المناضل نوري محمد عبدالله في برمنغهام متحدثاً عن البدايات الأولى لانطلاقة ثورة سبمتبر في ذكراها الـ 55

بقلم الأستاذ: حامد ضرار - برمنغهام المملكة المتحد

أقيم مساء اليوم في مدينة برمنغهام احتفالاً بمناسبة الذكرى الـ 55 لانطلاقة شرارة الكفاح الإرتري المسلح بقيادة الشهيد حامد إدريس

عواتى في الفاتح من سبتمبر 1961. وضمن برنامج الأمسية ألقى بعض الحاضرين مقاطع شعرية وكلمات حماسية تعكس عظمة المناسبة.

كانت كلمة البداية للاستاذ سيد علي الذي رحب بالمحتفلين وشكرهم على الحضور لإحياء المناسبة وأهميتها. دعا بعدها إلى المنصة المناضل نوري محمد عبدالله ليقدم محاضرة حول الظروف التي واكبت إعلان الثورة في سبمتبر 1961.

بدوره السيد نوري شكر الجميع على إتاحتهم له الفرصة ليتحدث عن مناسبة وطنية هامة وهي انطلاقة الثورة وفي عيدها الـ 55.

وفيما يلي أهم محاور الورقة:
بعد توجيه التحية للشعب الإرتري في الداخل والمهجر والمعتقلين في سجون النظام واللاجئين رفع قبعته إجلالاً وإكباراً لشهداء الثورة الإرترية كافة وعبر عن إمتنان الشعب واحترامه لمعوقي حرب التحرير الذين قدموا انفسهم قرابين لتنال البلاد استقلالها.

جاءت الورقة تحت عنوان: "وضوح رؤية القائد وإلتفاف الشعب حوله، نتيجته كان الاستقلال وخروج المحتل". ولضيق الوقت أوضح السيد نوري أنه سيتحدث حصراً عن الفترة من 1961-1965 لكونها الفترة الهامة التي تحددت فيها ملامح ثورة شعبية ببعدها الوطني.

ولتسهيل إيصال مضمون الورقة للحضور عامة ولتمليكها للأجيال الشابة، قسم ورقة محاضرته على النحو التالي:
• مغزى الاحتفال بإعلان الكفاح المسلح؛
• الظروف التي سبقت إعلان ثورة سبتمبر ومهدت لها؛
• العمل العسكري وضروراته
• من هو "عواتي"
• مرحلة النضال من اجل إحداث التغيير الديمقراطي.

أولا: مغزى الاحتفال:
قال السيد نوري: "صحيحٌ قد مضى أكثر من نصف قرن منذ أن انفجرت الثورة وحوالي ربع قرن من نيلنا الاستقلال وصحيحٌ أيضاً في أن يتساءل البعض عن الأهمية والجدوى من الاحتفال. لكن أن احتفالنا ليس فقط للرقص وإلقاء الكلمات، بل أولاً هو لتجيل وتقديم العرفان لأولئك الذين استشهدوا لننعم نحن بالاستقلال. كما إن إحياء المناسبة هي فرصة للتأمل والاستفادة من تجربة النضال تلك والمصاعب التي واكبتها والعمل دون الوقوع في ذات الأخطاء التي نعاني منها في تجربة ما بعد الدولة".

ثانياً: الظروف التي سبقت إعلان ثورة سبتمبر ومهدت لها:

كان من حق إرتريا أسوةً ببقية مستعمرات إيطاليا نيل الاستقلال بعد هزيمة الأخيرة. وكلنا ندرك ما جرى من مؤمرات اجهضت بنتيجتها طموحات الشعب الإرتري وإدخال مستقبل البلاد في المجهول من حيث التقسيم بين السودان وإثيوبيا وذرع فتن بين أبناء الوطن الواحد وذلك ليتسنى لهم تحقيق أجندتهم التي سعت إلى تقويض أي مسعى من شأنه يقود البلاد نحو الاستقلال.

