معركة تقوروبا كما يرويها أبطالها

بقلم الأستاذ: ود عد - كاتب وناشط سياسي ارتري

بسم الله الرحمن الرحيم

المناضل البطل/ محمد الهادي محمد ادم طون... ذلك الصبي اليافع ابن ١٤ ربيعا كان كالاسد الهصور

يصول ويجول.. بين ثنايا المعركة؛ يروي لنا أحداث هذه المعركة الخالدة؛ التي قصمت ظهر العدوا حينئذ.

إنها ذكري باقية في الوجدان..
خالدة في مسيرة النضال ملهمة للأجيال..
أيقونة، بعثت من ماضي تليد، تضيء دروب الظلام لحاضر حالك السواد، تستشرف مستقبل مشرق.

لم يتردد ذلك الصبي ابن عشرة ربيعا أن يكون ضمن قافلة العلم المتجهة صوب أم درمان (عاصمة المهدي)، كان يقود هذه القافلة اثنان من جنود الأتراك التي انطلقت من الحامية المصرية التركية بكسلا (في العهد التركي المصري الذي كان باسطا نفوذه في كل من السودان وارتريا).

وهي أول قافلة علم تحركت من الشرق، ثم اتجه الصبي صوب الشمال حتي استقر به المقام في حاضرة الشمال مدينة دنقلا، حيث تتلمذ علي يد الشيخ صالح الذي كان يدير خلاوي القرآن والمسيد و (التقابة وهي النار التي تستخدم للاضاء حتي تمكن طلاب العلم من حفظ القرآن الكريم) وقباب الأولياء والصالحين، بقي الصبي ردحا من الزمن حتي قوي عوده واشتد ساعده وبلغ شاؤا عظيما في حفظ وتلاوة كتاب الله، وبعد أن بلغ غايته وحقق مراده عاوده الحنين إلى الوطن الأم أرض الأجداد، بعد عودته وبالقرب من قلسة افتتح فضيلة الشيخ محمد ادم الحاج طون خلوة صغيرة لتحفيظ القرآن الكريم، وبني مسجدا من الأجر، كان يؤم فيه المصلين، ثم اتجه الي جنوب القاش في منطقة خور لبن لنشر العلم فافتتح خلوة أخري لتحفيظ القرآن الكريم، وعندما قدم الإنجليز اتجه صوب قلوج لنشر العلم وتحفيظ القرآن الكريم.

في يوم من أيام الخريف، وفي صبيحة شهر يوليو من العام 1949، استيقظت قرية هنقوق (التي تبعد 10كلم من هيكوتا) علي فرحة عارمة تمددت في أنحاء القرية، رزق فضيلة الشيخ/ محمد ادم الحاج طون بمولود أسماه: محمد الهادي رسم هذا الخبر البسمة في وجه اطفال هنقوق، وانتشر خبر مجيء المولود في القري المجاورة، وبما أن فضيلة الشيخ محمد ادم الحاج طون، كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بالشيخ (سيدنا مصطفي) والشيخ (سيدي الحسن شيخ الطريقة الختمية بكسلا - التاكا) جاءته برقيات تهنئة بمناسبة المولود الجديد، وبرقية أخري من الشيخ صالح بن سيدنا مصطفي.

في يوم من أيام وعندما بلغ ابنه محمد الهادي العاشرة من عمره،أصيب فضيلة الشيخ محمد ادم الحاج طون بوعكة صحية الزمته الفراش، نقل علي إثرها الي مدينة تسني لتلقي العلاج ثم الي كسلا بطلب من فضيلة الشيخ (سيدي الحسن) علي الرغم من رفض انتقاله الي كسلا من قبل ميجر عبدالقادر رئيس بوليس منطقة قلوج.

توفي فضيلة الشيخ محمد ادم الحاج طون عام 1958 ودفن في ضريح السيد الحسن اسفل جبل توتيل عليه الرحمة و المغفرة.

انتقل الصبي محمد الهادي بعد رحيل والده محمدادم الحاج طون الي كنف خاله الذي قام برعايته علي احسن مايكون، وكان يحسه دوما للكد والعمل، ويغرس فيه روح الاعتماد علي الذات، فكان يشير إليه بمزاولة الزراعة، وتارة رعي الأغنام في الوديان المجاورة لقرية هنقوق.

ذات يوم بعد أن ارخي الليل سدوله، قدمت الي قرية هنقوق طوافة ضخمة، كانت تحمل في اسفلها ثمانية أشخاص رأسا علي عقب، مقيديين في اصفاد، تطوف بهم القرية، بينما كان يصعد الصراخ والعويل من أسفل القرية الي أعلي وهي تكاد أن تلامس قمم الاخواخ المتناثرة هنا وهناك، استيقظ صاحبنا فزعا من هذا الكابوس، لم يقصص رؤياه لأحد وأثر أن تكون طي الكتمان، (وعادة أحلام كهذه يفضل صاحبها أن تكون طي الكتمان خوفا من وقوعها).

