متحف إقليم شمال البحر الاحمر صرح سياحي يحكي عن عراقة الآثار الإرترية

بقلم الأستاذمحمود عبدالله أبو كفاح - إعلامي وكاتب ارتري

تم إنشاء متحق إقليم شمال البحر الأحمر في العام 2000 أثناء الإحتفال بالذكرى العاشرة

لعملية فنقل التارخية التي هزم فيها الجيش الشعبي قوات الدرق في ملحمة بطولية أزهلت العالم أجمع لتتحرر من خلالها درة البحر الاحمر مدينة مصوع الساحلية من براثن المستعمر البغيض في العام 1990م، وقد تم إغلاق هذا المتحف مؤقتًا بسبب نقص الموظفين وأعيد افتتاحه في عام 2002 بثوب جديد ليحوي على العديد من الآثار التي يزخر بها الإقليم فضلاً عن دعمه بالكوادر المؤهلة التي لاتزال تشرف على أعمال المتحف بصورة عصرية وحديثة.

وبشكل عام يضم هذا المتحف خمسة أقسام حسب فترة المجموعات ونوعها ووظيفتها وهي:-

أولاَ: قسم التاريخ الطبيعي:

يهدف هذا القسم إلى عرض التراث الطبيعي في الإقليم والتعبير عنه بصورة تجذب الزوار والسياح، وتدفع الجميع للمحافظة عليه، و يشمل هذا القسم أكثر من 54000 هكتار من الحزام الأخضر بمنطقة شمال بحري، وأنواع مختلفة من الحياة البرية والبرية، والجبال البركانية الجذابة والبحيرات البركانية، ومنخفض الدناكل، والينابيع الساخنة في كل من ماي وعوي، إرافيلى و أفعبت وغيرها، فضلاً عن المواسم الثلاثة التي يتمتع بها الإقليم والتي يمكن التجول بينها في غضون ساعتين فقط، بالإضافة الى التنوع البحري والذي يشمل أكثر من 1200 نوع من الأسماك، وأكثر من 200 من الشعب المرجانية، و 950 نوع من أصداف البحر وكذا السواحل الطويلة غير الملوثة و الشواطئ الجذابة.

ثانياً: قسم الآثار:

يعرض هذا القسم القطع الأثرية والتاريخية المستخرجة من مواقع مختلفة داخل الإقليم حيث يتم تقديم هذه القطع الأثرية وفق التسلسل الزمني لها الى حين ظهور إريتريا كشعب ودولة يعود تاريخها إلى ما قبل مليون عام.

يضم القسم مجموعة من الحفريات والفخاريات والأدوات الحجرية والعملات القديمة والعديد من الموروثات القيمة الأخرى.

من بين القوميات الإرترية التسعة، تعيش ست قوميات في إقليم شمال البحر الاحمر وهي التقرى والساهو والتقرنية، والعفر، والرشايدة، والبداويت والتي تتميز بتراثها العريق والحيوي، ولللحفاظ على ذلك التراث الغني ونقله للأجيال الجديدة وللزوار بشكل عام يعرض هقسم الآثار في المتحف بعضًا من ثقافات تلك القوميات بما في ذلك الازياء التقليدية وأدوات الطهي والحرب و غيرها.

ثالثاً: قسم التراث الاستعماري:

احتلت إريتريا من قبل العثمانيين والمصريين والإيطاليين والإنجليز وإثيوبيا وقد تركت هذه القوى الاستعمارية آثارها في البلد الذي أصبح اليوم جزءًا من تاريخنا، ولذلك يحتوي قسم التاريخ الاستعماري على عرض للصور والأثاث المختلفة للفترات اللإستعمارية التي تعاقبت على إرتريا.

رابعاً: ذاكرة النضال من أجل الاستقلال:

كانت منطقة شمال البحر الأحمر في فترة الكفاح المسلح من أجل الاستقلال معقلاً للثورة، لاسيما مدينة الصمود نقفة وخنادقها الحصينة، إنها المنطقة التي سير فيها الدرق الإثيوبي حملات عسكرية متتالية و واسعة النطاق للقضاء على الثورة... إنها المنطقة التي إستبسل فيها مقاتلو الجبهة الشعبية في معاركهم الشرسة مع القوات الأثيوبية محققين بذلك النصر والإستقلال في نهاية المطاف.

