قصة هروبنا من سجن ماركاتو - الحلقة السابعة

بقلم المناضل: عبدالله حسن

المحاولة الخامسة الناجحة والأخيرة للهروب: في هذه الفترة نحن قمنا بدراسة وإعداد أشياء كثيرة. ومن الأمور الأساسية، تحصلنا في

حائط الغرفة علي سلك كهربائي خالي من الكهرباء وقطعنا منه جزء بسيط واستطعنا ان نستفيد منه في فك القيد بدل الخيط القوي المتين الذي لا نستطيع لقاءه والذي ذكره تسفاي في حكاياته عن لصوص الجمال.

باب الزنزانة

كان السلك قوي وسريع وبهذا تمكنا من حل مشكلة فك القيد. وحتي لقاء هذا المفتاح أي فترة قيامنا للمحاولة الأخيرة لم تفارق ايادي كابلي القيد. وكان يسمي كابلي للقيد ”توكات رودان ربطها بلأشعار التي كان يرويها لي وفيها هذا الاسم ”توكات رودان“. ورودان هو اسم حبيبة الشاعر وتوكات تعني حلي تدعها النساء في الأيدي.

وعملية البحث والدراسة لم تتوقف وعندما نلقي فرصة كنا نقوم بمتابعة أحوال الحرس، أعدادهم، أسلوب حراستهم، ونقوم ليلا ونهارا بدوريات المتابعة بالدور حتي أثناء النوم إلي وقت الشروق او عند الخروج من الزنزانات للشمس او اي فرصة اخري ونتابع الأصوات او أي حركة او انوار الخ. وفي داخل السجن ايضا كنا نبحث عن مواقع ضعيفة يمكن حفرها، وأي شيئ يفيد للحفر. واخيرا قررنا القيام بمحاولة سريعة قبل ان يأخذوننا الي سجن سمبل او يتخذوا أي خطوات اخري. وخطوتنا الاخيرة تمت تقريبا قبل مضي عشرة ايام علي خيانة عبليلوم.

بعد تلك الدراسة وقع اختيارنا ان نقوم بحفر اطراف شباك حمام الزنزانات. واخترنا ذالك بعد ان تأكدنا من ان اطراف هذا الشباك مبني بالطوب الأحمر. أدوات الحفر كانت أولا القيود الحديدية التي كانت في يدنا وهي ادوات جيدة مساعدة للحفر عند فتحها، وثانيا مسمار اكبر بقليل من المسامير التي تحصلنا عليها قبل هذا، وثالثا وهاما هو المفصل الذي كان يسميه كابلي كلاشنكوف ودوره فعلا كان لا يقل عن الدور الذي يلعبه الكلاشنكوف في المعركة وهو مفصل حديدي لأحد أبواب الزنزانات طوله حوالي أربعين سنتمتر طرفه حاد يشبه الإزميل لحفر الخشب. كل ابواب الزنزانات لها مفاصل مماثلة وجميع المفاصل مثبتة في الباب الخشبي بحديد قلاووظ وصامولة. وبعد تثبيت الصامولة، الحديد داخل الصامولة مضروب بالشاكوش لمنع خروج الصامولة. ومن خلال التدقيق لحسن الحظ لقينا بان احد صواميل الباب لم يكن مثبتا أي مضروبا بالشاكوش. ولذا كنا نقوم بفتح او تحريك الصماويل كل ما نلقي الفرصة وكانت جاهزة ليوم العملية. وصادفتنا صعوبات لتجهيزها وذألك بسبب الخوف من اريفايني لكي لا يشاهدنا وكنا نحرسه باستمرار ولضرورة الاختفاء من القادمين الينا من الخارج ايضا وهكذا فتح الصماويل هذا اخذت مننا فترة لا تقل عن ثلاثة ايام.

