الي دبر سالا - الحلقة السابعة

بقلم المناضل الأستاذ: محمد عيسي المصدر: الرمال المتحركة

سليمان ابن النهود:

لقد كان لمتانة الروابط وقوتها وسط أفراد الفصيلة دورا كبيرا في أن أتجاوز وقع وتبعات تدحرج الصخرة... ومنذ ذلك اليوم صرت

لا أرد الماء... لقد اخترت بدلا عن ذلك أن أعمل في تجهيز وتحضير الطعام عندما يكون يوم الأسبوعية علي...ان الماء في الغور صار يشح ويزداد اصفرارا وحتى مذاقه بدا في التغير... معضلات ومصاعب البقاء في الحياة وما تفرضه من تبعات ومتغيرات... كمية الماء في الغور بدأت تنضب وهذا مما ادي بالتغير التدريجي في طعمها ولونها ووجود تلك اليرقات الصغيرة "ونجير" تتلاعب فيها كأسماك الزينة الصغيرة.. كلنا يعلم ان استمرار تواجدنا في هذا الموقع محكوم باستمرار الحصول علي مصدر ماء نقي وصحي وهذا قد صار الان في موضع شك وهناك الان تحد علي إدارة المعسكر والقيادة لإيجاد الحل الأمثل له.. تسريبات كثيرة بدأت تسري في المعسكر بان الرحيل من هذا الموقع صار محتم لكن ليس من مجيب على متى واين الا في صبيحة ذلك اليوم الجميل الذي تفاجأنا فيه بقدوم الرفاق ودحاج علي، صباح الخير والشهيد ادريس عمر الي مواقعنا وهاهو قائد السرية ومعه مجموعة من الفصيلتين الأخريتين كذلك قادمين الينا... وعندها طلب قائد فصيلتنا من ثلاثة من الرفاق بان يتجهزوا وصار الكل حاضرا... كان عددهم جميعا فوق العشرة مقاتل ربما كانوا خمسة عشر... طلب من الجميع الاصطفاف وهاهو الشهيد ادريس عمر يتقدم مخاطبا الجميع بالمهمة المناطة بهم لتأديتها..لقد أوجزها بأختصار في رحلة البحث عن موقع جديد للمعسكر تتوفر فيه كل شروط ومقومات الحياة وكذلك الجوانب الامنية.. وأردف قائلا بأن هناك خيارات عدة سوف نمر بها لتفقدها ودراستها قبل أن نختار منها المكان الأنسب والأفضل.. صارت الأمور الأن أكثر وضوحا وتبيانا...وبينما المجموعة مازالت واقفة وتستمع الي كلمة الشهيد ادريس عمر شاهدت ولأول مرة المقاتل من أبناء النهود المدينة الكردفانية من غرب السودان... لقد سمعت عنه من قبل لكني لم اراه لأنه كان في مهمة مع مجموعة أخرى من المناضلين من أفراد السرية حيث كانت كمية من الأسلحة والذخيرة التي وصلت حديثا الي المنطقة كان عليهم استلامها ونقلها الي الجبل ثم دفنها في أماكن تخزينها ولقد علمت بان هذه العملية لم تكن الأولي في تخزين الأسلحة في الجبل لكثرة أماكن التمويه وسهولة الإخفاء فيه... المناضل سليمان محمد كان طويل القامة أسمر اللون بشوش الوجه ذو بنية عريضة... كان شامخا كالقامة ذو وجه دائري تتلألأ من ثغره الأسنان ضياء وبريقا كان من ضمن القلائل الذين لم أتعرف عليهم بعد... هاهو من مهمة الي أخري في عمل متواصل دون تردد ودون مساءلة يتقبل الأوامر ببشاشة وبابتسامته العريضة التي لا تفارق وجه.. وددت ان أكون من ضمن الذاهبين لكن المهام متعددة والغرض واحد وأوضاع النضال سوف تجمعنا ربما في مناسبات أخري...

