الي دبر سالا - الحلقة الثامنة

بقلم المناضل الأستاذ: محمد عيسي المصدر: الرمال المتحركة

عندما أشبعوه ضربا:

بعد عودة الرفاق من رحلة البحث وتفقد المواقع المرشحة دبت حركة جديدة في المعسكر وتفاؤل علي الرحيل الي موقع جديد تتوفر فيه

كل الشروط.. الكل يتحدث عن الي أين ومتي يكون الرحيل فبرغم جمال الموقع الا ان الماء صار غير صحي والحركة فيه خطرة ليس فقط للمرضي والجرحى وانما للكل في المعسكر والان وبعد عودة المجموعة ربما حان وقت الرحيل.. ولقد صدق ظني حيث ونحن في ذلك الطابور الصباحي يأتي قائد السرية ويخاطبنا قائلا بأن المكان الجديد للمعسكر قد تم اختياره وأن الخطة في كيفية الرحيل قد وضعت ويضيف بأن اليوم هو بداية تنفيذ الخطة وأختار من كل فصيلة مجموعة سوف تكون مجموعة الطليعة عليهم بالذهاب لتجهيز الموقع وجعله ممكنا للاستيطان ولقد كنت من ضمن الذين وقع عليهم الاختيار ولقد كنا مجموعة كبيرة جزء من مجموعة الخدمات في المعسكر وجزء من المسؤولين والبقية من سرية الحراسة وكان علي رأس المجوعة كلها القائد صباح الخير... لقد وضعت المهام من بناء الأكواخ للإقامة والتخزين و..و..والكثير والكثير مما يجب علي المجموعة عمله...ذكر لنا منها بعض التفاصيل وقال بعد بدأ العمل في الموقع الجديد تتضح لنا الخطة أكثر وأكثر... أطلق هذ الحديث الحماس في النفوس والكل صار متشوقا علي الذهاب وأذكر ان عبي صديقي أصر علي الذهاب لكن قائد السرية رفض طلبه بحجة أن أبو عفان المدفعجي سوف لن يذهب وأن المعسكر لن يكون خاليا من المدفعجية في أي وقت من الأوقات حتي يكتمل الرحيل الي المعسكر الجديد وخطة القيادة كانت تكمن في أن يرافقنا أحد المدفعجيية مع مساعده ويبقي أثنان من المدفعجية في السرية لحراسة المعسكر وأبوعفان ومساعده عبي من الباقين... لم يكن لعبي الخيار الا القبول وكذلك كان.

