في ذكري... رحيل جيفارا القرن الأفريقي المناضل الكبير محمد سعيد ناود

بقلم الأستاذ: عثمان همد - ود أبيب

الدنيا دار فناء وزوال وما سمية بدنيا إلا لدنوها. ورحيلها بما فيها وما عليها الي عالم العدم.

والبقاء لله الواحد الأحد.

وفي كل يوم يطلع فجره، ويسدل ليله نودع عزيز لنا الي دار البقاء والخلود الأبدي فهل اتعظنا واستعدينا الي الرحيل المحتوم علي كل واحد منا.

كل ابن ادم وان طالت سلامته يوماً علي آلة حدباء محمول، والموت مصير قاطع بانتظار الجميع. فيموت الكبير والصغير والرئيس والمرؤوس والغني والفقير،لتأكيد العبرة لحتمية الفناء والإنتقال والرحيل وانقضاء الآجال...

رحل القائد والمؤسس والمناضل الكبير محمد سعيد ناود عن دنيانا الفانية الي عالم االبقاء والخلود.

رحل ناود المفكر والملهم ابو النضال وقائد الثوار وباعث الأحرار عن دنيا الشقاء والعنت الي دار السعادة والراحة والقرار.

رحل ناود صاحب القلب الأبيض والسريرة النقية واليد النظيفة.

رحل المناضل المخضرم والمثقف المؤدب والسياسي المحنك والإسترتيجي الفريد والكاتب المدقق والعالم النحرير.

ترجل القائد من صهوة جواده ليلقي عصا الترحال الي الأبد بعد مسيرة عمرية مباركة ملئية بالإنجازات دامت 85عاماً من الزمان قضاها كلها في خدمة الإنسانية حملها مشروعاً وفكراً وهماً عاش من اجلها كل حياته ومات في سبيلها ممسكاً قلماً ووفكراً، رأسماله حب الناس واسعاد اللبشرية.

كان ميلاده 1926م ورحيله في يوم 2010/9/16م مابين البداية والنهاية ايام وشهور وسنين مليئة بالأحداث والتغيرات في الحياة السياسية للزعيم القائد الراحل محمد سعيد ناود.

دخل المعترك السياسي مبكراً الحركة الوطنية السودانيه في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، عندما نشط في حركة مؤتمر الخريجين وقاد المواكب والمظاهرات والاحتجاجات المناهضة للإستعمار البريطاني، في تحاد ثانويات مدارس البحر الاحمر ببورتسودان منادياً، يسقط الإستعمار، والسودان للسودانيين حراً ابيًا مستقلاً.

وبعد تخرجه عمل في شركة التلغرف الشرقية (الإيسترن) حيث نشط في الحركات العمالية والنقابية والحركة الوطنية المنادية بالإستقلال مما عرضه الي مضايقات وتوقيفات واعتقالات من قبل السلطات الإستعمارية، ورغم كل المكايدات واصل ناود مسيرة نضاله في الحركة الوطنية السودانية الي ان اصبح السودان حراً مستقلاً و تحقق حلمه في 1956م.

يعتبر الراحل ناود واحد من الأباء الأوئل المؤسسين لحركة مؤتمر البجا في 1958م في بورتسودان...

بعد استقلال السودان تفرغ المناضل الراحل ناود كلياً الي القضية الإرترية وبقية قضايا شعوب القرن الأفريقي.

وبعد جولات ودراسات وتخطيط وتفكير عميق الي معظم مناطق ارتريا اسس اول حركة سياسية ثورية مسلحة في بورتسودان عام 1958. اطلق عليها حركة تحرير ارتريا وقد عقدة أول مؤتمر لها بمنزل الراحل ناود في حي ترانسيت احد احياء مدينة بورتسودان العريقة.

تبنت حركة تحرير ارتريا نظام الخلايا السباعية حتي لايكتشف امرها ولايخترق تنظيمها من قبل نظام هيلي سلاسي المستعمر لإرتريا. وقد حققت الحركة نجاحات كبيرة وحافظت علي نظامها السري.

و نتيجة لتفوق الحركة تنظيمياً عقدة مؤتمرها الثاني في العاصمة اسمرا رغم قساوة وقوة الأجهزة الإستخبارتية والأمنية الكبيرة التي كانت تتمتع بها اثيوبيا في ارتريا، اضافة الي البطش والقمع والإعدامات لكل من يتورط في تصال او التعامل مع التنظيم السباعي.