ونظراً لوقوف سكان هذا الإقليم الى جانب أبناءه الثوار إبان مرحلة الكفاح المسلح فقد كان نصيبه من المجازر التي نفذتها القوات الأثيوبية الغازية ضد الشعب الأعزل كبيراً حيث إرتكبت العديد من المجازر البشعة على إمتداد الإقليم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مجزرة أمبيرمي للمرة الأولى في العام 1967م والمرة الثانية في العام 1976م ومجزرة حرقيقو الأولى في العام 1975م وللمرة الثانية في العام 1967م ومجزرة شعب في العام 1988م ومجرزة مصوع جراء القصف العشوائي بعد تعرض العدو للهزيمة في العام 1990م،حيث يحتوي قسم ذاكرة النضال من أجل الإستقلا ل صور عن تلك المجازر البربرية وكذا دفاعات الثورة ونماذج من الحياة اليومية للمناضلين وغيرها.

خامساً: المواقع الأثرية والتاريخية:

تتمتع إريتريا بشكل عام وهذه المنطقة بشكل خاص بمواقع أثرية وتاريخية غنية تنتمي إلى عصور مختلفة ومنها اكتشاف أحفورة في عام 1997 لجزء من هيكل عظمي لفيل بواسطة مزارع في منطقة دوجولي الأثرية تعود إلى 27-28 مليون عام، و قد قدمت شركة بريتيش بتروليوم مساهمة حيوية في فحص تلك الإحفورة وفهم تطور الفيل الأفريقي الحديث، ولاتزال تُعرف تلك الإحفورة باسمها العلمي إرتريوم melakeghebrekrstosi نسبة للرجل الذي إكتشفها بالصدفة السيد ملآكى قبركرستوس.

بويا:

يقع هذا الموقع الأثري على بعد حوالي 110 كم جنوب شرق مصوع وهنا من خلال الأبحاث الجارية تم اكتشاف جمجمة إنسان يبلغ عمرها مليون عام و 800000 عام مع أدوات حجرية مختلفة وحفريات لحيوانات مختلفة وستساهم هذه الاكتشافات في فهم التطور البشري والتغيرات البيئية والجيولوجية.

عبدور:

يعود تاريخ المدرجات الحجرية الموجودة على الساحل الغربي لشبه جزيرة بوري الى 125000 سنة قبل الميلاد، وهي أقدم دليل على إستيطان الجنس البشري في البيئة البحرية الساحلية، حيث يسمى ذلك الموقع بموقع عبدور الأثري ويوجد على بعد 112 كم جنوب شرق مدينة مصوع، وقد عثر مؤخراً بالقرب من عبدور على الحافة الشرقية لخليج زولا على العديد من الآثار القديمة التي تؤكد وجود الجنس البشري في تلك البقهة منذ قديم الزمان.

المنحوتات الصخرية:

توجد منحوتات صخرية عديدة في المناطق الجبلية بشمال شرق إريتريا وتحديداً في الحدود بين إريتريا والسودان،وهي عبارة عن نقوش لتواريخ وحيوانات مختلفة ورجال يتعاملون مع أدوات الصيد، وعلى الرغم من عدم تحديد عمر تلك المنحوتات إلا إنها تشير الى تطور فنون الكهوف القديمة في هذه المنطقة خلال الألفية السادسة قبل الميلاد .

عدوليس:

اسم معروف في العصور القديمة، وهو إسم لميناء يقع على بعد 56 كم جنوب شرق مصوع وتشير الروايات التاريخية والحفريات الأثرية السابقة والجارية إلى تأسيس ذلك الميناء في حوالي الألفية الثانية قبل الميلاد.

وفي الفترة من القرن الأول وحتى القرن السابع الميلادي، وصلت عدوليس الى أوج عظمتها لتصبح مركزًا للتجارة التي تربط هذه المنطقة من إفريقيا بشبه الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وحتى الشرق الأقصى كما كانت مركزًا للدبلوماسية والاستكشاف البحري خلال فترة مملكة أكسوم.

