أيام لاتنسى من ذكريات المناضل محمد علي إدريس ابو رجيلا - الحلقة الثالثة والعشرون

إعداد: جبهة التحرير الإرترية

لقاء غير متوقع بالمناضل عبد الله إدريس رئيس المكتب العسكري: كما ذكرت في الحلقة السابقة أخبرني المناضل

محمدعلي إدريس أبو رجيلةعثمان سليمان أبو موسى وهو من مناضلي الرعيل الأول لجبهة التحرير الارترية في الحقل الجماهيري وكان قائداً لمنطقة تقوربا وهو شخص غني عن التعريف وهو صاحب دور أساسي يعرفه بشكل مباشر كل من جاء لتلك المنطقة أو عمل في الحقل الجماهيري في جبهة التحرير الارترية، أخبرني عثمان عن معلومتة السالفة الذكر وقال لي محمد علي إنها معلومة قوية عن وجود عبد الله إدريس في المنطقة وأكد لي مجدداً أنها أكيدة قال بالحصر إنه في منطقة القدين أربد، ودعته واتجهت لمنطقة ألقدين كمنطقة يحتمل وجوده فيها وبالفعل وبينما كنت في المنطقة لمحت من بعيد حركة لمناضلين واتجهت إليها بهدوء شديد وعرفت على الفور المناضل عثمان حسين همد فضيل وكانت معه مجموعة إذا أضيفت إلى من كانوا معي نصل بالكاد لفصيلة وهو من قادة وفرسان جيش التحرير المعروفين والمشهود لهم بالجرأة والبسالة والثبات والشجاعة والمبدئية القاطعة، سلمت عليه وبعده مباشرة رأيت القائد عبد الله وكانوا بضعة مقاتلين وكان قد صرف قبل هذه المنطقة بقية المناضلين الذين كانوا معه وبقى بهذه المجموعة الخفيفة التي لا تتجاوز مع ما كان معي فصيلة كما ذكرت، وكان في تلك اللحظة ومقاتليه منهمكين في تأمين بعض المهمات العسكرية لم أتحدث معه ولكنه بادر وقال لي عم محمد علي علينا تأمين الأسلحة في هذه المنطقة وتغيير أماكن التخزين فنحن سنحتاج إليها في قادم الأيام، وكان وجهه في تلك اللحظة تبان عليه علامات الغضب والحنق وحاول أن يبدو طبيعياً إلا أنه لم يستطيع، فالحدث كان كبيراً وقاسياً ويصعب تصديقه أو إحتماله أو بلعه، شاركت معهم في المهمة وأخذ الاحتقان في الوجه وبطئ الحركة يزدادان عليه، فقلت له عبد الله عليك أخذ قليل من الراحة بهذا الشكل لن نستطيع الاستمرار وضعك لا يعجني كما أرجو أن تغادر هذه المنطقة فالعدو حولنا وهو ليس بعيد عنا وقد تتسرب إليه معلومة عن وجودك وعندها سوف يركز كل قوته للبحث عنا وقتلنا أو أسرنا، سيقلب هذه المنطقة عاليها سافلها والتضحية في هذه الوقت لا معنى لها ونحن سنكمل المهة، ضحك بشيئ من اللامبالاة وقال لي عم محمدعلي ماذا بقى لنا نخشى عليه ؟ ولماذا نتمسك بالحياة أصلاً ؟ وياريت الشعبية تعرف بأمرنا وترانا وتقاتلنا وعندها فسوف لن تستلم الا جثث مذقها الرصاص ولن نستسلم مهما كان الثمن وهذه أغلى أمنية بالنسبة لي يا عم، وإذا بقينا أحياء وخرجنا من هذا المأزق فبأي وجه سنقابل عوائل الشهداء ؟ بل وحتى مناضلينا بل وماذا سنقول لمواطنينا الذين دفعوا أرواح أبنائهم وأموالهم تعرضوا للمذابح والتشريد واللجوء قدموا كل شيئ وهم يرون كد سنوات نضالهم وشقائهم يتبخر هكذا بعد أن لاحت تباشير التحرير والانتصارات التي لمسوها لمس اليد، يتبدد هكذا وماذا يقولون لأنفسهم ولأبنائهم وهم يرون ألوف المقاتلين منكسرين منهارين فاقدي المعنويات يزحفون بالألوف نحوالأراضي السودانية شباب لم يمسسهم شيئ وقادة منكسرين يهيمون على