من ذكريات العيد في مدينة قندع الخضراء

بقلم الأستاذ: إدريس إبراهيم أيم (أبو بلال) كاتب إرتري - لندن، المملكة المتحدة

في مثل هذه الأيام تعود بي الذاكره ونحن في العشر الأواخر من رمضان للمقارنة بين ماضيً جميل قضيته

في ربوع مدينتي الجميلة (قندع) وما نراه من الاستعداد لوداع الشهر الفضيل واستقبال العيد ذكريات جميلة تعالوا نستعيد ونتفاكر كيف كان يتم ترقب هلال العيد في مدينة قندع الخضراء تتواتر الأخبار في الليالي الأخيرة بين ٢٩، ٣٠ رمضان من دار الإفتاء والكل يترقب هلال شوال ان كانت السماء صافية الى جانب تتبع المذياع من بعض دول الجوار الاسلامية بعض الإفطار مباشرتاً وإن تأكد ثبوت هلال العيد يعلن المؤذن قبل صلاة العشاء عن طريق مكبّر الصوت ويقول غداً العيد مهنئاً المصلين وينتشر الخبر مثل النار في الهشيم ترى فرحة العيد تعم الجميع و تشاهد مظاهر الفرح والسرور تعلو أوجه الناس، كبإرهم وصغارهم رجالهم ونسائهم والكل يبارك للآخر ويهنئه الشوارع مٌضاء.

ومنارة المسجد الكبير تٌضؤ أنوارها لتشارك الجموع أفراحهم واحتفالتهم بقدوم العيد المبارك والكل يتطلع في خشية وتضرع ان يكون من العتقاء والمقبولين راجياً من المولى الغفران ويتسابق الجميع لإخراج زكاة الفطر للفقراء يستشعرون ويغشون الرحمة وفي ليلة العيد تفتح المحلات التجارية حتى بعد صلاة العشاء وترى التزاحم لشراء إحتياجات العيد من بسكويت وحلاوة الكراميلو والشاي والبن والشربات أي عصيرات النعناع الأخضر والتوت الأحمر يسمونه محلياً شربات وأذكر في إرتريا كان مصنعين للشربات العصائر المركزة مصنع ال عباسي في مصوّع ومصنع دقيمحري لا يحضرني اسم مالكه، وجميع المحلات التجارية كانت مملوكة للمسلمين ولذا جميع المحلات كانت تغلق أيام العيد الثلاثة لإحياء هذه المناسبة العظيمة ويحصل تدافع وازدحام بين المشترين والكل يهرع لشراء حاجاته من المواد الغذائية البعض يكون قد شرأ ملابسه العيدية مسبقاً لمن يحتاج التفصيل والمخيط حسب ذوقه ويخطط لهذه المناسبة من فترة طويلة اما بعض الأطفال يرتدون ملابس جاهزة يستحسن شرائها ليلة العيد لذالك يسطحبهم الأباء والإخوة الكبار الى الاسواق وينتقون بأنفسهم كي يشعروا بالفرحة والغبطة والتباهي.

وفي هذه الليلة الكل يطير فرحاً وسرورا وترى السماحة والأنس في وجوه جميع الناس وخاصتاً الأطفال ما يكون عندهم رغبة في النوم كل شوية يحضن الملابس يقبلها ويشتمها في انتظار بزوغ الشمس يقضي ليلته حتى ساعات الفجر الأولى بنشاط منقطع النظير وما آن ينبلج تباشير الصباح حتى نتسارعلى الإستحمام كي نلبس ملابس العيد الجديدة ولكن سرعان ما نشعر بالإعياء والنعاس من حيث لا ندري، وننام في أماكننا ولا نستيقظ من النوم إلا بأصوات الأهل، يا فلان ها !

أصحى اليوم عيد، ورغم إحمرار العينيين لمجرد سماع كلمة العيد، ننتفد ونطير من فوق الأسرة اما ربات المنزل في هذا اليوم تقوم برفقة الأخوات والخادمات في بالنهوض قبل أذان الفجر، ويقمن بتحضير وجبة الإفطار وهي الشعيرية المقليّة (شعر البنات) ولقمة القاضي والشاهي بلبن (شاهي حليب)، وتحضير ما هو معروف باسم قجّة فرتوت (فتفت) أي الفتّة بالفطيرة والسمن البلدي والزبادي والدلّخ أي الشطة الحارة (البربري).

