قصة هروبنا من سجن ماركاتو - الحلقة الخامسة

بقلم المناضل: عبدالله حسن

المحاولة الثالثة للهروب: عندما انتهت عملية التحقيقات تفكيرنا اتجه بالكامل نحو البحث عن فرص الخروج من السجن. وبعد فشل

المحاولة الثانية نقلونا إلي الغرفة الكبيرة المتواجدة في اتجاه الجنوب الغربي من مبني كنيسة السجن التي تتواجد في داخلها حوالي سبعة زنزانات. هذه الغرفة لها باب حديدي واحد متجه الي الشرق. والزنزانات توجد يمين ويسار الممر الذي يتوسط الغرفة.

غرفة الزنزانة

وفي الوسط من الاتجاه اليمين توجد غرفة حمام صغير. والزنزانتين المتواجدتين في الركن الخارجي يمين ويسار الباب لها فتحة صغيرة تتجه الي الخارج وهي علي شكل بوق في وسط الحائط يتسع حجمه الي اتجاه الداخل. وأبواب الزنزانات لها أيضا فتحات صغيرة. والحمام أي المرحاض له نافذة في اعلي محل من الحائط بالاتجاه الشمالي وهو عبارة عن فتحة مبنية خصيصا لإدخال الشعاع او الهواء مساحتها حوالي 40 سنتمتر في 15 سنتمتر وفي وسطها حديد مغروس من الأعلى إلي الأسفل. في البداية ادخلوا كل شخصين في زنزانة واحدة وبعده عندما اخذوا ولد عدردي وكداني مع المساجين في اتجاه أخر بقينا الاخرين فيها.

وفي يوم من الأيام ونحن في هذه الزنزانات احضروا رجال الأمن احد أبناء صبر (دبر سالا) يدعي محمد ادم وادخلوه معنا في تلك الزنزانات. وكانت تفتح لنا أبواب الزنزانات وقت الصباح وتظل مفتوحة حتي غروب الشمس ونكون طلقين نتحرك في الممر كما نشاء وكان لنا فرص اللقاء وعليه التقينا معه بسرعه ولقيناه في حيرة والشعور بالوحدة، تحدثنا معه ورحبنا به بلغة التجري وعند سماع كلامنا بداء يتحدث ويقول ”انتم إخواني... انتم إخواني ؟ ! انا وجدت إخواني !“ وفرح فرحا شديدا. واعتقد قبل ان يأتي الينا كما اخبرنا كان ادخلوه في سجن موسو ليني مع الصعاليك واللسوس وكانت حالته سيئة وشعر بالراحة عند لقائنا. وهذا الشاب هو من عائلة الشهيد الوالد الشيخ محمد نور من لجان الجبهة المشهورين في صبر ذألكم الشخص الذي كان لا يترك ضيوفه المناضلين يذهبون منه دون أن يذبح لهم من غنمه. حفيده هذا قبض عليه عندما دخل المدينة في تلك الضواحي متهمين إياه بانه من الجبهة. وهو لم يلتحق بالجبهة اصلا. وكان يعبر عن فرحه ويقول طالما لقيت لكم لا يهمني حتي لو سجنت سنينا. وكان يستيقظ كل صباح وبصوت عالي يقول بلغة التجري ”جلا جلالو ربي انت لتيلا تقبي“ (جل جلالك يا ربي، ما تقوله انت يكون). وكانوا يسمعون صوته كل المساجين. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.

في احد الأيام أيضا قالوا هذا من الجبهة واحضروا الينا شخص يدعي اريفايني تخلي وهو من سكان دقي أيطعس (سراي) وقالوا ”ادخلوه مع إخوانه الشفتا“. وعندما سألناه عن أحواله قال لنا انه كان في الجبهة ونحن علمنا بانه لم يكن من الجبهة، وبدأنا نوجه اليه عدة أسئلة. وأخيرا صارحنا وقال عندما دخلت مدينة عرزا وكنت تحت تأثير الكحول، قلت لبعض الأشخاص ”انتم لم تفارقوا مدينة عرزا ومندفرة فاما انا ذهبت الي تسني وحتي وصلت كسلا“ ولهذا قبضوا عليه واتهموه بأنه كان مع الجبهة. وقال قلت لهم لم اكن في الجبهة، ولكن اخيرا أوعدوني بان يلحقونني بالكوماندوس اذا اعترفت بأنني كنت في الجبهة، وسألنا ان كانوا صادقين في ذالك.