وجهوههم على هذه الأرض المفتوحة التي تعرفها، لهذا يا عم محمد على ليس أمامنا إلا خيار الترتيب هذا لأيام قادمة إذا قدر الله لنا أن نحيا، ليس أمامنا إلا متابعة النضال حتى نستعيد حقوقنا المشروعة وهي حقوق لن نحيد عنها مهما كان الثمن أوطال الطريق وهو حتما قاسي للغاية كما أتخيله بعد هذا التطور، لهذا علينا الترتيب مهما كان الثمن حتى لو أستشهدنا ونحن نحاول فهذا شرف عظيم وحلم نبيل أتمنى حدوثه الآن، وعندها سأكون حيث يجب أن يكون من هو مثلي ومثلك، سيعرف شعبنا في إرتريا عاجلاً أم آجلاً أي مصيبة حلت عليهم بحلول الشعبية، أما نحن وما دمنا مؤمنين بصحة هدفنا فعلينا أن نؤدي واجبنا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا نموت أو ننتصر، بعدها لم أتكلم معه حول هذه المسألة أبداً، تابعنا مهمتنا حتى إنتهينا منها على وجه مرضي مكثنا يومين وفي اليوم التالي لاحظت أن هنالك شيئ من الالتواء على وجه وشدق أبو إبراهيم وشيئ من البرود في اليد اليمنى، نظرت إليه نظر الي وفهمت أنه لا يرغب في الحديث وإستمرينا في عملنا، وبينما كنا نرتب المهمات وصل لموقعنا المناضل عثمان سليمان أبو موسى وهو معروف من الجميع جاء بالقرب مني وكان الوقت ليلاً أضئت عليه البطارية وأنا أقول من أنت وعلى الفور عرف صوتي وقال لي محمد على أنا عثمان سليمان وسمح له مقاتلينا بلا ضجيج بالمرور والوصول إلينا، وعندما شاهد عبد الله قال له أنت هنا كل هذا الوقت لا إله إلا الله، أي نوع من البشر أنت ألا تحس بالخطر الداهم عليكم الشعبية في كل مكان وهي الآن وصلت لسفح الجبل هذا وربما أن إستطلاعاتها قد تسمع أصواتكم الآن، إبتسم عبدالله ونظر إليه وقال عثمان سليمان أين الألوية في منطقة هواشيت أف كلهيب ؟ فرد عليه غادرت كلها، إلى أين ؟ لا أعلم ومنطقتها الآن محتلة من قبل الشعبية فقال له يا عثمان ياريت تأتي الى هنا الشعبية ويحدث الذي تقوله، على الأقل نستشهد بشرف ونلحق برفاقنا وما نشوف المهازل ياريت يا عثمان ياريت، مكثنا اليوم التالي وفي غلس اليوم الذي بعده ومع حركة البهائم والناس تحركنا باتجاه ألقدين جوج وأخذنا نتنقل بينها وبين أربد وقفاتي لعدة أيام وكان في برنامجنا إنجاز بعض المهام، نقصد بعدها بلتوبياي، كان الشرر يتطاير من عيني أبو إبراهيم وكان الاعياء ظاهراً عليهما ربما أنه لم يكن ينام أصلاً كان يكتم في نفسه وربما كان يستعرض كما كنت أنا كل سنوات الشقاء والعذاب والانتصارات والانكسارات والصمود في كل أرجاء إرتريا كافة والتي على حد علمي لا توجد بقعة لم يطأها بقدميه مقاتلاً وقائداً، ربما يتذكر الشهداء والجرحى والمعاقيين والأبطال الأحياء ثم يعتصره الألم وكان يردد بين الفترة والأخرى لا حول ولا قوة إلا بالله كنت أسمعها في غالب الوقت وأتخيلها بحركة الشفاه في أوقات أخرى، كنت أحاول أن أصرفه عن التفكير تارة بالحديث عن أحوالنا في الحرب العالمية الثانية وأخرى حول كيف تجاوزنا نحن في الرعيل الكثير من الصعوبات التي كنا نتخيل أن لا قائمة لنا بعدها ورغم ذلك صنعنا ثورة عظيمة أيقظت كل الدنيا، كان يرد علي أحياناً ويصمت في غالب الأوقات أحسست أنه يكتم أشياء كثيرة لا يريد أن يبوح بها، في الليل كان يشرد بذهنه وكلما