الي دبر سالا - الحلقة العاشرة

بقلم المناضل الأستاذ: محمد عيسي المصدر: الرمال المتحركة

ماء برائحة البعر:

ظننا مخطئين بأن مشكلة الماء قد حلت مع الرحيل الي الموقع الجديد للمعسكر لكن هيهات فموسم الامطار لم يبدأ بعد والأعتماد

علي الماء كان من العيون الطبيعية بالجبل.. المعسكر الجديد لم يكن خالي من أشكاليات شح الماء لكن والحديث هنا لمسؤل العيادة المركزية ودحاج علي المقاتل المخضرم والمسؤول ذو التجارب والخبرات الواسعة والأنسان المتواضع ذو العلاقات المتينة والقوية مع الجميع ود حاج علي كان موقع احترام وتقدير وحب الجميع قال بأن السبب الأساسي لأختيار هذا الموقع هو الماء ويضيف قائلا بأن الخطة تقتضي الرحيل أولا ثم العمل في موضوع الماء.. قلت ما العمل في موضوع الماء اليس للماء مصدر ثابت كما في بقية الاماكن ماء جاري أو بئر نقية قال والكلام لم يكن موجه لي فقط وأنما للمجوعة من حوله حيث كنا قد أحتلقنا حول براد شاهي وكان موضوع الحديث عن الماء وعن امكانية جدب العين التي منها كنا نستقي وكان يتحدث مدافعا عن سبب اختيارهم كمسؤولين للموقع وقال هناك ماء جاري ليل نهار بموقع ليس ببعيد من هنا وهو يشير بيده في الأتجاه فقط علينا العمل لجعله صالحا للشرب.. كان هذا الحديث مبهما لحد ما حيث الماء الجاري لم يكن أحد منا يتوقع أن يحتاج لاي عمل منا لجعله صالحا للشرب.. الي هنا وأنتهى الحديث عن موضوع الماء رغم الأبهام الذي صاحبه.. وفي مساء نفس اليوم كان علي الخروج للحراسة لكن محمد عافه قائد الفصيلة طلب مني بعدم الخروج حيث تم أستبدالي بزميل أخر قائلا بأن لي مهمة سوف أخرج اليها في وقت مبكر من صباح الغد.. طلبت منه توضيح أكثر فقال هناك مجموعة تم أختيارها للعمل في موقع الماء الجديد وأنا من ضمنهم.. الشهيد ادريس عمر كان مرجعي عندما تستعصي الأمور علي... أعلم بأني لست بصدد مخالفة الأوامر المعطاة لي من قبل قائد الفصيلة فقط أود أن أعرف عن قصة الماء الذي نحن في صدد الأنطلاق اليه وفي ظني بان الشهيد معه التفاصيل.. سالته غدا ذاهبون الي الماء... بادرني هل تم اختيارك قلت نعم قال اذاعليك بأن تنام مبكرا فعلينا يوم كامل من العمل وسوف نغادر قبل الفجر.. قلت اي عمل.. هل سوف نحفر بئرا.. قال كيف نحفر بئرا في هذه الصخور الصماء.. لايعقل ذلك... قال سوف نقوم بتنظيف الماء.. وبينما هو يحادثني عن الماء قدم أحد المناضلين وأراد التحدث معه علي انفراد فستاذن وذهب معه.. ما زال موضوع الماء كان عالق بذهني دون أن أجد له أجابة قاطعة حتي نمت ولم أستيغظ الا في الصباح وفي الصباح الباكر جدا وعند الحاح واصرار محمد عافة علي ايغاظي والذي كان يمر ويستيغظ من هم في قائمة الذاهبين للمهمة.. لم نتمكن حتى من شرب الشاهي وأخذ كل منا قطعة من القراصة البائة من البارحة والتي عملت خصيصا لنا.. كانت المجموعات الأخري قد تأهبت وأكتمل الجمع وهاهو ودحاج علي ينادي في الأسماء واحدا بعد الأخر والكل حضور وفي كلمة مقتضبة جدا قال مهمتنا سوف تكون أوضح عندما نصل الي موقع الماء وكما تعلمون انها مهمة اكثر من اساسية انها ضرورية جدا.. وبدا الجمع في الأنطلاق ولم تزل الشمس لم تشرق بعد والغرض من التبكير كان في انجاز اكبر قدر من العمل قبل ان تلفحنا الشمس بحرارتها وتلسعنا بصياط السنتها.. كان للخبرة والتجارب الكثيرة التي اكتسبها قادتنا امثال ودحاج علي والشهيد ادريس عمر دور كبير في التخطيط السليم وأخذ الأعتبار لكل شيئ والتخطيط لكل الحسابات..