واقنعوه الي درجة ان يقول دخلنا كسلا ورجعنا الي الميدان حاملين السلاح. ونحن اردنا ان ننقذ هذا الارتري البسيط من الخداع ووضحنا له بأن من كان مع الجهة لا تقدم له أي مكافأة بل بالعكس يقيدون يده كما تري وينتظره الإعدام، فهم يخدعونك لكي يقولوا قبضنا مناضل من الجبهة ويلقوا المكافئة لنفسهم ولن يجندوك في الكوماندوس بتاتا. وشجعناه وقلنا له حاليا سوف يعذبوك قليلا ويجب ان تصمد وتقول لهم انا قلت هذا الكلام عندما قالوا لي سوف تجند في الكوماندوس، و لم اكن في الجبهة بتاتا وسوف يطلقون صراحك. وكان متجاوبا معنا. في اليوم الثاني وصل الي السجن اخيه الاكبر وهو كوماندوسي عندما سمع سجنه واعتقد قالوا له اخيك كان مع الجبهة واعتقد هذا صحيحا. وعند مقابلته قال له وهو يأسف شديدا ”كيف تقع في مثل هذا الشيئي السيء ؟“. وعندما جاء في اليوم الثاني قلنا له اخيك هذا بريء وهو لم يكن في الجبهة بتاتا اجبروه ليقول ذالك وعليه يجب ان تنقذه. واعتقد لقي المعلومات عنه والتفت الينا وذهب سامتا دون ان يرد. وفي أوقات لاحقة عندما يأتي لزيارة اخيه يلتفت الينا وكنا نشاهد في وجهه ملامح من الرحمة.

الغرفة التي كنا فيها مبني حول مدخلها جدار. يقال هذا الجدار بناه البرجيدر جنرال (العميد) تدلا عقبيت عندما اعتقل زملائه من ضباط الشرطة الذين اختلفوا معه وذالك لإخفائهم عندما يخرجونهم خارج الغرفة للتشمس من مشاهدة المساجين الاخرين اللذين كانت تفتح لهم الابواب ويطلق صراحهم أثناء النهار ليتحركوا داخل السجن. ونحن ايضا عندما يخرجوننا للشمس في هذا المكان ما كانوا يشاهدوننا المساجين الأخرين. والحرس كانوا يقفون في مدخل الجدار المتجه الي الكنيسة. ونحن بدل الجلوس كنا نتحرك، أي ندور داخل الجدار دون توقف وبعد فترة نمزح ونقول الأن وصلنا عدي نفاس ومرة اخري نقول وصلنا عدتكليزان الخ. في يوم من الايام قال احد الحراس من الكوماندوس وهو ينظر الينا بصوت عالي ونحن نسمعه، عندما اشاهد هؤلاء تملأ عيني دما“ تعبيرا لكراهيته لنا. وصدفة في اليوم الثاني او الثالث وصل الينا هذا الكوماندوس وهو مصاب بمرض العيون وفي عينيه احمرار شديد مغطي رأسه. وقلنا مع كابلي دون ان يسمعنا، اليوم فعلا عيونه مليئة دم، الله يستر !!

عند قدومنا الي ماركاتو تغير غذائنا. وكانوا يعطوننا كسرة لا طعم لها وشيرو (متبل) مصنوع من حبوب سبري شبه خالية من الزيت. وفي فورتو (القلعة) كما ذكرت كانوا يعطوننا الغذاء المعد أصلا للطور او الجيش وكان طعمه لذيذ ولنا شاي أيضا. اما هنا في ماركاتو ناهيك ان نلقي الشاهي حتي المياه كانت بصعوبة. أما الاستحمام لا وجود له في الموقعين. وعندما كنا في فورتو وتوقف تعذيبى شعرت بالراحة ولم اتعرض للهواء او الشمس تغير لون جسمي وكانت تلك الفترة التي حسدني فيها شامبل بلو الذي لا يشاهد إلا الوان الجلد وقال لي ” ارتحت من النوم في التراب والقمل وتحول لونك إلي لون البرتقال ” (برتكان مسلك).

المساجين داخل السجن كانوا يقدموا لنا احسن المأكولات التي تأتيهم من اهلهم ولولا الاهتمام والرعاية التي لقيناها من قبلهم لما وجدنا القوة للحفر نتيجة أثار التعذيب وسوء التغذية التي كانت في فورتو. وكان لنا هذا دعم معنوي وعامل من عوامل الصمود والقوة التي لا يمكن نسيانها. ولولا السجن كنا عبارة عن عرسان في شهر العسل. ومن زملائنا المساجين اللذين لا يمكن نسيانهم ايضا الشاب عبد سعيد الذي كان حلقة الاتصال بيننا وبين الاخوة داخل السجن و يأتي الينا بالغذاء ويمدنا ببعض المعلومات.

عندما اخذوا بعض المساجين إلي اماكن اخري ادخلونا نحن الثلاثة في زنزانة واحدة، كابلي، تسفاي وانا. والتفكير في الخروج لم يفارقنا ابدا ولهذا عندما يفتحوا لنا الزنزانات نتحرك داخل الممر والزنزانات ونفتش كل الأماكن بدقة كالشخص الذي فقد شيء دقيق بحثا عن أي شيء ممكن يفيد للحفر مثل المسامير والأسلاك الخ. وكنا ندخل ما يقع في يدنا إلي الزنزانة.

