قصة هروبنا من سجن ماركاتو - الحلقة الثالثة

بقلم المناضل: عبدالله حسن

المحاولة الأولي للهروب: الزنزانة التي كنت فيها في فورتو بها شباك من الجهة الخلفية مغطاة بسيخ من الحديد رأسيا وأفقيا يشكل

فتحات مساحتها تقريبا 25 في 15 سنتمتر. هذا الشباك له باب خشبي من الخارج يفتح إلي الأعلى مساحة محددة ويصعب مشاهدة الأماكن البعيدة من هذا الشباك. واعتقد كانت خالية من المباني أو البشر.

القطعة المقطوعة

سيخة احد عيون هذا الشباك تشبه مقطوعة بمنشار حديدي ولكن غير مفصولة. اعتقادا مني بأن الفتحة التي تدخل الرأس يمكن ان يخرج منها جسم الانسان كنت احاول ادخال رأسي في هذه الفتحة للخروج. واذا تمكنت من لي السيخة المقطوعة ايضا يمكن ان تتوسع الفتحة وتنضم فيها الفتحة الأخرى ويسهل ذالك خروجي. ولكن بعد ايام قليلة تم ترحيلنا من فورتو الي سجن ماركاتو وانقطعت هنا هذه المحاولة.

في سجن ماركاتوا أضافوا الينا أربعة أخرين وادخلونا في غرفة يقال انها كانت مدرسة للمساجين قبل انتقال المساجين من هذا السجن الي سجن سمبل الجديد. يكون وسعها حوالي ستة متر في أربعة امتار. ولها باب حديدي واحد يتجه الي الشرق في ركنها اليميني. والنزلاء الأربعة معنا كانوا فساهاي كان في السابق شرطيا من مرارا تم اعتقاله بتهمة تعاونه مع الجبهة، والثاني كداني من شعب سلبا عضو لجنة القرية للجبهة، الثالث عمر أيضا متهم بأنه جبهجي من عدردي والرابع معروف باسم تسفاي وهو شخص تربي في اتجاه الحومرة وهو صغير، انضم الي الجبهة وكان مع الشهيد عبدالله طقاي في اتجاه الحدود الاثيوبية هرب بسلاحه الي العدو ودخل حومرا وقبض عليه داخل مدينة حومرة وهو يقول انا كنت متجه الي المركز لتسليم نفسي. وكان يدعي بأنه من ابنا ء قوندر واسمه تسفاي، ولأن شامبل بلو هو من أبناء قوندر كان يقول له أسأت إلي مدينتنا ويشتمه. و كان يقول لنا انه ارتري من أبناء بركة ولكن لم يعرفنا علي شخصيته بالواضح وكما علمنا لاحقا هو فعلا من أبناء بركة اخذ من أسرته وهو طفل صغير بجهات معادية ونشأ في اتجاه حومرا.

تشعر بأن اليوم الواحد داخل السجن هو بمثابة شهر كامل واذا لم تهدئ نفسك تقلق وتحتار. بالنسبة للسجين لا فرق بين الليل والنهار. ولأنك محوط ليل نهار بالحائط او أي شيئ اخر دائم لا يتغير اعظم ما تتمناه هو التحرر من هذا الحاجز. بالذات من هو في حالتنا رغم وجود حالة أسوا منها. فراشك خصف، لا وجود لملبس يحميك من البرد، مقيد ليل نهار حتي وقت النوم والأكل، فهذا عذاب مستمر.

والحالة هذه فان أي شيئ اي حديث او سماع قصص مهما كانت نوعها، والتي تخرجك من مثل هذه الحالة العصيبة تأثيرها كبير جدا وتتمني ان تسمعها بلهفة. حتي الحلم لامثيل له لأنه يجعلك تلتقي مع ناس وأشياء اخري طبيعية التي كنت معها وأنت حر ومع انها لن تدوم وتتبدد عند الاستيقاظ. وهذه الأحلام أيضا ليست كأحلام اليقظة أي انك لا تحلم بما تريد، حيث تشاهد أحلام مزعجة وسيئة وتتمني لو لم تنم. ويسعدك ان تسمع أي شيئ من خارج السجن وحتي صوت الطائرة التي لم تشاهدها بعينك وهي تحلق فوق سماء اسمره، صوت الراديو، صوت الحيوان... يدخل فيك السعادة لأنه يعطيك شعور بأنك خارج السجن.