في هذا الصدد تطرق المناضل نوري لحالات الإحباط التي وصل إليها الشعب وقادته من شدة الهجمة أمام مطالبه السلمية في الأربعينيات والخمسينيات. وقال "أن فكرة التقسيم الآنفة الذكر أو حتى مشروع الإلحاق بإثيوبيا كانت الغاية منه خلق حالة منها البلبلة داخل الوطن الواحد والعمل على تمزيق النسيج المجتمعي خاصة لو كان قد قيض لمشروع التقسيم أن يرى النور كما حلم الأعداء".

يضيف نوري: "أن الشعب الإرتري وحرصاً منه على أن يكون موحداً ولإفشال فكرة التقسيم الجهنمية تلك وللمحافظة على وحدته، دخل على مضض تجربة الاتحاد الفيدرالي والذي وعلى الرغم من حالة الإجحاف في فرضه كما ذكرت، إلا أن إثيوبيا لم يشبعها الرباط الفيدرالي لأنها كانت تحلم بشيء أكثر منه وبالتالي كانت تحيك الخيوط في الظلام والعالم لا يحرك ساكناً".

مضى نوري في حديثه قائلاً: "ولقضم البلاد وإلحاقها إليها، أنزلت العلم الإرتري وألغت اللغتين الوطنيتين واستعاضت عنهما بفرض الأمهرية، مما أضطر الشعب للتنديد بذلك الخرق الفاضح لشروط العلاقة الفيدرالية حيث عمت المظاهرات البلاد وارتفعت الأصوات المنادية بالاستقلال بالإعتماد على الوسائل السلمية والقانونية، ولكن كل المحاولات ذهبت أدراج الرياح. وفي تطور مفصلي ظهر تنظيم الحركة متبنيا ذات الوسائل السياسية والسلمية". إلا أنه ومع الوقت تأكد أن إثيوبيا لا تعطي أذنا للاحتجاجات والمظاهرات لتدخل المواجهة بين الشعب الإرتري وإثيوبيا المحتلة منعطفاً هاماً وجديداً، انتقل إليه نوري ليوضحه والظروف المحيطة به فيما تلا من كلام.

ثالثاً: فكرة العمل العسكري ومقتضياته:
قال نوري: "إن بعض السياسيين الوطنيين والطلاب الإرتريين المتواجدين في القاهرة وفي مقدمتهم: إدريس محمد آدم رئيس البرلمان الإرتري في مرحلة الفيدرالية وإدريس قلايدوس وعثمان سبى ومحمد صالح همد وغيرهم تنادوا وتفاكروا حول ما العمل في وجه صلف إثيوبيا الإمبراطورية وعدم جدوى أي عمل آخر في اقناع إثيوبيا والعالم للالتفات للحق الإرتري فاتفقوا على ضرورة إعلان الكفاح المسلح في البلاد. ولم يتوه أولئك المجتمعون كثيراً للاتفاق حول من سيتولى أمر إطلاق الشرارة الإولى التي تبلغ العالم بأن ساعة النضال الحقيقي للشعب الإرتري قد أزفت. كان بطلهم هو القائد حامد إدريس عواتى.

رابعاً: من هو حامد إدريس عواتي؟ ولماذا وقع الاختيار عليه لإطلاق الشرارة الأولى؟
يبدو أن الظروف السياسية والتنظيمية أخذت تنضج من القاهرة حيث السياسيون الإرتريين المتواجدين في القاهرة والذين سبق ذكرهم، أنشأوا المجلس الأعلى كهيئة تنظم وتربط العمل الخارجي بما هو متوقع أن يحدث في ساحة المواجهة (الميدان). هكذا استهل نوري الفقرة الرابعة من محاضرته مستطرداً حديثه حول شخصية عواتي، ليقول: "كان [حامد إدريس عواتي فايدوم] رجلاً مشهوداً له بشجاعته وكرم أخلاقه ووعيه الوطني وانحداره من أسرة مناضلة ومعروفة وسط الإرتريين". أضف إلى ذلك، يواصل نوري حديثه: "أن حامد عواتى كان رجل دولة حيث كان قد تبوأ مسؤوليات إدارية عدة أبان الحكم الإيطالي من بينها مسؤولاً إدارياً للمنطقة المتاخمة لحدود السودان وفي وقت آخر كان مسؤولاً في منطقة فانكو وقلوج." أما لجهة التأهيل والتعليم يقول نوري: "أن الرجل لم يكن فقط يعرف مجتمعه وحسب، بل كان يجيد فضلاً عن العربية والتقرى والتقرنيا والنارا وغيرها كان يجيد الإيطالية وقد نال دورة عسكرية في إيطاليا عاد بعدها للبلاد".

