الي دبر سالا الحلقة - الحادية عشر

بقلم المناضل الأستاذ: محمد عيسي المصدر: الرمال المتحركة

أتسيون حمد والمناضل عبدالله:

بدأ الاستقرار يدب في مفاصل المعسكر وبدأنا نسترخي في روتين حياتنا اليومي ومستجداتنا بين مجموعة وصلت وأخري غادرت

وحراسة وورديات وتناوب وانبساط متواصل مع أبوعفان وعبي والطرب علي نغمات التقرايت وبين هنا وهناك أنزل الي العيادة المركزية وأستمتع بالحديث مع مجموعة مختارة علي رأسهم الشهيد ادريس عمر الذي هو أكثر من موسوعة بل مكتبة وأكثر... كنت حقا أستمتع بأي حديث هو طرف فيه.. كان عالي الثقافة ومدرك لأدب الحديث فلا يثرثر ولا يقاطع يستمع اليك جيدا وعندما يتحدث تتمني أن لا يتوقف وأنا متأكد بأن كل الذين عاصروهو يكون لهم نفس الأنطباع أو أكثر... مواقف كثيرة جمعتني به وأكدت لي ذلك المعدن النفيس حيث كان يدرك مقام وموقع المسؤلية وكان يتصرف وهو مدرك لذلك.. أذكر ونحن في طريقنا الي دبر سالا كنا نستعين بالمواطنيين في كل قرية نصل اليها علي ايجاد جمل يحمل اثقالنا الكثيرة والتي أغلبها كان من الأدوية والمعدات الطبية وكانت الأمور مسهلة في الحصول على جمل من تلك القرية يأخذنا الي القرية التي بعدها وهكذا كانت الأمور حتي وصلنا الي احدي المواقع بها بيتين من السعف (بيوت الرحل)...وصلنا وأنزلنا أحمالنا من الجمل وشكرنا المواطن الذي أوصلنا الي هناك بجمله وولي عائدا من حيث أتي.. قضينا وقتا بتلك المنطقة.. أحضروا لنا نارا وماءا ثم أطعموننا عصيدة والي هنا كل شيئ كان عادي حتي سألنا ان يعطونا جملا يوصلنا للقرية القادمة وهنا أذكر جيدا كيف ثار المواطن وتطاير الشرر من عيونه غاضبا ورافضا اعطاء جمله حيث قال بأنه عاد لتوه من مساعدة مجموعة أخري من المناضلين وانه وأسرته تأخروا عن الركب في الرحيل من ذلك الموقع الموسمي بسبب ذلك والأن ليس بمقدوره عمل ذلك.. فحديث المواطن منطقي ومقبول لكن أمتعتنا كثيرة وسوف يصعب علينا حملها والمواطن كان يتحدث التقرايت بلكنة توحي بانه يتحدث البداويات وهذا ما فطن اليه احد من الرفاق وتدخل متحدثا مع المواطن بالبداويات وبعد خذ وهات من الحديث صار صوت الرجلين يتعالي والغضب صار باينا في عيون المواطن وفي نبرات صوته وفي تعالي انفاسه ومما فهمنا لاحقا بان زميلنا ذكر للمواطن بأنه سوف يرغم ان لم يفعل ذلك بالتراضي وهنا كان دور الشهيد ادريس المدرك والمقدر والمتفهم لظروف المواطن الذي اعان وفعل الكثير والكثير للمقاتلين قبلنا ورغم الحاحية موقفنا الا ان المواطن له الحق فيما قال وله الحق في الغضب عندما لا يجد التقدير فيما فعل ويرغم فيما لا يستطيل فعله.. تدخل الشهيد ادريس واخذ المواطن بعيدا عن اسماعنا وكما عرفت لاحقا ليس لاقناعه بمصاحبتنا الي القرية القادمة وانما للاعتذار له وطلب السماح منه لالحاحنا عليه وسؤاله فوق طاقته وعندما عاد الرجلان الينا وأثار الانبساط والسرور بادية علي المواطن وهو يدعو للشهيد كل خير وان يحفظه الله من كل مكروه.. كانت انبساطة من طرف المواطن وثمنها كان غاليا علينا حيث تحدث الينا الشهيد ادريس معاتبا بان المواطن وظروفه يجب ان تكون لب همنا ومبلغ تقديرنا وتكون دائما هي الأولوية وليس العكس لقد كان حديثا له ما بعده من تأثير وهنا مكمن ومربط المسؤلية... لقد حملنا ونحن نئن من ثقل حملنا الي أن وصلنا القرية القادمة حيث وجدنا هناك جملا بكل سهولة ودون أدني متاعب.. وهكذا كان الشهيد ادريس انسانا يقدم التضحية علي ان يجعل المواطن ضحية.. وكثيرة كانت المواقف التي تجعلك تحترمه وتقدره اكثر واكثر.

