أيام لاتنسى من ذكريات المناضل محمد علي إدريس ابو رجيلا - الحلقة الحادية عشر

إعداد: جبهة التحرير الإرترية

قصة المناطق العسكرية: كانت تجربة المناطق العسكرية من ثمار التجربة الجزائرية وثورتها التي كانت تخوض معركة تحرر وطني

محمدعلي إدريس أبو رجيلة

شرسة ضد الاستعمار الفرنسي الذي أخذ في بعض أوجهه الطابع الاستيطاني والاستئصالي للثقافة والقيم الوطنية والقومية الجزائرية وبالفعل كادت أن تتلاشى هوية الشعب الجزائري والتي لاتزال أثار فعلها تمتد حتي اليوم، تأثرت قيادة الجبهة التاريخية ممثلة في المجلس الأعلى بتلك التجربة الفتية التي كانت معركتها الكبيرة تدور في تلك الأيام وكانت علي أبواب النصر في الوقت الذي ونحن نؤسس فيه لاندلاع ثورة شعبنا الإرتري وقبيل تطبيق التجربة علي ميدان الواقع الإرتري حسمت جبهة التحرير الوطني الجزائري المعركة علي الأرض ما أجبر فرنسا للدخول في مفاوضات مباشرة مع قيادة الثورة وأقرت بالحقوق الوطنية لشعب الجزائر وانسحبت قواتها من البلاد.

وكان ذلك النصر الكبير الذي حققه الجزائريين عالقاً في أذهان قادة ثورتنا فقرروا إتباع نمط تجربة الولايات العسكرية الجزائرية دون دراسة للتجربة في بلادها لمعرفة إيجابياتها وسلبياتها الفوائد والعثرات لتجسيد تجربة تلاقي سلبيات التجارب الأخرى كما لم يتم تبني التجربة بعد دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الإرتري، بل جاء القرار القاضي بتطبيق تجربة المناطق العسكرية وفي مطلع أغسطس 1965م طبق علي الأرض وقسمت البلاد علي أربعة مناطق عسكرية ثم ألحقت المنطقة الخامسة في نوفمبر 1966م.

وأنا لم أقل من العيب الاستفادة من تجارب الآخرين ولكن لازلت عند قناعتي بعدم التفكير والعمل بمنطق هؤلاء فعلو كذا ونجحوا فعلينا أن نفعل مثلما فعلوا وينسى أن لكل بلد وشعب خصوصيته التي يجب حسابها عند إتخاذ قرارما ومن هذا الباب أتطرق للأمر ومع كل ما يقال عن تجربة المناطق فان العمل كانت له جملة من الإيجابيات التي لايمكن تجاوزها أو إغفالها لأننا لم نكن على توافق معها أو إختلفنا مع التجربة أو الجبهة برمتها.

إيجابيات التجربة:

• مكنت تجربة المناطق توسيع رقعة انتشار الثورة وجذبت إليها أعداد كبيرة من المناضلين من المدن والأرياف كما وسعت من أعداد الملتزمين بخط النضال وزادت من أعداد العضوية الملتزمة بدفع اشتراكاتها وتبرعاتها بانتظام والاشتراك هو معيار للولاء والالتزام وبدون التقيد بة لايمكن للعضو أن يقول أنا أنتمي لهذا التنظيم أبداً وهو عنوان للوعي والإيمان بالأهداف التي تناضل من أجلها وهو أداة تمويل الثورة لتحقيق الأهداف وقد وصل شعبنا لدرجة عالية في الالتزام بالاشتراكات بل وكان يدفع أكثر عبر التبرعات وكان لأهل الريف والرعاة الدور الكبير في دعم الثورة وبقائها وخاصة منطقة الانطلاقة الأولى التي دفعت ثمناً غالياً جدا، أستطيع أن أقول أنهم من بين أسباب نجاح الثورة وإستمرارها وتصاعدها وخاصة في سنوات العسرة.

• خلقت في هذا المرحلة بنية جماهيرية قوية جداً وواسعة علي طول إرتريا وعرضها وكانت تتسع باستمرار وكانت في بعض مواقعها قوة فاعلة سياسياً وإقتصاديا وإجتماعياً قوة رافدة للثورة قولاً وفعلاً عملت في أخطر المواقع من أجل إنتصار الشعب الإرتري المظلوم وقضيته العادلة وقدمت عشرات الشهداء.