أبواب الزنزانات التي كنا فيها أثناء الليل تقفل بالطبلة من الخارج. وعليه للخروج من داخل الزنزانة يتطلب اولا كسر طبلة الباب والكسر يتم من خلال ادخال اليد عبر الشباك أي الفتحة الصغيرة الموجودة في الباب. والزنزانة التي كنا فيها المسافة بين الشباك وطبلة المفتاح الموجودة في السقاط كانت بعيدة بحيث يصعب وصول اليد فيها عند إدخالها عبر الفتحة. ولهذا اجبرنا لنطلب التغير إلي تلك الزنزانة التي كانت أمامنا لان المسافة بين الفتحة والطبلة قريبة جدا. اذا تقدمنا نحن بهذا الطلب أي كابلي وانا سوف يشكوا في امرنا وعليه طلبنا من اريفايني ان يطلب من ناس شمبل باشا عندما يأتوا الينا لتغييرنا في تلك الزنزانة بحجة انها دافئة وكان فيها كابلي قبل قدومه الينا، وقلنا له احسن ان تطلب منهم انت لانهم يكرهوننا ووافق معنا. ولكن عندما أتي شامبل باشا اياسو في الصباح سكت اريفايني ولم يقدم الطلب وانا اضطريت ان اتحدث معه وقلت له هذه الزنزانة بردها شديد وتلك التي أمامنا احسن أي ادفأ منها بقليل ونرجوا تغيرنا فيها. ولم يرضي طلبي هذا وقال ”ابدا ابدا ! كونوا في مكانكم وحاول الذهاب، وانا قلت معليش لا يهم نحن لم نعتقد لدرجة انه لا يسمح لنا تغيير زنزانة بزنزانة أخري. واعتقد تأثر بكلامي هذا، وتوقف ثم رجع ودخل الزنزانة التي كنا فيها والقي عليها نظرات ثم دخل الزنزانة التي طلبنا فيها الانتقال وتفحص حائطها جيدا. أولا الحائط مهما يكن مقشور فهو قوي ومن الصعب التفكير فيه ثانيا نحن همنا لم يكن في الحائط بل في فتحة الباب ولم يعلم ذالك شامبل باشا. وعلي جدارالزنزانة التي نحن فيها بعض الأماكن المقشورة واما التي نريدها طلائها يلمع واعتقد شامبل باشا عندما رأي ذألك اطمأن وقال ارفعوا أغراضكم وادخلوا فيها وكان الانتصار!!!

ولكن حتي لو تمكنا الخروج من الزنزانات لازلنا سنكون داخل السجن وداخل حوش أخر فيه غرف. ومن خلال متابعتنا تمكنا ان نعلم بان السور الذي يحيط بالسجن في الداخل طويل جدا ومن الصعب ان نلحقه. ولاحظنا في الاتجاه الجنوبي توجد غرفة تتصل مع الصور الخارجي بواسطة حائط يربطها معه وفوقه أسلاك شائكة وفي وسطه باب للمرور. وحرس السجن يقومون بالحراسة داخل السجن مع التركيز علي مواقع هامة فقط. ولم يقوموا بالمرور فوق السور كما كانت تفعل شرطة السجون. نحن فقط ممن يتخوفون منهم داخل هذا السجن ونحن مقيدين وداخل الزنزانات. ولذا انشغالهم بنا كان ضئيلا وجولاتهم كانت نادرة.

ولحسن الحظ بعد ان انهينا جميع استعداداتنا تم تغيير حرسنا القديم بحرس جديد من الكوماندوس. وبحكم انهم جدد ولم يتعرفوا علي احوال السجن كانت هذه فرصة مساعدة كبيرة جدا. ونحن أيضا قمنا بالعملية دون تأخير. والشيء الوحيد الباقي من الاستعدادات كان موضوع زميلنا اريفايني لأنه لم يعلم أي شيء عن ما نفعله او نفكر فيه. وبخصوصه اتفقنا ان نطلعه علي مهمتنا لكي يخرج معنا وتحديد ما يمكن فعله عند الرفض و قررنا أن نحاول معرفة رايه حول الخروج قبل مكاشفته. وبحكم إنني كنت زميله في اكثر الأوقات قمت أنا بهذا المهمة. وفي أوقات الليل في الزنزانات كانوا يعطوننا علب صغيرة للتبول فيها وارفايني كان يصعب عليه البول بوجودي معه في الزنزانة، وكان يقول لي أنت ساحر أنا لا استطيع أن أبول أمامك. وانا استثمرت هذا الشيئي وقلت له أنت تسميني ساحر ولكن لعلمك أنا ساحر حقيقي وممكن أن أحولك إلي نملة تزحف في الارض وتستطيع الخروج من السجن، او ممكن احضر هنا مفاتيح الباب او أدوات الحفر الخ. وأخرجك من السجن وهل تخرج اذا فعلت ذالك ؟ افتخر وقال ” انا ابن تخلي ” لو فعلت ذالك لم انم ليلة واحدة في هذا السحن !! وهكذا علمنا عموما له إرادة للخروج من السجن.