وقد نجحت حركة تحرير ارتريا وفي زمن وجيز بتجنيد اعداد كبيرة من الإرتريين العاملين في اجهزة الأمن والشرطة والموظفين والنقابات العمالية والطلاب والتجار وجميع قطاعات الشعب الارتري.

فالحركة بالإضافة الي تبنيها العمل المسلح كانت تسعي الي الانقلاب المحمي بالسلاح من الدخل،وإعلان استقلال ارتريا ووضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته،لأن ارتريا لم تكن يوماً من الأيام تحت التاج الأثيوبي.

ولولا تسارع الأحدات الدولية والمحلية والإنقسام الداخلي التي عانت منه الثورة الأرترية لكانت ارتريا ضمن الدول المستقلة مبكراً .لأن الخطط التي تبنتها الحركة عملية جداً كان يكمن ان تفضي الي نتيجة ايجابية بأقل التكاليف المادية والبشرية والزمنية...

الراحل ناود ناضل من اجل شعوب القرن الأفريقي كلها في السودان وارتريا والصومال وجيبوتي وإثيوبيا فهو ملهم الثورات وابو النضالات وعاشق الحرية والديمقراطية وكل القيادات الثورية في المنطقة ثأروا بأفكاره وأطروحاته السياسية والفكرية.

آخر منصب شغله الراحل ناود حاكم إقليم الساحل في 1993م وبعدها تفرغ للكتابة والتأليف وتوثيق تجاربه النضالية وله من المؤلفات مايفوق العشرة كتب في المجال السياسي والثقافي والأدبي والتاريخي.

بالإضافة الي ميئات المقالات والأوراق البحثية وله موقع مشهور علي شبكة الإنترنيت بعنوان ناود للكتاب nawedbooks.com فيه جميع مؤلفاته وبحوثه ولقاءاته ومشاركاته. ومن خلال ماتركه ناود من جهد علمي كبير سيبقي حاضراً روحاً وفكراَ في كل الحقب، وان غاب جسداً.

فتلك سنة الله في الخلق تمضي علي الجميع. فالفقد كبير والفراغ اليم والمصاب جلل وخسارة الرحيل فادحة... لكن لانقول إلا مايرضي الله. أن القلب ليحزن وان العين لتدمع وانا بفراقك أيها الزعيم المعلم لمحزونون. يبكيك السودان ويفقدك الشرق. وتحزن عليك مدينتك الوادعة بورتسودان، وحييك الرؤم ترانسيت. تفقدك ارتريا بشعبها وجبالها وسهولها ووديانها وعشقها وعبق نضالها. وانت ياسيدي الراحل ناود اليوم اسعد المناضلين حظاً لانك حضرت وشاهدت وعشت مرحلة الحرية والاستقلال وزوال كابوس الإستعمار، واكتحلت عيناك بمشاهدة علمي السودان وارتريا يرفرفان في سماء البلدين، وهي امنية أي مناضل مخلص افني حياته وكرس جهده ان يري ماحلم به، وناضل من اجله في الدنيا قبل الرحيل...

عزائنا لأسرته الصغيرة واهله وعشيرته آل كنتيباي ادريس ود ناود وعموم اهله الحباب بالساحل والبحر الأحمر والسودان وارتريا والشرق الأوسط واروبا وامريكا واستراليا.والتعزية موصلة من السيد ناظر عموم الحباب بالسودان كنتيباي محمود بن كنتيباي حسين. والسيد كنتيباي علي بن كنتيباي عثمان، كنتيباي عموم الحباب بأرتريا.

وتعازينا بالفقد الجلل للشعبين الشقيقين السوداني والأرتري، وكل شعوب القرن الأفريقي لأن المناضل ناود ملك للجميع. وقائد للجميع، واخ وصديق للجميع. وناضل من اجل الجميع، واليوم يفقده الجميع. كل يفقده في نفسه، ولحاجته الخاصة.. رحم الله المناضل ناود بقدر ماقدم واعطي، وانزل الله علي قبره آشآبيب الرحمة والغفران وسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

اللهم لا تحرمنا أجره ولاتفتنا بعده واغفرلنا وله... آمين.

Top
X

Right Click

No Right Click