عندما لقينا مسمارين شاركنا تسفاي في الراي لمحاولة الاستمرار في الحفر وابدي استعداده. ولكن الزنزانة التي كنا فيها لا توجد فيها نقاط ضعف واضحة يمكن ان تشجعنا ثم لم تتوفر لدينا معدات الحفر المناسبة وعملية الحفر لم تكن سهلة امامنا. وكان هذا ايضا واضحا لتسفاي ولهذا فكر تسفاي الاستفادة من هذا الظرف واراد ان يتركنا دون ان نكشفه. وبينما نحن في تبادل الحديث كالعادة وكان الحديث يدور بينه وبين كابلي حول عادات البني عامر فجأتا عارض تسفاي الموضوع الذي كانوا يتناولونه ووصل الامر الي حد الردود بحدة وغضب. تدخلت انا وقلت الموضوع لا يجب ان يصل الي هذه الدرجة وليس هاما ان كان ما تقوله انت صحيح او كما يقوله كابلي فهذا شيئ لا يقود الي الغضب. ولكن تسفاي تمسك برايه وقال بل الأمر شيء يغضب. والأمر تحول بيننا وبينه الي مسألة شيء يغضب“ و”غير مغضب... !! واعتقد عدم تمكنه من لقاء مبرر للغضب جعله يواصل في غضبه.

وفي صباح اليوم الثاني عندما وصل الحرس ليفتح لنا باب الزنزانة قال للحرس اريد اللقاء بكم واخذه الحرس معه ولم يعود الينا. وكما اتضح لنا لاحقا اعتقد قال لهم انا لا اريد ان اكون معهم ابعدوني منهم وابلغهم بتفكيرنا في الهروب. وبعد ساعات قليلة أتوا الينا عبليلوم واياسو وأمرونا ان نرفع افرشتنا ونخرج من الزنزانة ثم دخلوا فيها وبعد تفتيش بسيط اخرجوا المسمارين التي وضعناه في فتحة صغيرة للحائط وكان تسفاي يعرف مكانه، وقالوا لنا من اين أحضرتم هذا ؟“ ومن احضره لكم ؟“ وانا قلت لهم اذا انتم في حوجة للمسامير ممكن اخرج لكم عشرة مسمار من هذه الزنزانات. وبعد الصمت قال لنا اياسو ”الرجاء يجب ان نفترق بسلام، لقد اقتربنا“ وذهبوا. والقصد من هذا الكلام هو ان محاكمتكم اتية، او ستذهبون الي سجن سمبل، أو سوف يستلمونكم أخرين...

لم نلتقي مع تسفاي بعد ذألك ابدا. وهكذا المحاولة الثالثة للهروب تعرقلت في بداياتها قبل التنفيذ.

بعده فصلونا، وكابلي وضعوه في الزنزانة التي كانت امامنا مع فساهاي عندما اخذوا زميل فساهاي الي اتجاه اخر. وانا بقيت في نفس الزنزانة واحضروا لي اريفايني تخلي ليكون مرافقا لي. وهكذا كانت الزنزانات التي فيها المساجين الزنزانتان المتقابلتان فقط والمتواجدتان في أركان الغرفة.

هناك سؤال يجب ان يأتي في النهاية ولكن الرد عليه حاليا يبقي هام جدا. والسؤال هو كيف يمكن ان تتواجد في السجن مثل هذه الظروف الملائمة للمساجين وأدوات يمكن ان يستفيدوا منها للهروب ؟ والرد باختصار هو بأن بعد بناء سجن سمبل ورحول المساجين اليه رحلوا ايضا معهم شرطة حرس المساجين اللذين يعرفون طبائع المساجين وتفكيرهم وكيفية حراستهم واللذين تم إعدادهم وتدريبهم خصيصا لتلك المهام، ولا وجود لهم في هذا السجن منذ عامين. وهناك فرق كبير بين حرس السجون والكوماندوس والطور سراويت. والكوماندوس والطور تدريباتهم الأساسية تقول اطلق النار، اضرب، اقتل ولا شيء غير ذألك. بالإضافة الي ذالك هو سجن مهجور ولم تجري له صيانة وعليه من الطبيعي ان تتواجد في داخله بعض الأشياء المهدمة والمكسورة او اشياء غير صالحة. ولكن من يشاهد نوع بناءه، وعراقته يتأكد من أن سجن ماركاتو هو سجن قوي البنيان ومحكم لا يعترف بأنه قديم ويعلن تحدياته بأنه موجود. ولازال النظام الحاكم (هقدف) حاليا يستفيد منه بإجراء التحسينات والاضافات عليه.

الى اللقاء فى الحلقة القادمة...

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click