وفي يوم العملية المحدد قررنا إدخال الكلاشنكوف في زنزانتنا. وبعدما فتحت ابواب الزنزانة كالعادة ادخلنا الكلاشنكوف في المساء قبل ان يشاهدنا اريفايني ووضعناه تحت الفراش. وعندما حضر عبليلوم لقفلنا في الزنزانة شاهد فأرة عند دخوله من الباب وجري ورائها عبر الممر (الكوريدور) الي اتجاه الزنزانة التي اخرجنا منها المفصل ولكن لم يستطيع اللحاق بها ورجع الي اتجاهنا وقفل علينا الباب. عندما جري عبليلوم وراء الفأرة نحن كنا في حالة خوف وفزع شديد لكي لا تدخل الفأرة في الزنزانة التي أخرجنا منها المفصل ويكتشف امرنا ولكن الحمد لله تغير خوفنا إلي فرح. وبهذه المناسبة في حديثنا (ونستنا) مع كابلي بعد خروجنا من السجن كنا نتذكر تلك الحادثة ونقول لو اكتشف امرنا بسبب تلك الفأرة وفشلت خطتنا وحكم علينا بالسجن، ثم لو خرجنا من السجن بعد انتهاء فترة حكمنا، ماذا كنا نفعل بتلك الفأرة التي أفشلت خطتنا ؟ وكنا نرد ونقول لأعلنا بقتل الفئران طول حياتنا عقابا بما فعلته بنا تلك الفارة ونضحك.

وفي الوقت التي كانت استعداداتنا مستمرة كنا نناقش بخصوص عملنا كثيرا وكنا نذكر من ما قاله ماو في كتيب صغير بعنوان أقوال ماو ونقول قال ماو عندما تنوي أن تحقق عمل ما، اذا لم تنجح في المرة الأولي تنجح في الثانية واذا لم تنجح في الثالثة واذا لم تنجح حتما تنجح في الرابعة …. ونذكر أيضا قصة الرجل العجوز الذي أراد إزاحة الجبل الذي كان عائقا أمام سفره في محيط قريته وعقد العظم علي ذألك ثم بدأ يهدم جزء من الجبل يوميا وواصل عمله دون يأس حتي استطاع إزاحة الجبل بالكامل. وكنا نقول أيضا قال ماو اذا مهدت لأي شيء أرضية مواتية سياسيا، واقتصاديا، وامنيا الخ. يتحقق الهدف. ثم نرجع في أمورنا ونقول ان امرنا له أرضية من الناحية الاقتصادية، والصحية، والأمنية، والعسكرية ونقوم بتقييم عملنا علي شكل مزاح. وكلمة الصحية هنا مننا لم تكن من أقوال ماو.

وهكذا ادخلنا كل الأشياء معنا، وقفلنا عبليلوم في المساء وذهب. يوجد نور داخل زنزانتنا ومفتاح النور يوجد في الاتجاه الخارجي للزنزانة وعادتا اريفايني تخلي هو الذي يطفئ لنا النور ويضويها بإدخال يده عبر فتحت الشباك لأنه غير مقيد. وبعد ان أطفئ اريفايني النور ورجع في فراشه وكان الوقت حوالي الساعة التاسعة مساءا قمنا مباشرتا نحن الاثنين وولعنا النور بنفسنا ووقفنا في رأسه. وكان هذا بالنسبة لاريفايني مشهد مدهش ومفزع. وقام من نومه يقول ماهذا ! ماهذا ! وهو في حالة فزع. وفعلا مسألة أن تري زميلك الذي كنت تراه معك دائما مقيدا ولفترة طويلة، ينوم وهو مقيد وبعد إطفاء النور فجأتا يقف في رأسك وهو طليق اليدين قبل أن تراه وهو يفك قيده، ليس بالأمر السهل وليس مدهش فقط بل مفزع جدا.

