مدينة مصوع علاقتي بها لم تكن وليدة الخدمة الوطنيه - الجزء الثاني والأخير

بقلم الأستاذ: عبدالقادر شيخ حسين شيخ زايد - أبو رأمي

الحديث عن مصوع انه حديث عن البحر لن تصل نهايته مهما اجتهدت امتداده مد البصر مهما حاولت

ان تحدد نهايته ينقلب اليك البصر عاجزا فتظن البحر ملتصقا بالسماء.

بالعودة لمقولة ملس الممجوجه (في الجزء الاول من مقالي) التي قالها في الارتريين العزل (من لم يعجبنا سواد عينيه لن نتردد في طرده).

عاد الآلاف من الارتريين مكرهين ومطرودين من اثيوبيا التي استقروا بها واصبحوا جزءا من ذاك المجتمع واصبحوا من الاثرياء ويمتلكون عقارات ولكن ملس جعل من ذاك الخلاف الحدودي قضيه دفع ثمنها الابرياء من الارتريين الذين اقاموا وولدوا في اثيوبيا.

جراء هذا التصرف الارعن جعل من الارتريين بين عشية وضحاها فقراء لايملكون شي من ثرواتهم الطائله التي سهروا في اقتنائها وكانوا من الاثرياء وكانت من حر مالهم لتصبح لغمة سائقة وهدية مفاجأة وساره في ملك بعض الاثيوبين.

امروا بالخروج فورا من الاراضي الاثيوبيه وخرجوا يزحفون عبر معبر (طرونا وزالمبسا وعصب) الكثيرون (كبار وصغار ومرضى) لفظوا انفاسهم اثناء العبور لوطنهم.

كنت مع من هم مثلي في الخدمة في استقبال القادمين من اثيوبيا وتأهيلهم حتي ينخرطوا مع مجتمعهم الارتري وحتى يتجاوزوا هذه الازمة التي افتعلها النظام آنذاك ليكون ثمنها باهظا وتقبلها صعبا للارتريبن المبعدين قسرا.

انها حقبة مظلمة في جبين النظام الاثيوبي وبرلمانه ينبغي ان يوثق لها وهي بالفعل موثقه عبر الفيديو هات وبالصوت والصوره لان وينبغي ان تدون بعدة لغاة لتكون في متناول الجميع لأن (التأريخ لا يرحم).

قضيتُ في مصوع ثمانية اشهر في ذاك المعسكر (اُمْ كُلُّه) وليس (إنْ كُلُّه) كما ينطقها بعض اخوتنا خطئا كانت شهورا حافلة بالخدمة واستقبال اهلناوالقادمين من اثيوبيا وحكاويهم التي يندى لها الجبين وكانت حافلة بالذكريات الجميله مع الاخوة والاخوات في مشوار الخدمة الوطنيه كنا اخوة متحابين متآلفين نصحوا مع بعض ونأكل مع بعض ونتحرك للعمل مع بعض نقضي اوقات الفراغ في الونسه ولعب الكرة وحكاوي يحكي عنها كل عن ذكرياته مع الاهل والاصدقاء.

كانت الخدمة فرصة للتعارف مع ابناء القوميات الارتريه بعضهم ببعض والتعرف على عادات البعض انها فرصة التعرف على منخفضات ومرتفعات ارتريا وساكنيها.

وايام السبت والاحد هي عطله ومن له اقارب في داخل مصوع فمسموح له بالمغادرة ليعود مساء الاحد او صباح الاثنين وبحكم وجود خالي الباشمهندس محمد ادريس حامد نور في حي (طُوَالُوتْ) الراقي والذي كان يسكنه الايطاليون آنذاك ومن بعدهم ضباط جيش الاحتلال كنت اقضي يومين مع خالي في ذاك الحي والذي تحفه مياه البحر من كل الجوانب.

مناظر البواخر والسفن وهي تجوب طول البحر وعرضه منظر مااجمله ولاسيما عند حلول المساء واضواء البواخر والسفن مرسلة اشعتها الضوئيه على الماء والفضاء ترسم لوحات اشبه باللوحات الزيتيه المتناغمة.

