخ أحمد من سوريا... إنه عاشق لإرتريا وهذا العشق هو الذي قاده إلينا وذكر الأسماء واحدا واحدا... صالح - هبتي - عثمان - كيداني - حسن - زكريا هؤلاء من حراس الحدود.

وتقدم كيداني مني وعانقني وربت على ظهري وقد عرفت فيما بعد أن هذه الطريقة تعبيرا عن التحية الشعبية وبعد أن تفرس في وجهي قال: أنا أعرف اسمك

قلت: كيف

قال ضاحكا: صحيح أنك لم تقابلنا من قبل لكننا كنا بانتظارك منذ عدة أيام، بعد أن أعلمتنا القيادة بخبر قدومك وقد كنا نرافقك منذ أربع ساعات دون أن تدري.

ونظرت إلى ساعتي على ضوء مصباح البطارية فوجدتها الرابعة فجرا وهذا يعني أننا مشينا ست ساعات... شيئا رائعا فلم يتغير أي شيئا من طبيعة الأرض خلال الساعات الست الماضية... كأنني في مكاني الأول لم أغادره وعبرت عن دهشتي من قصة مرافقتهم لي:

فقال: لقد كنا نمشي فوق قمة هذا الجبل الأسود...

انظر... كان الجبل من بعيد يبدو وكأنه شبح مخيف.. ولكن ما بدد خوفي هو أني مع أصدقاء حقيقيون من حراس الحدود...

قال لي محمد أحمد... يا أبو سعدة إرتريا تعاني الكثير وسوف تشاهد ذلك بأم عينيك وستنقل معاناتها بواسطة كاميرتك... أما الآن فليس أمامنا سوى أن نكمل مسيرتنا فالصباح قارب على الانبلاج وتابعنا سيرنا عبر رنين أجراس الجمال المحملة بالسلاح والذخيرة وكان عددها ثمانية عشر جملا.. ويالها من موسيقا عذبة ساحرة تبعث النشوة في القلب ومما زاد في نشوتي وسروري أن قدمي وطأت الأرض الإرترية... هذه الأرض التي قطعت آلاف الكيلومترات من أجل الوصول إليها وشعرت أن هذه الارض حرة مادام فوق ترابها أناس أحرار حملوا السلاح للدفاع عنها... نظرت إلى ساعتي فاذا بها تشير إلى الثامنة صباحا هاقد مرت ثماني ساعات من التعب المتواصل وسألت محمد أحمد.. ألا نستريح قليلا.

قال: نعم سوف نستريح ولكن بعد قليل فالمكان قريب تقريبا ولا نحتاج للتوقف مادمنا على وشك الوصول.

وسرنا وسرنا وسرنا

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No Right Click