أكمل الشهيد ادريس كلمته التوجيهية والكل في معنويات عالية حيث كانت للشهيد قدرات عالية في المخاطبة يأسرك بأسلوبه السهل الممتنع يوصل ما أراد من معلومات دون عناء وكلفة ودون تأتأة أو تلعثم أسلوب يجعل من الكل صديقه ومن الكل راغب وشاغف في سماع المزيد رغم انه لم يكن يطيل أبدا بل رغم السلاسة والمتعة في حديثه الا ان كلماته كانت مختارة ودقيقة في صميم الموضوع... أكمل كلمته وترك المجال مفتوحا ان كانت هناك أسئلة.. ولم تطرح أي أسئلة وبعدها عانقناهم مودعين وهي المرة الأولي التي أتحدث فيها مع المناضل سليمان محمد الكردفاني الذي حينها لم يكن يجيد أي لهجة من اللهجات الإرترية لكن رغم ذلك لم يكن يحس بأي حواجز او موانع ثقافية بل العكس تماما كان سهل التخاطب معه وكان يضحك ويبتسم في كل ما لا يفهمه وكان محبوبا من قبل الجميع كذلك روح التفاني والإخلاص وخفة الظل التي كان يتمتع بها أكسبته علاقات واسعة وصداقات متينة... ابتعدوا مغادرين في صف متعرج وسط الصخور الضخمة التي أحيانا تحجبهم تماما عن الرؤيا.. صعدت في واحدة منها متابعا خط سيرهم يظهرون ويختفون أحيانا حتي اختفوا كليا وصرت لا استطيع رؤيتهم.. جلست مكاني لفترة حتي سمعت صوت عبي مساعد المدفعجي يصيح "كري قدم اكلك" اي انزل يكفيك.. وكما اسلفت فان عبي وأبو عفان المدفعجي كانوا من اقرب أصدقائي لقد كنت أحب دندنة أبو عفان وغنائه الشجي بالتقرايت... وكنا نشكل مجموعة متناغمة لا كلفة ولا اسرار بيننا نذكر كل شيئ بأسمه المجرد حيث منهم علمت عن قائد الفصيلة محمد عافة وعن عبقريته وابداعه الذي مكنه من مواراة واخفاء اميته بالقرأة والكتابة... محمد عافه كان انسانا مثقفا يمكنه التحدث معك في أي مجال وكان من مدمني سماع الاذاعة البريطانية من لندن باللغة العربية ويحمل مذياعه الترانزيستر دائما وابداً أينما حل واضافة لذلك كان يحمل في جيب قميصه نوتةً صغيرة ومجموعة من الأقلام بالوان مختلفة.. وكان يحرص في كل اجتماع علي ان يخرج نوتته ويسجل.. قلت لهم ماذا يسجل ويدون ان كان لا يدري القراءة والكتابة.. قالوا وهناك كانت تكمن عبقريته في خلق رموز واشكال لا يعلمها الا هو وما الكتابة الا رموز وطلاسم يعلم ويتعلم الجميع علي فكها بنفس المحتوي والمعنى اما مدونته الخاصة فهو الوحيد القادر على فك طلاسمها ووضع معنى لرموزها.. محمد عافة مثله ومثل بقية أبناء الريف الإرتري لم يتاح له باي قدر من التعليم وكان الإحساس الوطني هو دافعه وكذلك كانوا أغلبية المناضلين من أبناء الريف الذين تحملوا أعباء وكلفة الثورة في تلك المرحلة والمراحل التي سبقتها... ليس فقط المناضلين من أبناء الريف وانما الريف كله كان الحاضنة الطبيعية للثورة حتي في أوج عنفوانها كان من يتحمل عبئ الفاتورة الأساسية للثورة الإرترية وما محمد عافة الا نموذجا لأبن الريف الذي ليس فقط تمكن واستطاع في أن يتأقلم مع الثورة بل استطاع أن يقود ويعطي النموذج في الوفاء والإخلاص والتفاني وكذلك في حب وخدمة الأخرين....
مرت أيام ولم نسمع فيها عن المجموعة التي ذهبت لاختيار الموقع الجديد للمعسكر حتى سمعت صوت احمدين وهو زميلي في الحراسة يعطيني المنظار ويقول "ليهوم جماعتناتوم" أي هؤلاء هم مجموعتنا...

أخذت المنظار بشغف شديد لرؤيتهم وفعلا هي تلك الوجوه التي أعرفها جيدا والتي كنت متشوقا لرؤياها لكن رغم ذلك علينا بالقيام بمهامنا للتعرف عليهم من القرب ومساألتهم ومن اجل ذلك علينا بالنزول سريعا لأعتراضهم... كان على احمدين بالنزول قبلي وعلي تغطيته وتغطية المنطقة من حوله.. نزلنا كلينا من الموقع العالي وهو موقعنا المعتاد للحراسة وواصل احمدين متخفيا وبكل حذر ودون أن يلحظه أحد أما أنا فتوقفت وأخذت موقعي في التل المطل على الطريق وباستطاعتي مراقبة احمدين وتغطية ما حوله... استطاع احمدين ان يفاجئهم ويعترضهم دون أن يراه أحد وتاكد من هويتهم جيدا عندها وعندها فقط سمح لهم بالمرور والتقدم..هكذا كانت سرية الحراسة في الجدية وفي التعامل بمهنية عالية مع كل طارئ وتأدية المهام حتي مع أقرب الناس الينا من رفاقنا في المعسكر....

ونواصل في الحلقة القادمة...

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 تجربة طالب أرتري ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الأرترية وهي في أوج تألقها وصعودها نحو انتصارات عظيمة.

Top
X

Right Click

No Right Click