كما أشرت سابقا نحن قمنا بمحاولة معرفة إرادة اريفايني للخروج. وعلمنا عموما بانه يريد الخروج ولكن قبل ان يأتي وقت التنفيذ لا يمكن تأكيد الأمر وعليه قلنا نعرض اليه الأمر عند الشروع في التنفيذ واذا وافق أهلا وسهلا واذا رفض قررنا أن نجعله غير قادر لإخراج الصوت قبل ان نلحق به ضررا شديدا اذا حاول التبليغ بأمرنا. وهكذا وهو في حالة الفزع قلنا له لا تخف نحن إخوانك وبحوزتنا كل ما نحتاجه للحفر والخروج وسوف نخرج من السجن واذا خرجت معنا سوف نوصلك إلي مكان تختاره. واعتقد لم يشجعه الأمر وقال انا موافق ولكن اطلب ان نأجل الموضوع إلي وقت أخر للتشاور. ونحن هنا لم نريد أذيته وقلنا له التأجيل غير ممكن ثم اذا حاولت أن تطلق أي صوت فنحن لا شيء ننتظره هنا إلا الموت ولا يهمنا لو قضينا عليك ولم ننجح وحظرناه بشدة. وطلبنا منه أن يقيد بصمت وقلنا له نحن إخوانك ولا نريد إيذائك. ومع انه في الأساس لم يكن لنا أي نية لإيذائه كان الكلاشنكوف مهيئ في يدنا وعلي استعداد تام لاتخاذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة. ولكي لا يخاف كثيرا ويتشجع أيضا قلنا له زملائنا موجودون خارج السجن في انتظارنا. وابدي استعداده للسكوت ثم قطعنا الملايات وقيدناه قبل ان نقفل فمه وكنا نحرسه الواحد تلو الأخر حتي نهاية الحفر.

ملاياتنا أيضا كانت من ضمن أدوات الحفر الأساسية لنا. تناولت انا القيد المفتوح وأدخلت يدي عبر الفتحة الصغير للباب و أدخلت القيد داخل الطبلة المقفولة به الباب من الخارج ولويتها بقوة وبعد دقائق تكسرت الطبلة وفتحنا الباب. وأتذكر الطبلة كانت متوسطة صناعة هنغارية لونها اخضر. غفلنا الباب كما كان حتي الطبلة مع أنها مفتوحة وضعناها في مكان السقاط واطفينا النور وأخذنا معنا اريفايني ودخلنا داخل حمام الزنزانات لنبدأ الحفر. الشباك يوجد في مكان عالي من الحائط ويصعب حفره بارتياح وعليه فصلنا باب الحمام من موضعه ووضعناه تحت الشباك وكنا نتسلق عليه ونحفر. وكما ذكرت سابقا لم نريد تكميم او قفل فم اريفايني ولذا عندما يحفر احدنا كان يحرسه الثاني وهكذا استمرينا في الحفر. خلع البياض من سطح الحائط اخذ مننا وقت ولكن محيط الشباك كله كما توقعنا كان من الطوب. وحجم الطوبة الواحدة يصل إلي حجم طوبتين هذا الزمن. ولإزالة الرملة والجير الذي بين الطوبتين أيضا بالمسمار وأدوات أخري ثم تحريكه وخلعه بواسطة الكلاشنكوف أيضا اخذ مننا وقت طويل.

ولكن بعد خلع طوبة واحدة وان لم يكن كما توقعناه سهل جدا تمكنا من إخراج طوبتين وثلاثة... وعندما ظهرت فتحة يمكن ان اخرج منها انا لأن كابلي حجمه كان اكبر مني رأيت الحفر من الخارج سيكون اسهل وحاولت الخروج من الفتحة بعد أن بلغت كابلي. وبينما انا خارجا ممسكا بسيخ الحديد المغروز في وسط الشباك خلع السيخ بسبب خروج الطوب وغيره من المواد التي كانت حوله ووقعت في الحوش الذي كان في الاتجاه الشمالي من قاعتنا. وانا لم أشعر بأي شيء مع أن المسافة كانت حوالي ثلاثة امتار.وما علمناه هو بأن الزنزانات في الداخل عالية وكنا نعتقد خارج الغرفة أيضا عالي. ثم لم نتنبه من أن الفتحة توسعت ولحسن الحظ لقيت خط أنبوبة المياه قديم بدون مياه متجه إلي حمام الزنزانات وصعدت ممسكا به اتجاه النافذة لمواصلة الحفر وبعض وصولي فوق قريب للفتحة شعرت بتعب وقلت لكابلي أنا شاعر بتعب وعليه سوف ارتاح دقائق وأواصل ونزلت قبل أن أشاهد الفتحة وبينما كنت جالسا متكأ في الحائط داخل الحوش اعتقد الحرس سمع صوت وقوعي ورأيته واقفا في باب الحوش الموجود باتجاه الشرق وكان علي مسافة 30 متر تقريبا. وربما لم يشاهد أي شيء وبعد دقائق رجع إلي الوراء. وانا تحركت لكي أشاهده هل ذهب بعيدا أم لا وعندما وصلت بقرب الباب رجع الحرس فجأتا في نفس الباب ووقفت أمامه مباشرتا.