وفي مساء ذلك اليوم انطلقنا مغادرين المعسكر وهي المرة الاولي التي أغادر فيها المعسكر في الاتجاه الشمالي الشرقي من الجبل أي في الاتجاه المحاذي لرورا ماريا وكنا مجموعة كبيرة تحت قيادة صباح الخير وكانت مجموعة منتقاة جيدا لتأدية المهمة من خيرة المقاتلين ومن أبرز عناصرها مسمر قائد مجموعة الخدمات وكذلك سليمان الكردفاني أبن النهود..فرحت كثيرا لأكون من ضمنهم وفي وسطهم ومعظمهم من أصحابي الا القلة القليلة التي لم يكن لي معهم تعارفا وطيدا لظروف عملهم وتنقلهم الكثير مثل سليمان الكردفاني الذي كان موقع احترام وتقدير الجميع حيث كان لا يتردد أطلاقا في قبول المهام التي تناط به بل كان يحبذ كثيرا أن تناط به مهام جديدة ويفرح بها عندما تناط به وهذا ما كان يجعله موقع تقدير واحترام من الجميع.. هذه هي المرة الاولي التي تجمعني به مهمة وهي كذلك فرصتي لمعرفة قصة ألتحاقه بالجبهة سليمان لم يكن من أولئك المتحفظين الذين يصعب التحدث معهم بل كان بسيطا منفتحا لا حواجز ولا موانع.. وأذكر جيدا في تلك الأمسية المقمرة ونحن مفترشين الأرض ونحكي في كل شيء عيني تحملق في القمر وهو يتوارى تارة وسط السحب الخفيفة ويظهر تارة أخري لينير ما حولنا ويحلو الحكي مع سليمان وبقية المجموعة في ذلك الجو الجميل والشبه مثالي لمثل تلك الحكايات.. لقد كانت قصته وهو يحكي مصدر اهتمام وأعجاب الجميع... كان سليمان ينوي في زيارة عمه الذي انقطعت عنهم أخباره وهو في مدينة أم حجر لذا قدم الي كسلا ومنها عبر الي تسني وكان وقتها الجيش الأثيوبي في أشد أوقات قمعه وبطشه في مدينة تسني.. وليلته التي قضاها في تسني قلبت علي ظهر عقب كل الموازين في حياته.... لقد كان سليمان يتجول في شوارع تسني وكان ذلك قبل بدأ ساعة حظر التجول الذي كان وقتها مفروضا علي كل المدن الإرترية وفي طريقه الي الفندق الصغير بوسط المدينة قال توقفت سيارة اللاندروفر للطيرسراويت (الجيش الأثيوبي) ونزل منها الجنود وهم يصيحون بلغة قال لا أفهمها والتفوا حولي وبدأوا يرصعوني ضربا مبرحا حتي وقعت علي الأرض وهم ما زالوا يضرجونني ثم يواصل قائلا بعد ما أشبعوني ضربا تركوني مرميا علي الأرض وانصرفوا ويقول بأن الموقع لم يكن بعيدا عن المسجد الكبير وكان هنالك جمع من الناس خارجين من المسجد ان ذاك.. قال أخذوني الي داخل فسحة المسجد واعتنوا بي عندها ثم أوصلوني الي الفندق ويقول قضيت ليلة مؤلمة لم أذق فيها طعم النوم طوال الليل من جراء الآلام الصادرة من أماكن الضرب في جسدي كذلك احساسي بالإزلال حيث لم أرتكب أي جرم ولا خطيئة أعذب فيها بوحشية قاسية وعنجهية قل ما يشاهد مثلها ذلك ما جعلني متأرقا اليل كله... يقول قضيت ليلة كالحة كالسواد أنتظر فيها بزوغ الفجر لأعود أدراجي الي كسلا حيث افتقدت العزيمة الي مواصلة مشواري الي مدينة أم حجر لزيارة عمي... يواصل قائلا رجعت الي كسلا وأكاد أموت غيظا علي ما صار لي ولا أدري كيف أنتقم لنفسي وأخذ لها حقها وأثناء وجودي بكسلا تعرفت علي بعض الشباب الارتريين وعرفت منهم عن الثورة والنضال ووجدت ضالتي فيما كنت أبحث أن أأخذ لنفسي حقها... ثم يقول بعد الاتصال بمكتب الجبهة رفضوا طلبي في الالتحاق بالجبهة بحجة أن الميدان ليس مكان للانتقام وتصفية الحسابات الشخصية وان ما قدمته من أسباب لم يكن كافيا لقبول طلبي ويقول هنا كان مربط الفرس لقد جعلني هذا أغير أسلوب تفكيري وذادني حبا للثورة الارترية وصرت أضطلع أكثر وأكثر علي القضية وازددت الماما بالتفاصيل والجوانب التاريخية للقضية.. ويواصل قائلا.. صارت كل علاقاتي مع الارتريين هكذا حتي فاتحت أحد أصدقائي برغبتي الجامحة في الالتحاق بالجبهة وطلبت منه أن يساعدني في ذلك وهكذا صار لي ما أردت وهانا أتشرف بوجودي بينكم.. يا لها من قصة تسلب الالباب... أختفي القمر ومازالت كلمات سليمان وقصته تجول بخاطري ويالها من قصة..

وهكذا صار لسليمان بصمات في النضال الارتري وحفر لنفسه وللاحرار مثله سطور من نور ونلر حفرها عميقة في قمم دبر سالا لتظل شامخة ومستعصية شموخ واستعصاء دبر سالا علي مر الدهور لم يستطع الانسان ترويضه وهكذا سليمان وهكذا الثورة الارترية لم تركع ولم تخنع لكل اباطرة النظام الثيوبي ظلت شامخة وظل سليمان شامخا ابيا...طوانا الليل بسرمده لكن ذكري تلك الليلة لم تنطوي في مخيلتي رغم مرور الاربعة عقود ونيف وسوف تظل ويظل الشموخ شموخا رغم تجاعيد الزمن...