وبعد تناول وجبة الفطور يبدأ الناس بلباس ملابس العيد الجديدة والتعطّر بأجود ما في المنزل من العطر والطيب، والكل يخرج من البيت ومعه سجّادته المبخرة، لأنّ صلاة العيد تكون في مكان مفتوح خارج المسجد «كما هي السنة النبوية في تأدية صلاة العيد» وكانت تؤدى صلاة العيد في ملعب كرة القدم في مديتنا الخضراء.

وكان الناس يقدمون من كل أنحاء وأطراف قندع الخضراء ويقومون بالسير مجتمعين ومجموعات إلى المسجد الكبير حيث تكون مكان للتجمع ونقطة الأنطلاق إلى مكان مصلى العيد، وبعدها يتحرك الموكب حاملين الراية الخضراء مكتوب عليها كلمة «لا إله إالا الله محمد رسول الله».

وعندما كنا نشاهد الموكب، كنّا نشعر بالفخر والاعتزاز، ويتحرك الموكب تلو الموكب وسط التكبيرات والتهليلات بمكبّرات الصوت تجهر ب (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا ...إلخ) ويتجه الموكب من المسجد بالتكبير والتهليل وسط الزحام والبسمة والطمأنينة على وجوه الناس، وأذكر حال إخوتنا المسيحين وهم يخرجون من بيوتهم لكي يشاهدوننا ويلقون بأبصارهم علينا.

وبعد سماع تحرك الموكب الكل يسرع لكي يلحق بالموكب، ومن فاته الموكب يذهب إلى مكان الصلاة مباشرة.

وبعد وصول الموكب مكان تأدية الصلاة، تثبّت الراية وتوضع أمام المصلّين ويبدأ المصلّون بالجلوس صفوفا كالبنيان المرصوص يكبّرون ويهلّلون بأصوات جهورية ومرتفعة.

وحسب ما سمعت من الكبار في زمن الاحتلال الإثيوبية كانت توضع الراية لوحدها أمام المصلّين، ولكنّ بعض الجواسيس من عصابة اندنت قاموا بالوشاية لدى الحكومة الإثيوبية بأنّ للمسلمين علم خاص بهم، ولا يحترمون العلم الأثيوبي، وطلبت الحكومة الإثيوبية بوضع العلم الأثيوبي بدلا من راية «لا إله إلا الله»، عليهم من الله ما يستحقون.

وقام أعيان وكبار قندع بالدخول في حوار ونقاش مع الحكومة الإثيوبية وإفهامها بأنّ هذه راية التوحيد لدى المسلمين، وأنّها ليست بديلة عن العلم، وفي النهاية توصّلوا لحلّ وسط، وهو أن يثبّت العلم الأثيوبي ويوضع جنبا إلى جنب مع الراية، وبذلك اتقى المسلمون شر الواشين من جهة والمعتدين المحتلّين من جهة أخرى . وكانت تأتي الشرطة لحماية المصلّين أثناء تأدية صلاة العيد المبارك.

وأمّا نحن الأطفال، فكنّا نجلس بعيد عن المصلّين والكل يتفاخر بملابسه الجديدة، البعض يقول أنّ حياكة ملابسه عند العم فرج كميشاي، والآخر يقول عند عمّي إدريس خليفة، وعند عمي سلمان، عند عد طوراي والبعض يقول عند عبدو مدباي، وهناك من يحيك ملابسه في اسمرا وهناك من يشتري ملابسه جاهزة.

وبعد التكبير والتهليل يعلن المؤذن القيام لصلاة العيد ويقوم الإمام والقاضي بأداء صلاة العيد، وبعد إنتهاء ركعتي صلاة العيد، تبداء خطبة العيد بعد إنتهاء خطبة العيد يأتي حاكم قندع العسكري ومعه الضبّاط والحاكم المدني ديؤ.

هنا يتحرك الكوليري سعيد سفاف ومعه شوم عثمان عامر نوراي ويتبعهم أعيان قندع يستقبلو الحاكم العسكري الكولونيل ويقفون أمامه في الجهه المقابله للمصلّين ويبدأ الكلونيل ويقف بجانبه مترجم قندع العم صالح شكر رحمه الله تعالى، وأذكر العم صالح شكر كان طويل القامة ذو بشرة بيضاء وملامح عربية، وكان يلبس الثوب الأبيض والعمّة وسماديت ويبدأ الكولونيل خطابه بمباركة العيد وبعدها يتكلم عن إثيوبيا الكبرى (إثيوبيا عبّاي) وبأنّهاسوف توفّر الأمان والأمن والاستقرار، ويجب محاربة شفت (قطاع الطرق) يقصد الثوار والخارجين عن القانون، وعلى الناس ألاّ يستمعوا إليهم ولا إلى الاشاعات التي يطلقونها ضد الحكومة.