وتسفاي كان يحكي لنا حكايات مختلفة التي تخفف من همومنا وقلقنا وكذألك كابلي وخاصتا معي لأنني كنت اسأله كثيرا وبالذات كان يحكي عن المناضلين حكايات جذابة، والأشعار المتعلقة بعادات وتقاليد مجتمعنا في بركة، وسوف اسرد بعض هذه الأشعار التي حفظتها بلغة التجري في نهاية مكتوبي. وانا أيضا كنت ارمي بعض الكلمات.

اما تسفاي حكاياته كانت معظمها عن السرقة والمشاجرة... ومن حكاياته، ذكر لنا عندما ترعي الجمال التابعة للحكومة في السودان يقيدونها بمثل تلك القيد الحديدي الموجود في يد كابلي ويدي، وبحجم كبير يصنع خصيصا للجمال ويسمي القيد الانجليزي باللغة الايطالية. وقال بان اللصوص كانوا يفتحون هذا القيد باستعمال خيط متين بدل المفتاح الخاص به. يعملون للخيط عين ويدخلونه في الفتحة التي يدخل فيها المفتاح ويلفونه بقوة حول القفل داخل هذه الفتحة وعندما يسحبونه يخرج القفل من موقعه ويفتح القيد بانفصال القطعتين المكون منها ويأخذون الجمال بهذه الطريقة. هذه القصة كانت مفيدة جدا بالنسبة لنا لأنها دفعتنا للبحث عن كيفية التخلص من هذا القيد الموجود في يدنا. وتسفاي كانت له ايضا تجارب عن السجون وكيفية التقديم الي المحاكم. ومن حكاياته كان يقول قبل تقديم المسجون الي المحكمة يتم تقديمه الي النيابة العامة للتأكد من أقواله وهنا يمكن السجين ان ينكر تلك الأقوال امام النيابة بحجة انه ادلي بهذا الاعترافات تحت تأثير التعذيب وخارج عن إرادته مع الكشف عن أثار التي خلفتها تلك التعذيبات في جسمه.

وفي بلد يوجد فيه القانون مع ان السلطة التعسفية يمكن ان تلوي القانون كما تشاء قد يكون في بعض الأحيان مفيدا اذا كنت بريئا، لانهم يحجمون عن انتهاك القانون كاملا. وانا مثلا عندما انتهت كل التحقيقات واخذ شامبل بلطي وقت طويل معي وكتب كل أقوالي ابتداء من الفترة التي كنت فيها طالبا ووقعت عليها. واعتقد عندما فكروا في تحويلي الي سجن سمبل او اتخاذ اجراء اخر أخذوني مع اقوالي الي ما كانت تعرف بالمحكمة الفيدرالية جنوب مسكن الحكومة (قبي) عبر طريق المتجه الي قودايف وهو علي ما اعتقد مقر النيابة العامة. وقبل التحرك هددوني بأنه اذا نكرت او غيرت اقوالك سوف تعود الي التحقيقات ثانيتا. وانا تذكرت حكاية تسفاي وعندما سألني احد الاشخاص و قال لي هل هذا أقوالك قلت له، عندما اتجهنا إلي هنا قالوا لي اذا غيرت أقوالك سوف تعود مرة أخري في التغذيبات وعليه لا استطيع تغيره. أملا بأن يفيدني هذا عند المثول أمام المحكمة. وبعد ان سمع قولي كان يكتب وان لم اعرف ماذا كتب. بعدها رجعوني الي ماركاتو وكنت فيه حتي الخروج.