صحوت وجدته صاحياً شارد الذهن مستغرقاً في تفكيرعميق، وصلنا ألقدين قفاتي للمرة الثانية، هناك جاءتنا شلة من المناضلين كان من بينهم إذا لم تخني الذاكرة المناضل حامد محمود والشهيد داود عثمان والمناضل محمد الحسن ابوبكر والشهيد عثمان صالح علي والشهيد إدريس هنقلا، إصطحب هؤلاء المناضلين أبو إبراهيم ورفاقه كانوا في ذلك الوقت قوة معتبرة من حيث العدد ومعدن الرجال، ولكن أبو إبراهيم كان بطيئ الحركة وكان بالكاد يحرك رجله ولكن ولطبيعته الصارمة سكت على الامر لم يخطر أحد وكان يسير معهم وهو يتمزق من الألم، أخيراً فطنوا له فحملوه على دابة، أما أنا فقد بقيت مع الفصيلة بقيادة عثمان حسين همد فضيل في منطقة ساوا التي أحفظ دروبها وبشرها عن ظهر قلب شهراً كاملاً كنت خلاله أراقب قوات الشعبية في حركاتها وسكناتها وتصرفها مع الجماهير كانت تعتقل وتتحرى، من خلال التصرف كانت الشعبية غير مصدقة لما وصلت إليه وكانت تتصرف وكأنها قوة آخرى قادمة من كوكب آخر أو بالأحرى بلاد أخرى في قرارة نفسها ومنذ الوهلة الأولى فقد تعاملت بقسوة بالغة ضد أبناء شعبنا فأخذت تسوق اللجان الى المعتقلات والسجون والجبهة الشعبية من أكثر فصائل الساحة إستخداماً للإعتقالات وإيداع السجون لمدد طويلة وقد تصل لحد مدى الحياة ومن تأخذه يختفي الى الأبد في غالب الأحيان، ورغم وجود شيئ من المنغصات والعمليات، إلا أنها أضحت القوة الأقوى في الساحة الارترية وعملت على تكريس نفسها بالحرب المستمرة على الفصائل الارترية الأخري أو إستغلال خلافاتها لبذر الشقاق بينها وقد نجحت في هذا الأمر لأبعد الحدود، إن الجبهة الشعبية بسلوكها هذا قد كرست واقعاً من الظلم الواسع وهي لم تحسن حتي اليوم التصرف على أنها حكومة لكل الارتريين بقدرما تصرفت بشكل لايختلف عن فعل الاستعمار اللهم إلا إذا قلنا أن شعبنا إستبدل الجلاد والقاتل الاثيوبي بقاتل إرتري وجلاد إرتري أشد فتكاً ووطأة، وإقتنعت أن الثورة الارترية بمعناها العميق الذي أردناه نحن رجال البدايات الأولى قد إنحرفت عن مسارها، لم تعد الثورة التي تعدل وتنصف وتمسح الدموع عن الأرامل وعن أبناء الشهداء والمناضليين والجرحى والمعاقيين والمشردين والاجئين والمهاجرين وتعيدهم الى بيوتهم مدنهم قراهم التي شردوا منها وئدت تلك الثورة وحل محلها شيئ آخر، شيئ يمكن أن نقول عليه كل شيئ سوى أنه ثورة تشبه وتنتمي لهذا الشعب الارتري النبيل ثورة تعبر عن حقوقه ووحدته الوطنية ومستقبل تماسكة وتعايشه وهي بالاتجاه الذي تسيرعليه ستفضي لأوجاع ما بعدها أوجاع، وأن الارتريون سيجدون أنفسهم مجبرون مرة أخرى لخوض غمار ثورة بل ثورات وقد يهدد الصراع والدماء والاشلاء والكراهية التي تطفو على السطح جراء الظلم والموت والسجون والاختفاء إرتريا نفسها كوطن متماسك، إذاً الأجيال الحالية عليها مسؤولية قاسية ينبغي عليها تصدرها بكل مسؤولية وشرف، لقد مكثت في ساوا لمدة شهر بالتمام والكمال قضيته وأنا أتلافى الصدام مع جيش الشعبية أو إشعاره بوجودي وكان لاهم عندي مراقبة الشعبية وتسجيل كل حركاتها وسكناتها وأخيراً عدت الى حيث القيادة في السودان.

تـابـعـونـا... فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No Right Click