• فصلت الثورة في هذه المرحلة وبشكل نهائي تقريباً كل عمليات التقاضي في مختلف التشكيلات وسحبتها من المدن والمراكز إلى الريف حيث الثورة والثورة، وكان الغرض فك الارتباط بأجهزة التقاضي التي أنشأها العدو الإثيوبي وحرمانها من موارد التقاضي والرسوم وإعطاء رسالة عدم اعتراف بهذه المؤسسات وهز هيبتها وهيبة الاستعمار المشرف عليها حتى لم يبق للحكومة الاستعمارية سوي ملفات العقارات وتصاريح التنقل ومشكلات البارات والمقاهي وبعض سفا سف الأمور، وكان أبناء شعبنا لفرط تعلقهم بالثورة ومحبتهم لها كانوا يقبلون حلولها رغم أن بعضها لم يكن أكثر من طبطبة ومع ذلك لم تكن المشكلات تظهر مرة أخرى.

• قوت الثورة الارتباط الشعبي مع أشقائنا أبناء الشعب في السودان وإستفادت من وجود القبائل المشتركة والتي تعـيش في شـمال وغــرب إرتـريا وشرق الســودان وقــوت من منا فذها غير المنظورة للحكومات السودانية التي كثيراً ما كانت لها مواقف معادية وسلبية في أحسن الأحوال سلمت مناضلين أعدمتهم السلطات الاستعمارية الإثيوبية وضيقت على مناضلينا وطاردتهم وحكمت على العشرات منهم بالطرد ورمتهم على بوابات الحدود عرضة لخطر إبادتهم من العدو، في تلك الفترة إستفادت الثورة من الأصول والأنساب وحداثة الحدود في أذهان الأسر والقبائل التى قسمتها حدود الاستعمار الأوروبي بلا رحمة ودون إعتبار لمصالحها ووحدتها الإثنية وكانت عامل حماية للكثير.

• شنت الجبهة في تلك المرحلة عشرات المعارك الحربية في طول البلاد وعرضها بل وعلي العديد من المدن والبلدات والمراكز ووضعت العديد من المواقع النائية خارج قبضة العدو نهائيا بل وفرضت علي العدو التراجع والقتال بأفواج كبيرة كان يسهل علي الثورة وضع الكمائن في طريق حركتها البطيئة والانقضاض عليها وسلب عتادها.

• بسطت الثورة سيادتها وأخذت توسيع من نطاق السيادة بالتدريج حتى أضحي مناضلي شعبنا المشادة في الريف الذي أجبر العدو للخروج إليه علي شكل قوافل والتى كانت تتعرض للهجمات أثناء السير والعودة خلقت تلك المرحلة كادراً عسكرياً إتسم بالتجربة العسكرية القتالية العالية وخاصة في حرب العصابات كما أنشأت كوادر في الاستخبارات والأمن والتمريض والاتصالات وكانت تتوسع في هذا المجالات بالاستمرار.

سلبيات التجربة:

• لم تقم التجربة علي دراسة تفصيلية للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتركيب القبلي والديني وأثره السالب والمحتمل علي التجربة ووضع الحلول للمشكلات المحتملة أو التى قد تنشأ وللأسف الشديد أخذ البعض يفسر الامور بأبعاد مناطقية وقبلية لم تكن مبرأة من النوازع والرغبات الذاتية كما إستغلها البعض في صراعاتهم الذاتية ونفخوا في تلك التفسيرات وأعطوها أبعاداً لم تكن في ذهن من خطط لمشروع المناطق العسكرية وفهم البعض أنها أداة إبعاد لأفراد وشرائح معينة ولم يكن الأمر صحيحا أبداً ولكنها أستغلت فيما بعد لتهيئة أرضية الانقسام في جسم الثورة ولكن وإذا ما أمعنا حول المكلفين بالمهام القيادية في كل منطقة لوجدنا أنها غطت كل التركيب الاجتماعي والديني الإرتري بشكل شبه تام ولكن هذه النظرة السلبية إستمرت وتصاعدت وكان يغذيها بعض أصحاب المآرب والأغراض والمتضررين في مختلف المراحل انتشرت في تلك المرحلة وإسقاطاً علي ما سبق الحزازات كما إستفحلت المنافسات غير المسؤولة بين مختلف المناطق كما أنتشر التفاخر بوجهه السلبي.

• دخلت هيئة التدريب والقوة المساعدة طرفاً في تلك الصراعات المفتعلة بدلا من أن تبقي هيئة لتدريب جميع مقاتلي الثورة من مختلف المناطق وكان الآمر انعكاساً لمعاناتها في فقدان التمويل والإمداد فأخذتا تجمعان الاشتراكات والتبرعات، للواقع السابق كان يؤخذ من المواطن أكثر من اشتراك مما خلق للمواطنين معاناة وأخذة الحركة باتجاه جمع الاشتراكات والتبرعات بعداً قبلياً كان له أثره السلبي ونسي هؤلاء أن أي إنسان له أهلة وقبيلته كما لهم وكان أمراً مضراً بالثورة والنضال.