كل شيئ كما اسلفت كان عاديا وروتيني الي ان قدم الينا في ذلك الصباح المناضل عبدالله والذي لا أذكر اسمه الكامل لقد قدمه قائد الفصيلة علي أنه قائد مجموعتنا الجديد بدلا من المناضل عبدو الذي ورد ذكره في الصفحات الماضية.. وأكثر ما يشد انتباهك من الوهلة الاولي الي المناضل عبدالله هو أناقته الشديدة التي لم نتعود عليها في جو الميدان وحيث يذكرك ب "الابيس المدينة...جمع البيس" وهو مصطلح كان يطلق علي متأنقي المدينة.. وهذا "الألبيس" كان يخفي بداخله مقاتلا جسورا.. ان نظرتي للمقاتل تبدلت منذ ان جاء المناضل عبدالله حيث ولماذا لا يكون المناضل أنيقا وعلي قدر المستطاع ولماذا يكون رث الملابس ان كان ذلك بالمقدور..ان قصة المناضل عبدالله مثيرة للاهتمام حيث كان اولا في مجموعة الفدائيين في ضواحي كرن ولقد كان نشطا وذو علاقات واسعة مع المواطنيين ومدركا للمنطقة وكل تفاصيل تضاريسها ومنعرجاتها ثم بعد ذلك انتقل الي وحدة الهندسة بنفس المنطقة وهذه الوحدة هي التي كانت تضع الألغام في طريق مرور قوات العدو او عند ضرورة التخلص من بعض قواد الجيش الاثيوبي.. المناضل عبدالله كانت له سمات خصوصية تجعله يختلف من الجموعة في أشياء كثيرة... كنا نشرب الشاهي في "أذانيت" وهي كباية من الحديد المطلي بينما هو كانت له كباية خاصة من الزجاج وكان يغسلها جيدا ويلفها في شاش قبل يضعها في حقيبة ظهره.. كان نظيفا لأبعد الحدود بدأت علاقاتي به تتوطد تدريجيا وكان يحكي لي كثير عن المواقف والتجارب التي مر بها وكم من مرة يكون بين قاب قوسين أو أدني من الموت المحتوم وهكذا قصصه كانت تجزبني كثيرا لما فيها من الأثارة والبطولة وشخصيته كانت وحتي ملامحه كانت تذكرني بشخصية معروفة في مدينة كرن في أوخر الستينيات وأوائل السبعينيات "عبدو قرت" كان أنيقا يهتم بمظهره كثيرا لكنه في المقابل كان شجاعا جسورا لا يبالي في نزال جنود العدو السكاري... المناضل عبدالله عندما تنظر اليه يخيل اليك بأنه هو عبدو قرت نفسه دما ولحما.. ذات مرة وفي ذلك الصباح الندي ونحن جالسين نشرب في الشاهي امتد الحديث ليصل الي تلك العملية التي قامت بها وحدة الهندسة بالقرب من قرية أتسيون حمد في ضواحي مدينة كرن... قال حولي الشهر ونحن مرابطون بتلك النواحي نسجل في المعلومات متي يصل القطار الي المحطة وكم يمكث ثم متي يتحرك متجها الي أغردات مارا بالقري الأخري في الوسط.. قال جمعنا كل ما يهمنا من تفاصيل عن العاملين بالمحطة وبالقطار وعن مواعيد مرور القاطرات الأخري حيث كانت اللترينة تمر بالصباح (قاطرة بعربة واحدة) وسجلنا كل المعلومات وكنا في غاية الحماس ننتظر وقت الصفر للقيام بالعملية كما كان لنا متعاونين يعملون في المحطة وعند يوم الصفر كانت الخطة جاهزة وكانت تقتضي بأن نذهب في وقت مبكر الي المكان المحدد والذي كان قريبا من قرية أتسيون حمد واخراج القضيب من مساره في اتجاه المنحدر الذي كان حادا.. يقول فصلنا القضيب باخراج الصواميل الكبيرة التي تربط القضيب في فلكات الحديد ثم حنينا القضيب تدريجيا تجاه المنحدر وتطلب منا ذلك العمل جهد عضلي شاق وبعد أن أدينا ذلك انتقلنا الي المحطة وأنتشرنا بها وقطعنا كل خطوط الاتصال وكان دور المتعاونين من العمال كبيرا جدا في أن تتم العملية بهدوء تام حتي وصل القطار جارا عرباته وتوقف وكل شيئ يسير بنفس الروتين الأعتيادي والبنات والاولاد من الباعة يتصايحون "قلو قلو.. عتر عتر.. هيا زيتون.. هيا زيتون" والحريم يبعن "الزنابيل والمشارف" أي السلال والهبابات.. قال في لحظات وكنا قد سيطرنا علي القطار وأنزلنا جميع من فيه من الركاب والعمال وطلبنا من السائق أن يحركه ليسير لوحده وهكذا فعل وأنطلق القطار الي رحلته الأخيرة أوقل الي مقبرته حيث وصل الي الموقع الذي فصل فيه القضيب وتدحرجت القاطرة الي الهاوية لتتبعها العربات وقال هاكذا شهدت أتسيون حمد بقدرة الثورة علي أختيار المكان والزمان ونوعية العملية وكان ذلك تحد كبير للعدو الذي لم يكن يبعد سوي عدة كيلومترات قليلة من المحطة.. قال تمت العملية دون أراقة قطرة دم واحدة وكانت للعميلة صدا محليا ودوليا.. وأردف قائلا بأن سر نجاح العملية كان يكمن في التعاون الكامل للمواطنين مع الجبهة وللتخطيط السليم للعملية.. ياله من صباح ممتع تشرب فيه الشاهي وتستمتع بسماع القصص البطولية من المناصل عبدالله...

ونواصل في الحلقة القادمة...

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 تجربة طالب أرتري ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الأرترية وهي في أوج تألقها وصعودها نحو انتصارات عظيمة.

Top
X

Right Click

No Right Click