ليست هي المرة الاولي التي يتجلي فيها ذلك وانما كان تاكيدا لما تجلي مرارا وتكرارا من قبل.. كل شيئ كان ساكنا ولا تسمع حسا غير حركة ارجلنا والهمس الخفيف لاشجار "التسس" عندما تلامسها نسيمات الصباح ثم تصافح وجوهنا فتذيدنا نشاطا وحيوية وتري الكل مسرع الخطي في تتابع وتناقم ايقاعي.. يالها من روعة المشي في الصباح لا يدري بلذتها وحلاوتها الا من كان يوما سالكها ويوما مجربها.. وكثير من الاشياء في الحياة لا تستقيم بالوصف الا مع التجربة وكل شعبنا في الريف يدري ما أقول جيدا.. كانت وجهتنا هي الشمال الشرقي للجبل وكنا علي موعد مع الاشراقات وشفق الصباح الذي لاح من علي البعد ولاح.. صار يدقدق العين ويجبرها علي الرمش وكأنه يلاعبها.. اشراقات أشعتها متسللة من بين "التسس" والصخور أبداعية خالق لاينكرها أحد ولا يأتي بها أحد سرمدية أبدية نلحظها أحيانا وننشغل عنها كثيرا.. كل في تفكيره وسرحاته وفجأة صوت صباح الخير الذي كان في الطليعة يصيح عاليا "وقوووووووف.. أرتكز" وارتكز الجميع وأسرع أثنين ممن أشار عليهم بالصعود الي الصخرة المقابلة ونسمعهم يصيحون "من..من.. من" وبعد فترة نسمع "جبهة..جبهة" عم السرور وانشرحت الصدور وتلاشت لحظات التوتر.. كل شيئ جائز وكل شيئ وارد في قاموس الميدان والنضال... كانت مجموعة في طريقها الي العيادة المركزية ومعهم مرضي وجرحي تبادلنا معهم التحايا والعناق وكل واصل دربه وكأنه لم يحدث شيئ فعمر الأشياء في الميدان قصير ووجيز...لم يكن المكان بعيدا بعدها.. وعندما قيل بأننا وصلنا لم أري الماء الذي عنه كانو يتحدثون.. كان المكان كثيف الأشجار شديد الانحدار لا يظهر منه أي ماء لكن عندما تنزل المنحدر تتغير الصورة تماما.. ليس فقط ماء من عين صغيرة أنما شلال تتدفق منه المياه مدرارا.. قبل النزول الي المنحدر خاطبنا ود حاج علي قائلا أن مهمتنا هي أن نغرف الماء من الحوض كاملا وهو حوض كبير في شكل خزان شبه دائري تتدفق منه المياه شلالا في المنحدر العميق.. نزولا الي العمق العميق في الوادي البعيد.. كان مصحا عندما قال لي الشهيد أدريس عمر بأن أنام مبكرا فالمهمة لا تبدو سهلة لكن خبرتي بمسمر ومجموعته وكذلك بكل الشباب الحاضرة هنا ليس بمستحيل أمامهم أي شيئ ممكن فالعزيمة تجري مثل جري هذا الشلال المتدفق والارادة صلبة مثل هذه الصخور الصلبة وهذا الأنسان من هذه الطبيعة يطوعها كما يشاء حيثما يشاء... والسؤال البديهي لماذا نغرف الماء مادام هناك شلال منها يتدفق... ان السبب يكمن في ندرة الماء خلال الموسم الذي لا تهطل فيه الامطار ورعاة الماشية يعلمون جيدا كل أماكن تواجد الماء في الجبل وللذين لا يودون السفر بعيدا بمواشيهم الجبل أقرب اليهم وهو منطقة مخصصة للرعي يتقاسمون موارده مع الحيوانات البرية..تأتي المواشي لهذا المكان للشرب ومع تنافسها في الدخول والخروج من المكان تراكمت الأتربة وصار الطين ممزوجا مع البعر في الأطراف والرائحة قوية وجد كريهة لا يمكن تحملها.. تتوافد في المكان مجموعات كبيرة من الماشية وذلك لكبر الحوض مقارنة بالأماكن الأخري في الجبل.. رائحة البعر تكاد تقتلك بمجرد النزول الي المكان ومهمتنا ازالة تلك الرائحة وجعل الماء طاهرا طهورا قابلا للشرب وليس هذا فقط بل عند اكتمال تطهير الماء علينا بناء حوض صغير للماشية قريبا من المكان حيث لا نود أن تنزل الماشية بعد هذا اليوم الي الماء لتستقي منه مباشرة بل نود أن يستقوا من الحوض الذي علينا بناءه لهم..

