مختفون قسرا وليسوا معتقلين

بقلم الأستاذ: موسى إدريس حامد - كاتب ارتري

لا أحذو حذو الأخرين في إطلاق عبارة معتقلين“ على الأبرياء المنسيين في ظلام

زنازين النظام الفاشي لعقود وعقود، بل أقول ”مختفين“ أو ”مغيبين قسريا“، هؤلاء الذين لا أحد يتكهن بعددهم أو تصنيفهم الجندري رجالا كانوا، نساء أو أطفال.

ووفق المصطلح السياسي المعتمد دوليا، المعتقل هو شخص تتحفظ عليه السلطة الحاكمة في مكان معروف، ”سجن عام أو مخفر شرطة“ ولمدد محددة، ويتم ذلك بمذكرة اعتقال ومسوغ قانوني يكفل حقوقه المنصوص عليها في الدستور وكافة القوانين والشرائع السماوية والوضعية حتى.

أما أن نكرر ونعيد لأكثر من ثلاثة عقود مصطلح ”السجناء“، في الوقت الذي ينفي فيه النظام وجود سجناء لديه أصلا، فهذا عبث وأمر في غاية الهبد والاستهجان.

وهنا سأروي قصة اختطاف في جنح الظلام جرت أحداثها في مدينة كرن مسقط رأسي، فبعد الاستقلال المزعوم بعام عزمت النية، لزيارة الأهل (الوالد والوالدة رحمهم الله) وشقيقتاي الذين عادوا من السودان مستبشرين خيرا كبقية الشعب الإرتري بجلاء المستعمر، كان ذلك في شهر (نوفمبر) من عام 1994م كما أذكر.

شخصيا لم أشعر بالطمأنينة، وكان ينتابني هاجس الخوف والقلق، إحساس غريب بأن هناك شيئا ما يتهددني، رغم مظاهر الفرح التي تلمسها في الوجوه التي تقابلها أينما توجهت، حالة من الثمالة فرحاً بانبثاق ضياء الحرية بعد سنوات طويلة ومضنية من حرب التحرير وتقديم آلاف الشهداء والجرحى وأضعاف أضعافهم من المشردين والمهجرين.

ووسط حالة الفرح والغبطة بانبلاج شمس عصر جديد، عصر الحرية والسيادة الوطنية التي عمت سماء الوطن، لم يخالجني شعور مماثل لما يشعر به غيري ولو للحظة، ولم أحس بلفحة هواء أو بهبة نسمة من نسائم الحرية التي حلمت بها يوما، بل إحساسي كان يقول لي بصوت خافت أننا مقبلون على فترة عصيبة لا أحد يتكهن بمآلاتها أو مدى سوئها.

هكذا انتابني شعور بعدم الارتياح مما هو ماثل حولي، ربما لمعرفتي المبكرة بأهداف ونوايا ”الشعبية“ التدميرية، وهو ما تأكد فيما بعد قولاً وممارسة.

وبالعودة إلى قصة الاختطاف التي حدثت في تلك الليلة المشؤومة من ليالي شهر نوفمبر عام 1994م، كان هناك منزل مجاور لمنزلنا تقطنه أسرة المختفي قسريا ابراهيم حامد جمع، المعلم بمعهد الضياء الاسلامي بمدينة كرن المختفي منذ عام 1992م.

في تلك الليلة الظلماء زار نفر من زوار الليل منزل المعلم للمرة الثانية وهو الغائب عن داره منذ عامين، أشخاص ملثمون مدججين بالسلاح، لم يدخلوا الدار من الباب كما يقتضي الأمر، بل وثبا من فوق الجدار الأسمنتي، بغرض انتزاع ”عبدالوهاب“ الابن الوحيد للمعلم المغيب من حضن أمه، ”طفل صغير في عمر 14 عاما“ أو أقل بقليل كما علمت لاحقا، ليتحول المشهد إلى حالة عويل وصراخ يقطع القلب من الأم الثكلى رغم تهديدات المسلحين بإطلاق النار عليها اذا لم تلتزم الصمت، وهكذا ذهب عبدالوهاب مع الريح كما ذهب والده من قبل، ليسدل الستار على كارثة إنسانية أصابت الأسرة المنكوبة في مقتل، وقسْ على ذلك عشرات الحالات التي شملت مئات الأسر ممن فقدت إما معيلها أو فلذات كبدها على مدى سنوات حكم أفورقي وازلامه.

أن نظام ”هقدف“ المجرم، لم يُخل بالمواثيق الدولية فحسب، بل بالعرف والمبادئ الإنسانية عبر توقيف آلاف المواطنين من دون مذكرات اعتقال أو توجيه تهم لهم، وحظر عليهم توكيل محامين، كما حرم عليهم الزيارات العائلية، ليس هذا فقط، بل أنه لم يقر أو يعترف بوجود معتقلين في سجونه أصلاً.

وفي الختام، أعتقد جازما بأن النظام ما كان ليجرؤ على فعل ذلك لو لا دعم حماة الديمقراطية المزيفين الولايات المتحدة والغرب عموما، فإلى من نشكوا أمرنا غير الله.

Top
X

Right Click

No Right Click