وقال لي أين مكانك ؟ ولأنني اعلم بأنه جديد ثم الغرف الموجودة في الحوش خالية من المساجين ولكن الأنوار في معظم الغرف مضيئة وخط الكهرباء واحد مع الاتجاهات الأخرى. وعلمت أيضا بانه يعتقد المساجين يتواجدون هنا ولذا قلت له، أنا ! موجود هناك ! وواصلت تحركي إلي اتجاه الشمال نحو غرفة كانت أمامي. وكنت أتوقع قدومه ولكن لم يأتي. وتأكدت بانه خرج من الحوش وذهب إلي اتجاه أخر. بعده ذهبت إلي اتجاه النافذة المحفورة وشاهدت بان الحديد الذي كان في وسط النافذة وبعض الطوب وقع أثناء وقوعي وهو شيء لم أتنبه له والفتحة توسعت بما فيه الكفاية. ناديت كابلي وقلت له هل سمعت حديثنا قال لي نعم وقلت له هذا مع الحرس ولكن لم يعلم أي شيء، ثم الفتحة توسعت وعليه مطلوب أن تكمم فم اريفاني وتنزل بسرعة. وكابلي كمم فم اريفاينيي بقطعة من القماش، ونزل بسرعة ممسكا بأنبوبة المياه. وبينما نحن متجهين اتجاه ذالك الباب رجع الحرس ووقف في نفس الباب ونحن بهدوء ودون ان نظهر أي انزعاج واصلنا سيرنا وتوجهنا إلي احد الغرف ودخلنا فيها، والغرف كلها مفتوحة وكانت هذه الغرفة مظلمة ولم يكن فيها نور. وقررنا أن نضربه ونأخذ سلاحه اذا قدم الينا ووقفنا في جانبي الباب انتظارا لقدومه ثم نواجه ما يحدث لاحقا حسب الأحوال. وكنا نسمع تحركه ولكن لم يأتي الينا. وعندما شاهد شخصين بدلا شخص واحد ربما اعتقد بأن هذا المكان حقيقتا يتواجدون المساجين واطمأن اكثر وذهب بعيدا. ونحن بعده خرجنا بنفس الباب واتجهنا إلي الشرق داخل السجن نحو الغرفة التي كنا فيها سابقا قبل نقلنا الي الزنزانات. وعندما التفتنا إلي الخلف رأيناه يتجه نحونا، وبهدوء دخلنا ايضا في احد الغرف الخالية من المساجين وانتظرناه وهنا أيضا لم نسمع أي صوت واعتقد ذهب إلي اتجاه أخر.

وبعد ذألك خرجنا من الغرفة التي دخلنا فيها واتجهنا إلي الغرفة المتصلة مع الصور الخارجي عبر حائط مبني بينهما. ومسألة الصعود فوق الغرفة في حد ذاته كان صعبا لأنها غرف عالية ولقينا الغرفة التي ننوي الصعود عليها والتي تلتقي مع غرفة أخري، وتمكنا من الاستفادة من لقاء الحائطين حتي وصلنا إلي شباك الغرفة ونحن نساعد بعضنا ثم الصعود فوق الغرفة سار سهلا. وكنا نتحرك فوق الغرفة بحظر لكي لا نحدث صوت يسمعه المساجين داخل الغرفة إن لم تكن خالية ووصلنا نهايتها التي تلتقي فيها مع الحائط الذي ننوي وصوله. المشي فوق الغرفة اخذ مننا حوالي عشرة دقائق. سطح الحائط كان مفروش بأسلاك شائكة وكنا نتحرك فيه بحظر والمسافة فوق الحائط تكون حوالي اربعة امتار ووصلنا عبره الي السور الخارجي. وكان الوقت تقريبا الساعة 2-3 صباحا. وكنا جالسين وعلي استعداد وفي أمامنا الشارع الذي يأتي من اتجاه جزا برهانو واندا كنيكين (مركز صحي). وكنا في نقطة وسط للسور المواجه لهذا الشارع. واتفاقنا كان أن نقفز الي الشارع في وقت واحد، وبينما نحن علي استعداد شاهدنا صاحب عجلة شيالة الرغيف يأتي في الشارع متجه إلي وسط السوق وتوقفنا قليلا وبعد مروره قفزنا في طرف ذألك الشارع. وفي تلك الفترة لم تكن موجودة أعمدة الأنوار التي نشاهدها في الصورة حاليا والحائط طوله لا يقل عن ثلاثة امتار. وشاهدنا في نفس الشارع علي مسافة بعيدة مننا احد الأفراد واعتقد كان من حراس المحلات الموجودة في نفس الشارع. ولم نشاهد أي شيء غيره.