وكان العم صالح شكر رحمه الله تعالى حين يترجم كلام الكولونيل كان يقول عبارة (لبلوكم هلو) وبعد أن يكمل الكولونيل حديثه، ينصرف ومعه حرّسه الخاص.

والناس تقوم من مكانها وتبارك لبعضها البعض، وتعيّد وتهنّي على بعض، وبعدها الكل ينصرف إلى بيته.

وتقوم ربّات المنزل بفرش أرضيّات المنازل، وتخرج الملايات الجديدة وتفرش المجالس، وكل ربّة منزل تفتح السحاره (توجد في منطقة سمهر صندوق يودع فيه الصحون والكاسات والملاعق وتحفظ فيه المواد الغذائيه الجافه مثل السكر والبن والتوابل اي تحفظ فيه. ربة المنزل أغلى ماعندها من الأغراض) عادتا يكون مكانه في المطبخ.

وبعد ساعة تقريبا تبدأ الزيارات بين الأسر والأقارب، وكان إخواننا الكبار يجلسون في البيت لاستقبال الضيوف المعيّدين، الرجال يلبسون ثيابا بيضاء وسديريه أو الجبّا والعمّة، والبعض يلبس سماديت والعطور تفوح منهم، وربّة المنزل تكون مشغولة في الطبخ لتحضير الشاي والبن للمعيّدين.

أما نحن الصغار كنا نبدأ بالمعايدة نبدأ ببيت الجد،ّ والأعمام والأخوال، والعمّات والخالات، والجيران، وتمتلئ الجيوب بالعيدية هدايا نقدية وعينية الحلويات وفي المساء نأتي إلى البيت متعبين ومرهقين ولكن تكون جيوبنا مليئة بالنقود والحلوة والبسكويت.

كان للعيد طعم خاص، وروح إيمانيّة، وإضفاء طاقة إيجابية لدى كل الناس للتقارب والتوادد والتراحم بين الأسر والأقارب، لأنّ كثيرا من أبناء قندع الذين يعملون أو يدرسون في مصوع وأسمرا أو عصب يأتون إلى قندع لقضاء إجازة العيد مع أهاليهم وذويهم وأسرهم وهكذا يقضون إجازة العيد ويكون العيد عيدين و بأيّ شكل وحال جئتنا هذا العام يا عيد!

وقبل ان اختم ذكرياتي أودّ أن أذكّر لكم بحادثة التي حصلت في قندع، وهي مرتبطة بالعيد بالتحديد في عام 1977م حيث قامت الثورة الإرترية بغلق الطريق البرّي الذي يربط بين العاصمة أسمرا والميناء مصوع المنفذ البحري المار بمدينة قندع، وكأنه مكان مغلق في منطقة قحتيلاي، وكما هو معلوم للجميع أنّ مدينة مصوّع كانت هي الميناء التجاري الرئيسي لأثيوبيا أنذاك، لأنّ إرتريا كانت لازالت محتلة من قبل الإستعمار الإثيوبي.

وقد حاولت الحكومة الإثيوبية مرارا لكي تفتح الطريق ولم تستطع أمام عناد وشراسة المقاتلين الإرتريين، ولذا جاءت بجيش تعداده أكثر من خمسين ألف جندي اغلبهم من المليشيات فلاحين في تجنيد اجباري امتلأت كل المعسكرات سواء أكان في دنوقولو او انباتكلا وكامبو.

وأنشأت معسكرات مؤقّتة داخل وخارج قندع، حتى مدرسة قندع والمدرسة الملاصقة لملعب الكرة التي تقام فيه صلاة العيد، وأثناء تأديتنا لصلاة العيد قدِم إلينا من المعسكر عشرات من العساكر الإثيوبين المسلمين والدموع تذرف من أعينهم و بعد الصلاة، وقام أعيان قندع بالتعرف عليهم والتحدّث معهم ودعوتهم لتناول وجبة الغداء، هم وقادتهم في المسجد الكبير.

وطلب من جميع الأهالي إحضار الطعام المعدّ مسبقا في المنازل مثل الأرز والإنجيرا والطبيخ، وتمّ توفير المشروبات مثل الفانتا والكوكا كولا والسفن آب بواسطة تبرّع أصحاب المحلات.

وقضوا هؤلاء الجنود المظلومين المغرر بهم من قبل حكومتهم الإثيوبية، عيدهم وسط اخوانهم المسلمين وكانوا سٌعداء مع الأهالي في مدينتنا العريقة.

Top
X

Right Click

No Right Click