كما اشرت فهم اسياد للقانون والقانون ليس سيدهم وعليه لا ضمان في ذالك وممكن ان يحاكموك كما يشاؤون. فانت امامهم تعتبر خارج عن القانون، خائن وليس طالب للحرية او الحقوق ولست مناضلا. والعجيب في الأمر هذا يعني انهم يعلمون بأن هناك قانون وان لم يحترموه بالكامل، وهذا القانون يخلق نوع من الضغط علي عقولهم وتنتابهم نوع من الرهبة.

بعد خروجي من السجن صادفني حادث مماثل في سنة 1983م ايام حكم الرئيس الراحل نميري في السودان وكان هذا عندما اعتقل الأمن السوداني الاخوة المناضلين ابراهيم محمد علي، الشهيد عبدالله عمر ناصر، محمد نور عبد كحساي، منقستأب اسمروم، رمضان صالح، تخلي ملكين، ولديوسوس عمار، برهاني تولدبرهان وامانئيل هبتي (منقستو). عندما داهموا رجال الأمن وقت الصباح قبل طلوع الشمس المنزل الذي كان فيه الشهيد عبدالله عمر ناصر لاعتقاله اخضروا معهم اثنين من الشارع وادخلوهم معهم وفتشوا المنازل. وانا كنت معه في المنزل. واخذوا معهم شنط تحتوي علي بعد مستندات الجبهة والشهيد عبدالله فقط. والأشخاص اللذين احضروهم معهم من الشارع احدهم هو شخص يظهر دائما وهو يمر بجوار المنزل اوقات الصباح قادما من اتجاه المنطقة التي بات فيها وهي منطقة الخمور. اما الثاني فهو مختل العقل يتواجد دائما في الحارة نفسها. بعد هذا المشهد انا كنت أتساءل عن سبب احضارهم معهم، واذا كان الأمر كما قيل لي أن قوانينهم تطالب بان يحضروا رجال الأمن شاهدا عند تفتيش البيوت وذالك في حالة لقاء اشياء غير قانونية أي ممنوعة داخل المنزل ليشهدوا علي ذالك في حالة انكار صاحب المنزل عند تقديمه امام المحكمة. وكان يضحكني هذا الأمر وخاصتا عندما اشاهد ذالك السكران. وهذا يشير الي ان قيام هذه العناصر بهذه الإجراءات ليس من منطلق الإيمان او الاحترام الحقيقي للقانون بل اسميا. واعتقد هم اناس عالق في ذهنهم إيمان يقول بان هناك شيء يجب احترامه ويخافونه يسمي القانون. ومهما يكن امرهم ناقصا، وفي بعد الاوقات هناك امكانية لمعرفة مصيرك مع مثل هؤلاء الأشخاص عل الأقل ان كنت حيا ام ميتا. ولهذا فهم الف مرة احسن من الذين لا يملكون القانون او النائب العام ويقومون بالإجراءات حسب هواهم مثل الحيوانات.

عندما كنا في الغرفة التي دخلنا فيها لأول مرة في سجن ماركاتوا كانت هناك عناصر حكومية من الشرطة والبحرية يأتون لمشاهدتي عندما علموا بأن هناك عنصر مقبوض عليه من الجبهة. وأحد عناصر البحرية عندما فتح له الباب بداء يسال هل هذا ام ذاك مشيرا بيده الي من هم اكبر مني حجما وسنا. وانا كنت اصغر حجما وسنا من الجميع وعندما قالوا له هذا وأشاروا اليا قال ”هذا ! غير معقول انه صغير“ وناداني وسألني ان كنت طالبا، وعن سبب التحاقي بالخارجين عن القانون (وروبيلا) ؟ ولأنن لازلت افكر في الهروب ولكي يساعدني هذا في إبعاد هذه الفكرة من ذهنهم قلت له نعم كنت طالبا وعندما قبضوا زملائي انا خرجت نتيجة الخوف فقط. وقدم اليا ايضا احد ضباط الارتريين المشهورين من البوليس واعتقد لأنه من هؤلاء اللذين يشكون في نفسهم، وتصور بأنني قتلته وأول ما شاهدني وانا صغير السن قال ”كيف اشك في هذا اذا قدم اليا ! كيف اشك...!“.

الى اللقاء فى الحلقة القادمة...

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click