كنا حفات دون حذاء لكي يسهل لنا الصعود فوق الغرفة، كل أدوات الحفر كلاشنكوف، القيود، وحتي الأحذية تركناها تحت الموقع الذي صعدنا منه فوق الغرفة. وأولا اتجهنا إلي حي الكنيسة شرقا وبعد أن لاحظنا بان ليس هناك من يتابعنا رجعنا بسرعة إلي اتجاه اباشاول بطريق أخر ثم اتجهنا غربا نحو عداقا حموس صوب الطريق المؤدي الي قرية طعزقا.وبعد خروجنا من المدينة ووصلنا ضواحي رادار سمعنا الأذان ولم نعلم لأي مسجد كان ذالك وهذا يعني ان الوقت كان حوالي الساعة الرابعة صباحا. ومع الشروق نحن كنا في ضواحي طعزقا. ولم ندخل القرية واتجهنا الي الغرب منها في مواقع رعاة تلك القرية والموقع كان مليء بأشجار صغيرة. وكان خاليا من الرعاة او البهائم.

وعند الصباح أخذنا الراحة في تلك المكان. وكانت الطائرات الحربية تدور حول اسمره واعتقد كانت تبحث عننا وكان تركيزها اكثرعلي الاتجاه الشرقي من اسمره. زميلي كابلي لا يعرف اسمره او تلك الضواحي. وسبب اختيارنا للاتجاه الغربي من اسمره هو لان الاتجاه الشرقي وبصفة خاصة اتجاهات درفو هي أماكن يتهمها العدو بتواجد الجبهة فيها أما القري في الاتجاه الغربي لا احد يشك بقدوم الجبهة فيها. وتواجد الجبهة في معظم الأحيان في تلك الفترة كان في الاتجاه الشرقي لأسمره. تمتعنا بالشمس التي كنا نتمنى لقائها طول اليوم حتي احترقنا. وفي النهار الوقت الذي يتضاءل فيه تحرك الناس قمنا من ضواحي طعزقا واتجهنا إلي عنسبا. رحلتنا كانت طويلة وشاقة. لم نستطيع التحرك بسبب أشواك الحشائش المنتشرة في الأرض (الدريسا). لفينا أي غطينا ارجلنا بملابسنا الداخلية وكانت حذاء جيد. ولأنها بيضاء عملنا فيها تراب لكي لا تظهر من بعيد. وواصلنا رحلتنا دون عوائق. وكنا نغير الاتجاه ونختبئ عندما نشاهد الناس من بعيد وهكذا وصلنا ضواحي قرية ماي درسي.

لقينا استقبال حار من قبل عناصر أمينة في القرية وكان لهم علم عن سجني. وبعد وصولنا هناك بدانا نشعر بتعب شديد واعتقد نتيجة لأثار السجن. وعندما كنا نحفر أيضا كنا نستعمل قوة الضغط فقط تحاشيا لإصدار الأصوات وعليه خاصا انا راحة يدى اليمني كانت متورمة وفيها جروح. أهل القرية نقلونا إلي خارج القرية وسط الحجارة في موقع شبه كهف وكانوا يقدموا لنا الأكل والشراب. في تلك الوقت كان للعدو تحركات في مناطق منسع ولهذا لم نستطيع الذهاب إلي جماعتنا هناك. وبعد أيام قليلة جهزوا لنا اثنين مرافقين من الشباب ونزلنا إلي بركة. وبعد ان وصلنا ضواحي قرية حركوك رجعوا إلي أهلهم.