• تحول قادة المناطق إلى أمراء في مواقع إدارتهم وانعزلوا عن بعضهم البعض بل وبرز اتجاه إغلاق المناطق في وجه رجال المناطق الأخرى وأخذ البعض يطارد أية قوة تأتي لمنطقته وأخذت تبرز تأسيسا علي هذا الحال.

• كانت بعض المناطق فقيرة من حيث مواردها الذاتية سواء لفقر المواطنين أو لتغلغل العدو فيها أو لقلة أعداد الملتزمين بالثورة فيها وكانت على رأس المناطق التي عانت الأمرين المنطقتين الخامسة والثالثة بينما كانت مناطق أخرى غنية لدرجة الزيادة عن الحاجات الأساسية، وكانت على رأس المناطق الغنية جداً المنطقة الرابعة التي كانت تجد تمويل مواطني المنطقة وكذلك تمويل العاملين في السعودية والخليج والعاملين في المراكب والسفن البحرية كما كانت المنطقتين الأولى والثانية اللتان كانتا من أكبر مراكز الثورة إتساعاً من حيث القواعد الجماهيرية الداعمة للثورة ولهذه الأسباب كان هناك إختلافاً في أوضاع الجنود القادمين من المناطق مما خلق حزازات ومرارات بين المقاتلين أنفسهم وكان بعضها متوهم ولا أساس له ولحسن الحظ فإن المسألة بالنسبة للجنود المجازين والمرضى قد حلت إذ تولت القيادة الثورية مسؤولياتهم وأوجدت لهم مقراً وكانت تمنح الجنود شلناً (5 قروش) في اليوم ثم رفع لريال (10 قروش) فيما بعد كما كانت تزيد المبلغ لمن لم يكن لهم أهالي ومعارف لخمسة وعشرين قرشاً لمقابلة بعض الاحتياجات وعبارة معارف كانت تعني في ذلك الوقت أيا من العائلة أو القبلية.

• لم يكن بين المناطق تنسيق في شن العمليات القتالية وهذا الأمر لم يمكن من الإسعاف المتبادل بين الوحدات العسكرية وكان في بعضها يتوقف الأمر على القادة المباشرين للوحدات العسكرية ومبادراتهم الذاتية لهذا كانت كل منطقة تواجه قدرها وحدها.

• كانت لكل منطقة مشاكلها الخاصة بها وفي بعض الأحيان كان البعض من قيادة المجلس الأعلى يتدخل ويفتعل مشاكل وكان دافعها إيجاد مراكز نفوذ، لهذا نشأة مشكلات من بنات أفكار أولئك القادة وبعض الكوادر المتطلعين لمواقع نفوذ تحت أي شعار كان فنشأة مشكلة ما سمي بالكسر في المنطقة الأولى أو مشكلة ما سمي بالساحل في المنطقة الثانية وكان البعض يغذي تلك الأطروحات بقوة بهدف التنفذ الشخصي على حساب المواطنين. كما نشأة بذور مشكلات أخرى صغيرة وشخصية.

• أخذت القيادة الثورية تتفرج على كل تلك المشكلات التي كانت تنخر في جسد الثورة بحجة أنها وقادة المناطق متساوون في الصلاحيات وجهة التكليف فلا سلطان لها عليهم ولهذا فقد ركزت جل جهدها في عملية تسريب وتوزيع السلاح كما كانت تساهم مع المنطقة الخامسة فقط لأنها الجهة التي ساهمت مع قيادة المجلس الأعلى في إنشائها، كما كانت تقوم بتنظيم وتعبئة الجماهير وخاصة في ساحة السودان وتتابع العمل الاستخباري وتتابع أوضاع الجنود المجازين الصحية والمعيشية والمعنوية ومع كل ما سبق فقد تعرضت القيادة الثورية لمرحلة قاسية من المطاردات الأمنية من السلطات السودانية بطلب من حكومة العدو بلغت حداً قاسياً جداً دفع بالقيادة الثورية للعمل تحت الأرض وفق قواعد العمل السري المتعارف عليها لهذا إختفت عن المسرح العلني لفترات طويلة وخاصة عامي 67، 68 الذي ضيقت فيه حكومة الأحزاب على ثورة شعبنا وتزامن هذا التضييق مع الضغط الهائل الذي مارسه العدو وإرتكابه لأفظع المجازر من أجل وأد الثورة وكان لهذه الفترة أثرها السلبي الكبير على الثورة وفاقمت من مشاكلها ودفعن هذه الأوضاع وغيرها بالمناضلين للبحث عن مخارج وحلول لمشكلات الثورة وبدأت مسيرة البحث عن حلول بل ومسيرة إلغاء المناطق العسكرية وتوحيد مركز توجيه وقيادة جيش التحرير وعموم الثورة وكانت لهذه التحركات ثمارها الإيجابية والسلبية والتي سنتعرض لها إنشاء الله.

تـابـعـونـا... فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No Right Click