الموقع شاعري مخفي بعيدا عن الطريق العام وعندما أقول الطريق العام لا أعني طريق سيارات فلا سيارة وطأت ارض دبر سالا منذ الأزل البعيد الي ذلك اليوم ولا أدري بعد ذلك ان كانت اي سيارة قد وطات ارض الجبل وبالطريق العام أعني طريق المارة... المكان رغم صوت الماء المتدفق لا يمكن أن تراه الا أن تكون عارفا للموقع مسبقا وكل الرعاة الذين يأتون موسميا الي الجبل يدركون مكانه... يصيح مسمر "هيا.. هيا كرو يا جماعه نبدا" ويعني انزلوا ولنبدأ... وفعلا وكما اراد ودحاج علي صرنا أربعة مجموعات متوازية اثنين من كل جموعة يقفان في الماء واثنين خارج الماء وينتقل الجردل "سكيلو" من يد الي اخري حتي يصل الشخص الرابع فيدفقه من العلو وهكذا بدات الماشينة الشبابية في الأنطلاق وعجلة العمل في الدوران وما أجمل تلك اللحظات.. غناءا ونكاتا وضحكا وعجلات الماشينة تذداد سرعة.. ياليت كان لنا حينها مسجل حتي نحتفظ بتلك الأصوات وهي تشدوا وتصدح باعذب الالحان وكذلك تلك اللحظات وصوت المجموعة كلها يعلو ويهبط مع "اوراتلا.. اوهمنا.. اوراتلا... اورمنا.. التوب الغالي... البنقالي... التوب العالي.. البنقالي.. اوراتلا.. أورمنا اوهمنا.." والحماس يذداد والجرادل الأربعة لا تتوقف.. جهد بشري جبار استطعنا خلاله في ان نغرف الماء من الحوض رغم تدفق الماء الجديد من أعلي وغايتنا أن نزيل الطمي المتراكم في القعر من الحوض وكان حمل الماء وغرفها أسهل من الطمي فالجهد اكبر والأمور تسير كما ينبغي ونود أكمال كل شيئ قبل مغيب الشمس وفعلا تركنا المكان مختلفا تماما عما وجدناه في الصباح الباكر وجهزنا الحوض الصغير وتركناه مملوءا بالماء حتي يسقي منه الرعاة.. أنطلقنا في العودة قبل الغروب مباشرة.. والكل في غاية السعادة والسرور بما أنجزنا من عمل كان في البرنامج عند الرحيل الي المعسكر الجديد.

ونواصل في الحلقة القادمة...

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 تجربة طالب أرتري ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الأرترية وهي في أوج تألقها وصعودها نحو انتصارات عظيمة.

Top
X

Right Click

No Right Click