كثيرا ماكان يتداول الأهالي في مجالسهم أخبار الثوار (عواتي ورفاقه الميامين)، في قرية هنقوق والقري المجاورة، وكان لفتيان قرية هنقوق حظا وافرا لسماع أخبار الثوار، فعندما يتجازب الكبار أطراف الحديث حول الثوار، كان الصغار ينصتون بشغف ونهم شديدين، وتارة يتغمسون دور وشخصية عواتي وهم يلعبون، وكثيرا ماكان صاحبنا محمد الهادي يفعل ذات الشيء.

كان يوم الخامس عشر من سبتمبر من عام 1963 يوما مشهودا في حياة الفتي محمد الهادي إبن محمد ادم الحاج طون إذكان ثامن ثمانية التحقو بالثوار، وكان ذلك في هيكوتا عندما استوقف الثائر ادم قندفل وعمر الدين (الذي تم تسريحه من البوليس) بص للركاب يتبع لشركة حجة حسن للنقل، بعد أفرغ البص من الركاب، صعد الفتيان الثمانية البص في مقدمتهم الفتي محمد الهادي وعثمان تيتا والحسن محمد ادم وصالح ادم (والبقية لايذكرهم)، وكانت تلك بداية انضمامهم والتحاقهم بالثوار، عندها توجه البص صوب نقطة بوليس هيكوتا وهم يهللون ويكبرون ويمدحون لايهام العامة حتي لايلتف لامرهم أحد، وفور وصولهم الي مكان الهدف المنشود قامو بمهاجمة نقطة البوليس واستهدفو مخازن السلاح والذخائر، قاموا بشحن البص بكمية مقدرة من السلاح، بعدها اتجه بنا البص شمال شرق قاصدا ساوا، ولكن لرداءة ووعورة الطريق تعطل البص عن المسير علي الرغم من المحاولات المتكررة لإدارة المحرك، الذي اتضح فيما بعد نفاد البنزين، قام احد الثوار وهو مدني عبدالقادر بإشراف علي عملية نقل السلاح علي الأكتاف مع من كانوا في البص، وكان مجموع ماتم الحصول عليه 30 قطعة ابوعشرة و2 قطعة أبو ثمانية، وواحد برين، وبعد مسير شاق وصلنا الي ساوا، وتم استلام السلاح من قبل القيادة، ولاحظنا وجود شابين، وعندما سألنا قيل لنا أنهما قدما من الجيش السوداني من اورطة العرب الشرقية بكسلا وهما:-

1. محمد ادم شنكحاي.
2. ادم إدريس فوجاج.

في 1963/3/11 عقدت القيادة اجتماعا في كر (كركبت) أسفر هذا الاجتماع عن تشكيل فصيلتين، الأولي بقيادة المناضل الكبير/ حامد عمر ازاز
والثانية بقيادة المناضل الجسور/ محمد إدريس ابورجيلة.

يوم 1963/12/17 توجهنا الي عنسبا،جاءت عربة تحمل قوة من البوليس، تم تبادل إطلاق نار بيننا والعربة، كسبنا علي إثرها الجولة، أسفرت عن مقتل 17 جندي من بينهم قائد المجموعة وهو برتبة ملازم، قمنا باستيلاء علي العربة والسلاح، ثم توجهنا الي جبل سروا من أجل المقبل، حيث تقع في الجانب الشرقي منه سبعت قرض، ثم اتجهنا الي جهة شرق عنسبا (جنقرين).

وصل خبر استيلاء علي العربة الي مسامع العدو في كرن، قامو بتحريك قوة لتقفي أثر الثوار للنيل منهم، وبينما كان الثوار ينالون قسطا من الراحة في سبعت قرض، إذ لاحظ الحرس يدعي (ابوبكر عنجوت) من جانب الثوار أن أحدا قادم إليهم وهو يلوح بضؤ بطارية، فايقظ القائد وأخبره بمايجري، ثم وجه بندقيته صوب العدوا القادم وارداه قتيلا.

خرجنا من هذه العملية المباغتة سالمين ولم نفقد أحد، ألا أن شخصا واحدا ضل طريقه وتمت إعادته إلينا بفضل الأهالي من القري المجاورة.

تقوربا - المعركة المجيدة:

تقع تقوربا غرب مدينة اغردات وشمال مدينة تسني وشمال غرب بارنتو.