الخال كما قيل في المثل الشائع (الخال والد) كان يستقبلني بكل ترحاب مع اسرته العامرة ويغمرني بكرمه الفياض ولم اكن اكتفي في زياراتي بخالي فالاستاذ حسين آدم واخيه صديقي حامد آدم (آل حميراي) كانو يكرمون وفادتي ويستقبلونني بحفاوة لاننا جيران كنا ومازلنا في كـرن.

بشاشة وجه المرء خير من القِرَى
فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك ؟

ولن انسى طلاقة وكــرم الاخ كرار في حي (عداقا) كلما جئت زائرا او متجولا.

لقد احببت مصوع بحق وحقيقه ومن امنياتي المستقبليه ان اجد فيها قطعة ارض تضمني واسرتي اسكن فيها شهورا واهرب منها خلسة في شهورها الحارقة.

ولشدة اعجابي بها كنت اتصفح مناظرها وازقتها وحاراتها اكثر من وجوه المارة تلك المباني الاثريه الضاربة في القدم والتي تصل لمآت السنين مباني ابدعت فيها ايدي المهندسين الاتراك كالسوق العربي وتلك المساجد العريقه وفنادق ودور سينما وعمارات لاتمل من مشاهدتها لروعة تصاميمها.

هذا ما جعلني القي اللوم على منظمة اليونسكو التي كــرمت عاصمتنا اسمرا التي تستحق وبجدارة ولم تكرم مدينة مصوع العريقة والتي يفوح من بين اعطافها عبق التاريخ ولا احد منَّى ينسى ان العاصمة الارتريه قديما كانت مصوع ثم تحولت الى اسمرا.

وما اتمناه من وزارة السياحه ان تعير الاهتمام لبعض مبانيها التي تحتاج لترميم حتى لانفقدها للابد.

كيفلا وهي ارثنا وتاريخنا وحضارتنا وما يميزنا.

ولمصوع حبي السرمدي.

روعة اساميها تستهويني: رأس مدر وجامع الصحابة والسوق العربي وجامع حنفي وحمال الانصاري والشافعي وتلك الجوامع العريقة ومااكثرها. وسقالت التاريخ والجمال وباب عشرا وسافويا وألامبرا وبنسبيرو. واسماء لمبان عريقة لايسع المجال لذكرها.

كيف لي نسيان الازقه والحارات ومطاعم الاسماك وجلسات المساء في سوق عرب ومقاهيها التي تشتم منها نبع الاصالة والتراث ورجالها ونساؤها كلهم يحكون اصالة وعراقة الانسان والزمان والمكان.

عد هندي ومهري وعد ياقوت والناتي وعباسي وعد ردأ وعد هيجي وآل كيكيا وآل حمدان والقائمة تطول فعذرا.

يامصوع (العطر عطرك والمكان هو المكان) تفاصيل المدينة تذكرني بالعاصمة المثلثه الخرطوم فمصوع تتكون من رأس مدر وطوالوت وعداقه وما حولها.

كما الخرطوم تتكون من الخرطوم وبحري وام درمان ولن انسى حي حطملو العريق والذي كان يقطنه المشاهير من سكان مصوع القدامى واصحاب رؤوس الاموال حي ولدت فيه ابنتي مرام وطاب لي ولها فيه المقام مع خالاتهاواخوالها ووالديهم الكرام.

ومما يؤسف له ان سكان هذا الحي العريق جراء الاستعمار البغيض هُجِّروا واصبحت مساكنهم مجردآثار ووجود اثر البلاط فقط حتى اليوم يدل على عراقة واصالة ساكنيه في القرن الماضي مصوع حتى تتوطد علاقتي بها كان الله (عز وجل)هيأ لي ان اتزوج من بناتها قبل اكثر من اثني عشر عاما.

ومن ثم اصبحت زياراتي لها تتكرر من وقت لآخر وكان نتاج هذا الزيجه ابنتي (مرام) الاولى قرة عيني التي ملأت حياتي بهجة وحبورا لانها ولدت بعد دعوات وابتهالات قاربت العشر سنوات ولكن ارادة الله كانت هي النافذة
و لبت ابنتي نداء ربها بعد اثني عشر شهرا من ولادتها ويقيني ان ابنتي مرام تنتظرنا في الدار الآخرة (كلانا) لتأخذ بيدنا لجنان الخلود.