وفي أماكن وصولنا كنا معروفين بأننا ضيوف بسبب نوع الملابس الذي نرتديه وهي البنطلونات والأقمشة. وحتي أبقار بركة علمت ذألك وعندما نزلنا في خور لشرب الماء اتجهت الينا بعنفوان وراعي البقر كان طفلا صغيرا وكنا أبلغناه بأننا من الجبهة وبداء يدافع لنا وهو يعاتب بقره بكلمات لن أنساها أبدا ويقول ”قويكيهوم انديكون ويئبيكيهوم انت تجهلينهم ولو عرفتي من هم لما رفضتيهم ويذكرني هذا عمق الحب والعلاقة التي كانت تربط الجبهة والشعب. حلب هذا الطفل اللبن من بقره وذاد فيه الماء وأعطانا وذهب الزمأ.

كانوا مناضلين في تلك المنطقة وعندما شاهدونا ونحن قادمين ارسلوا مناضل لمعرفة هويتنا والتقينا في الخور. قال لي كابلي انه يعرف المناضل المتجه الينا قبل وصوله الينا، ولكن المناضل لم يلاحظ كابلي وبعد أن بداء بتوجيه الأسئلة الينا تنبه وعرف كابلي وسلم علينا من جديد وأخذنا إلي القرية والتقينا بمسئولهم المناضل كرار وكان في القسم المالي للجبهة وبعد أن عرفونا اطلقوا الذخائر للهواء ابتهاجا بقدومنا وأتت الينا الجماهير من تلك القرية تهنئنا بالقدوم بسلام وقيلنا معهم في فرح وسرور.

ومنه انا قررت الذهاب إلي اتجاه حماسين إلي زملائي. وكابلي أولا اتجه إلي بركة تحتاي وبعده دخل كسلا. وانا عندما وصلت صبر التقيت مع المناضل صالح حيوتي عضو القيادة العامة. وكان لصالح حيوتي موعدا للعمل ولم يلتقي بي. وابلغ زملاءه للالتقاء معي وخصص لي احد المناضلين وسجل هذا المناضل كيفية خروجي من السجن بالتفصيل.

تأثيرات تعذيبات السجن لم تفارقني وشعرت بضعف شديد وناهيك أن اذهب إلي حماسين الحركة في حد ذاتها كانت صعبة ولهذا اتجهت إلي كسلا وانا راكب الجمل.

دخل كابلي كسلا قبلي تقريبا باسبوع واستقبل هناك استقبالا حارا. ومن جديد بعد وصولي انا إلي كسلا عملوا لنا أعضاء القيادة العامة الشهيد ادم صالح ثم الشهيد سعيد صالح وقيادة فرع كسلا وجميع جماهير كسلا دعوات بمناسبة قدومنا نحن الاثنين معا وكان المشهد في كل الأماكن أشبه بمناسبات الأعراس.

وهكذا نجونا من تلك المخاطر والمشقات والخطورة التي كانت تنتظرنا والتقينا بزملائنا وشعبنا وإخواننا اللذين فارقناهم واندمجنا إلي ثورتنا لمواصلة النضال.

والإخوة اللذين تركناهم في السجن أيضا بعد فترة قصيرة قدموا إلي المحاكم والأغلبية حكم عليهم بالسجن من 1-3 سنة. وحتي حراسنا من الكوماندوس حكم علي مسئولهم 3 سنين.

وأخيرا أود أن اعبر عن حزني العميق بسبب عدم معرفتي لأحوال استشهاد الكثيرين من المساجين المذكورين او عدم معرفتي بوجودهم او عدم وجودهم، واسأل الله أن يدخلهم فسيح جناته ويرزق الموجودون منهم الصحة وأتمني أن تزول الأحوال السيئة من وطننا لينعموا في وطنهم بالحرية والسلام والاستقرار ثمنا للتضحيات التي بذلوها.

ثم اطلب العفو من أولئك اللذين الحقنا بهم الأذى لنجاة انفسنا، اريفايني وفسهاي وأخرين وبصفة خاصة اريفايني متمنيا أن يكون بخير وعلي قيد الحياة.

الى اللقاء فى الحلقة القادمة...

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click