منذ إعلان الكفاح المسلح في غرة سبتمبر من عام 1961 في جبل ادال بقيادة الرمز/ حامد إدريس عواتي، لم تتوقف معارك الكر والفر بين العدو الإثيوبي وجيش التحرير الإرتري، فلقد خاض القائد حامد إدريس عواتي في حياته إبان بدايات الثورة خمس معارك ضد العدو الإثيوبي وهي:-

1. معركة ادال ( كارمرويت) 1961/9/1

2. معركة اومال 1961/9/20

3. معركة امنايت القاش 1961/11/15

4. معركة هناق هنجر فبراير 1962

5. معركة بلاقندا 1961/3/30

فكانت هذه المعارك الخمسة بمثابة مقدمة لمواجهة حقيقية بين اعتي آلة عسكرية شهدتها الساحة الأفريقية آنذاك وقوات جيش التحرير الإرتري، الذي كان في طور التكوين، بإمكانات محلية محدودة وإسناد متواضع من الثوار القادمين من اورطة العرب الشرقية في السودان، وعتاد حربي ضئيل تم الحصول عليه بفضل مباغتات وهجوم قام به بعض الثوار هنا وهناك لنقاط ومخازن السلاح التابعة المستعمر الإثيوبي، في كل من هيكوتا وبارنتو. ولكن الإيمان من قبل الثوار بعدالة قضيتهم ونيل حقوقهم المسلوبة وتقديم ارواحهم ومهجهم رخيصة فداءا للوطن، دون الاكتراث للأسباب المادية، كان اقوي سلاح يملكونه الثوار الأمر الذي قلب ميزان القوي في أرض المعركة وكان سببا مباشرا لانتصار الثوار في هذه المعركة غير المتكافئة من حيث العدة والعتاد.

حشد نظام الإمبراطور هيلي سلاسي قوة هائلة من جيشه الخاص الذي سبق له وان شارك ضمن قوات حفظ السلام في الكنغو عام 1960، وكانت هذه القوة ذات التدريب العالي مزودة بأحدث الأسلحة، ومن فرط غرورهم استصحبو معهم حبال لتصفيد الثوار والقضاء عليهم ومحوهم من الوجود من غير رجعة، هكذا كان الأمر في اعتقادهم.

ولكن يقول الشاعر:

اذا الشعب أراد الحياة يوما
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر.
فارادة الشعوب (بعد إرادة الله) لاتقهر.

يقول المناضل/ محمد الهادي محمد ادم طون (الملقب بدوحين تيمنا بالمناضل من الرعيل الأول محمدالحسن دوحين لشدة الشبه الذي يجمع بينهما) متعه الله بالصحة والعافية يقول: في صبيحة يوم 15 مارس 1964وفي تمام الساعة التاسعة، وبعد أن أعطي أحد شيوخ القرية خبرا مفاده أن قوة من العدو قادمة من هيكوتا باتجاه تقوربا، حيث قدمت 27 عربة تحمل جنود مدججين بأحدث الأسلحة والذخيرة.

في هذه الأثناء اتخذ القائد محمد إدريس أبو رجيلا من الخور الذي كان يقع. قبالة الجبل موقعا استراتيجيا وبناء على هذا الاختيار تمترست قوات جيش التحرير في هذا الخور.

كانت مجموعتي البرين، الأولي بقيادة محمد ادم شنكحاي، والثانية بقيادة ادم إدريس فوجاج، تشكل محور الدفاع وصمام أمان المعركة، إذكان كل مجموعة مزودة بثمانية جنود بماكان يعرف بالبندقجية، كان بطلنا محمد الهادي أحد البندقحية التابعين للقائد ادم إدريس فوجاج، استمرت المعركة من الساعة التاسعة صباحا وحتى الساعة الخامسة مساء، حمي الوطيس، وتم تبادل إطلاق نار كثيف، وابلي جيش التحرير الإرتري بلاا حسنا، تفجاء العدو لطول المعركة وصمود الثوار، حتي قال أحدهم (كنا نظنهم حفنة من الشفتة، ولكن وجدناهم أصحاب قضية وإرادة قوية).

سقط في هذه المعركة قرابة 80 من جانب العدو بينهم ضباط وجلهم من الجنود.

بينما استشهد من جيش التحرير الإرتري 18 شهيد، أحدهم مات عطشا.

والشهداء هم:-
1. ادم إدريس فوجاج
2. عثمان إدريس همد
3. ادربس محمد علي
4. عثمان محمدعلي أفاددا
5. أحمد محمد عبدالله عنتر
6. الحسن حريراي حاج همد
7. محمد عبدالله ود همبول
8. الناظر إدريس محمد علي دافؤت (ناظر القودعاب).
9. شريف شربوت
10. إسماعيل كنا
11. عثمان محمد الحسن
12. لباب محمد لباب
13. عثمان محمد نور
14. الحسين إدريس محمد شريف
15. صالح نور
16. علي إدريس جمع خير
17. همد صالح أكد
18. محمود عمر

من المواقف الشجاعة في هذه المعركة عندما أصيب المناضل ادم إدريس فوجاج، وهو مدرجا في دمه خاطب فتيانه من البندقحية من حرصه الشديد عليهم، خاطبهم أن ياخذوا حذرهم بعد أن أطلق مقولته الشهيرة مخاطبا نفسه عداقيت… ومعناها النفس الصامدة التي لاتتقهقر و لا تعطي ظهرها للعدوا، فاسبتسل في أرض المعركة حتي مات واقفا ممسكا ببرينه.

Top
X

Right Click

No Right Click