لذا مدينة مصوع يظل حبها محفورا في الدواخل لانها ثغرنا الباسم وبحرنا المتلاطم وانها ارض اصهاري الطيبين والذين تشرفت بهم ووجدت فيهم اخلاقا ومعامله وكرما حاتمي وذاك الحب والاحترام الذي يسود بيننا كان ومازال وسيظل.

وبمقابر هذه المدينه قبر ابنتي مرام الكبرى وبها مسقط اصدقائي واحبتي الذين تعرفت بهم في كرن وفي خارج الوطن ويكفينا انتماءا ان ارتريا هي (الوطن الام) ونحن ابنائها البرره.

بحرنا الاحمر عشقه يظل ابديا لن امل من الوقوف على شواطئه لأمتع نظري بزرقة بحرنا الاحمر.

عروس البحر وسمكة السلمون والتمساح والفغمه وابو سلامه وفرس البحر و اسماك القرش وحيوانات كثيره عرفتها وشاهدتها في بحرنا الاحمر.

عرفت اسماك الديراك والجمبري والعربي والكينج فيش وغيرها تلك الاسماك التي تقدم في المطاعم.

الحديث عن مصوع لاينتهي كما البحرلن تصل كنهه مهما حاولت ونحن في حوجه لكتابات تجعلنا نلم بما ماتحمله وتخفيه هذه المدينه وما حولها من تراث وحفريات وآثار وجماليات.

كنت اسمع الكثير عن روعة فلم (تايتانك) وما حصده من جوائز عالمية وكانت امنيتي ان احظى بمشاهدته وفي ذات مساء من ايام السبت او الاحد تجولت في حي عداقا ومن ثم اتيت لكافتريا (سقالت سنتر) فوجئت ب ملصق لفلم (تايتانك) هرولت نحن بوابة السينما وقطعت تذكرتي ودخلت لأفاجئ بجمهور غفير ملأ الكراسي ولم اجد بد من الجلوس في البلاط مع من جاءو متأخرين.

بالفعل استمتعت بروعة هذا الفلم الذي استغرق ثلاث ساعات من المشاهدة الممتعه.

وكانت اول وآخر دخول لي في دور السينما بمصوع.

كثيرون هم من غنو لمصوع وعلى رأسهم ود الشيخ وقورت وود تخول والأزار وهيلن وزهرة علي وكثيرا مارددت مع سعيد عبدالله:-

شاميي بتا باطع مندي اسفللا
ارحوا منا قبي سلام قل إيبلا
سربيب ملش هلا
باطع ولعباي جزيرت
سفللكوها حريرت
الى ان اقول مع سعيد
(شاميي بتا إلا مدينت) وهي المرحومه (ابنتي).

وشعراء كثر تغنوا بها وبتاريخها العريق وبحرها العميق واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الصديق (محجوب حامد) وهو يقول في مقطع من قصيدته والتي هي بعنوان (دفء التلاقي):-

احبك يا وطني
ولكن يفضحني هذا البحر
امواجه تفسر عشقي
واصدافه الزرقاء تحيرني
وتحيلني الى البحر ساجدا.

واختم مقالي بمقاطع للشهيد عبدالحكيم محمود الشيخ:-
يبدو عليك البحر في هذا الصباح
يبدو عليك الانشراح
كنت ترنو وتضمد في الليل الجراح
جئت تشدو تسربل اغنيات الاجتياح
فاصطفاك البحر ربانا ورمزا للكفاح
انتصرنا عندما القلب اعتصرنا
اختصرنا الدرب سرنا
فسكنت البحر انت... وعبرنا
نحن شلناك وشاحا ابديا..
يا شهيدا يا قمرنا
يبدو عليك البحر في هذا الصباح
يبدو علـــــــيـــــــــك الاجــــــتــــيــــــاح.

Top
X

Right Click

No Right Click