جزر دهلك:

بعد انهيارعدوليس أصبحت جزر دهلك مركزًا للتجارة ودخول الإسلام وانتشاره في شرق إفريقيا في الفترة من القرن الثامن وحتى القرن الخامس عشر الميلادي، وتعتبر الكتابات المنحوتة على القبور والمباني الحجرية المصنوعة من الشعب المرجانية والقطع الأثرية والآبار شهادة حية على إستضافة تلك الجزيرة لأعداد كبيرة من البشر ونشوء حضارة بها في العصور القديمة كما أن غناها بالآثار و الموارد البحرية غير الملوثة يجعلها مؤهلة للترشحمن قبل اليونسكو كجزيرة أثرية.

مصوع:

تعتبر مصوع لؤلؤة البحر الأحمر بمبانيها المرجانية القديمة وطرزها المعمارية المتنوعة حيث كانت ميناءاً مهماً في شرق إفريقيا ومركزًا للحج وكذلك السياحة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وهي أيضًا بوابة الأديان إلى شرق إفريقيا، حيث يوجد بها مسجد الصحابة الذي تم بناءه في العام (615م) وهو أول مسجد بني في إفريقيا، كما تحتضن مدينة مصوع العديد من المساجد العتيقة كمسجد الشافعي و مسجد حمال وغيرها.

التراث الثقافي البحري:

إريتريا من الدول المطلة على البحر الأحمر وتمتلك أكثر من 1200 كم من ساحل البحر الاحمر، ومن المعلوم أن البيئة البحرية غنية بالتنوع البيولوجي والتراث الثقافي المغمور في المياه كحطام السفن القديمة كما أن السواحل غالباً ماتعج بالبضائع والسفن الحربية، وقوارب الصيد، والطائرات، والأحواض الجافة العائمة، ودبابات T-55، والسيارات، والقنابل (المفجرة وغير المنفجرة)، والأسلحة المختلفة.

حيث توجد في السواحل الإرترية حطام إحدى السفن القديمة والتي يعود تاريخها في الفترة مابين القرن الخامس والسابع الميلادي وفي العام 1995 تم العثور على شحنة من أنواع مختلفة من الأمفورا تحت الماء، أما في العام 1997 فقد تم إجراء التنقيب عن الآثار تحت الماء واستعادة العديد من القطع الأثرية.

المواقع الدينية:

كان ساحل هذه المنطقة نقطة دخول المسيحية في القرن الرابع الميلادي والإسلام عام 615 بعد الميلاد، حيث يزخر الإقليم بالعديد من المعالم الدينية كالمساجد والكنائس والأضرحة والأديرة التي تعكس قيم التسامح والانسجام بين السكان الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة.

مواقع التراث الاستعماري:

ظلت هذه المنطقة الساحلية هدفاً للمستعمريين لموقعها الإستراتيجي ولكونها بوابة إرتريا الى العالم الخارجي حيث تغلغل الأتراك والمصريين والإيطاليين والإنجليز الى إرتريا عبرها ليستعمروها لأكثر من 500 عام، وقد تركت تلك القوى الإستعمارية آثارها في جميع أنحاء المنطقة بما في الحصون والثكنات العسكرية والترسانات الحربية والطائرات وحطام السفن والبنى التحتية وغيرها.

مدينة نقفة:

لعبت مدينة نقفة دورًا محورياً في إنجاز الاستقلال لكونها ظلت قاعدة خلفية و حصناً و معقلاً للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا لأكثر من 10 أعوام، كما أنها المدينة التي عجز المستعمر الأثيوبي عن إعادة إحتلاها مرة اخرى بعد تحريرها في الثالث والعشرين من مارس 1977م، حيث تحتل نقفة مكانة خاصة في وجدان الشعب الإرتري وكرمتها الدولة بإطلاق إسمها على العملة الوطنية الإرترية، ومن المعلوم أن هذه المدينة تحتضن العديد من آثار النضال التي لاتزال شاهد عيان على بطولات فترة الكفاح المسلح.

Top
X

Right Click

No Right Click