ويعتقد المناضل نوري محمد عبدالله أن الصفات السالفة الذكر والتي كان يتمتع بها حامد عواتى فضلاً عن شهرته التي وصلت كل مكان، هي التي سهلت مهمة البحث عن قائد عسكري وسياسي محنك يتحمل تلك المسؤولية الجسيمة في تلك الفترة المبكرة من عمر الثورة.

أبان السيد نوري كيف أن أبناء الشعب الإرتري في كل مكان كانوا متعطشين للكفاح المسلح فذكر أن عدد الذين التحقوا معه لحظة إطلاق شرارة الكفاح المسلح في الفاتح من سبتمبر كانوا حوالي 13 مناضلاً أغلبهم لم يكن له أي سلاح. وبسبب التعطش الذي ذكر تدفق عدد من الإرتريين بعواتي من الذين كانوا يخدمون في الجيش السوداني منهم، على سبيل المثال: عمر إزاز، طاهر سالم وآدم قندفل وغيرهم. وفي مرحلة ثالثة وللتدليل أن رسالة عواتى قد وصلت كاملة وواضحة التحقت دفعة ثالثة من داخل البلاد كان يعمل معظمها في البوليس. من هؤلاء يمكن ذكر سعيد شمسي وللو ومالك أدنا وغيرهم، الأمر الذي أرسل للعالم إشارة واضحة وقوية مفادها إن الثورة رغم كل التحديات والمصاعب ورغم كون حامد عواتى ورفاقه كانوا ملاحقين ووجود قرى بأكملها مسلحة تعمل على وأد الثورة وهي في مهدها، إلا أنه مع عزيمة المقاتلين تأكد العالم أن الثورة عازمة في المضي قدماً.

شدد الأستاذ نوري محمد عبدالله على القول أن الثورة في خلال الفترة من 1961 وحتى 1965 مرت بظروف غاية في الخطورة، إلا أن تجاوزها لتلك المرحلة الدقيقة من البناء والـتأسيس قد عبد لها الطريق لتصنع المعجزات اللاحقة والتي أوصلتنا إلى النصر والاستقلال. واعتبر مرحلة التشكل تلك والتي اتسمت بوحدة إرتريا وشعبها كانت بيت القصيد وسبباً لمجمل النضالات والانتصارات الباهرة اللاحقة.

خامساً: مرحلة النضال من اجل إحداث التغيير الديمقراطي.
في تصديه للسؤال القائل ما العمل؟ قال السيد نوري: "أخذاً في الحسبان التجارب الماضية من النضالات البطولية، فإن شعبنا وقواه الوطنية قادرة على جلب التغيير المطلوب، فقط لابد من مسألتين أن يتم توفرهما في السلوك اليومي وهما التمسك بالوحدة والاستعداد للتضحية.

بعد ذلك فتح باب الحوار بين مقدم الورقة وجمهور الحضور على نحو عزز رسالة المحاضرة والغاية من الإحتفاء بيوم الفاتح من سبتمبر العزيز على قلوب كل محبي الحرية والسلام والديمقراطية.

وقد شرف الإحتفال السيد إبراهيم محجب [أبو نادر] الذي حضر خصيصا من مدينة لندن وساهم في تقديم قصائد شعرية نالت استحسان الحضور كما سلط إضاءات تاريخية ليعزز ما أورده المناضل نوري محمد عبدالله في صلب كلامه.

Top
X

Right Click

No Right Click