في مساء اليوم الثاني وصلنا الي الموقع الجديد ويا للفرق والأختلاف بين الموقعين نقيضين وبعيدين كل البعد فلا اوجه تشابه بين الأثنين... اعتقدت ان القيادة في المعسكر ارادت ان تضرب عدة عصافير بحجر واحد وتجد حلولا لمستعصيات واشكاليات المعسكر الأول... اما انا فقد صدمت من الموقع الجديد ولا اري فيه اي خصوصية ولا شيئ غير سهل صغير في صفح تل صغير تتناثر فيه الصخور من كل الأحجام.. الموقع الأول كان بانحدار دبرسالا في اتجاه بركا بكل ما تعني كلمة المنحدر من اغوار ووديان عميقة واشجار باسقة ظليلة والغيوم والشفق في الافق البعيد والسلاسل من التلال الممتدة نزولا الي بركا اما هنا فلا افق ولا تلال ولا امتداد لبعك الافقي ينحصر بك المكان فقط في ما حولك وفي ما تراه امامك... كان رد الفعل للرفاق متباينا فهناك من أحب المكان لبساطته وسهولة التحرك فيه خصوصا للمرضي والمجرحيين.. اما من الناحية الامنية فلم تكن هناك حواجز طبيعية للموقع ماعدا وجوده فوق دبر سالا ام الطيران فلم يكن حينها يشكل خطورة واشكالية لانه لم تكن هناك للجبهة مواقع ثابته تقصفها الطائرات وكان هذا في المراحل اللاحقة من عمر النضال والثورة.. انكببنا في العمل حيث الخطة كانت مرسومة مسبقا وما أمامنا الا التنفيذ وما هي الا ايامات قلائل وقد كان المعسكر جاهزا ولقد كان العمل متعة وأيما متعة وسط مجموعة من امثال مسمر وسليمان وصباح الخير والكثيرين من بقية الرفاق فالمعنويات عالية والطاقات شلالات جارفة تجري ليل نهار وهناك صباح الخير يقود هذه الطاقات ويوظفها خير توظيف.. اكتمل كل شيئ وطلب منا العودة الي المعسكر القديم وبقيت مجموعة صغيرة كان سليمان الكردفاني من ضمنهم.. سبب الرجوع كان للمساعدة في ترحيل ما تبقي من المعسكر ومساعدة الجرحي والمرضي لكن علي حسب ما سمعت من صباح الخير بان الخطة تقتضي بان تنزل مجموعة من المقاتلين الي بركا ويسعوا في الحصول علي جمال وحمير يأتوا بها الي الجبل حتي تساعد في نقل الأمتعة والمقاتلين الغير قادرين علي المشي..فكل شيئ مرتب ومعد اعداد كامل.. وصلنا عائدين الي المعسكر القديم وكما اسلفت هاهي الجمال والحمير التي لم أتعود رؤياها في الجبل هاهي كذلك تخاطر مثلنا... لقد كانت محملة وجاهزة والكل كان في انتظار وصولنا حتي نبق نحن وتنطلق مجموعة اخري بالأمتعة والعتاد.. تتوالى المجموعات غدوا ورواحا بين المعسكرين والكل كخلية نحل.. ونحن في انهماكنا هذا ومازالت مجموعات من المقاتلين القدامي تفد الينا مارة الي مواقعها وهذا المناضل طاهر جبريل كنت أسمع عنه وأعرف من أخوته في كرن تصافحنا وتعانقنا ويسأله الشهيد ادريس عمر "تأمرو" أي تعرفه ويرد المناضل طاهر جبريل "حالو أمر" أي أعرف خاله ويعني الخال أدريس خالد ويردف قائلا مناضل قديم من مناضلي الستينات.. كانت تلك البداية لقصة المناضل طاهر جبريل في دبرسالا.....

ونواصل في الحلقة القادمة...

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 تجربة طالب أرتري ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الأرترية وهي في أوج تألقها وصعودها نحو انتصارات عظيمة.

Top
X

Right Click

No Right Click