نقفة ومسجدها والخلاوي أوابد تقاوم التهميش والعزلة - الجزء الثاني والأخير

بقلم الإعلامي الأستاذ: أبوبكر عبدالله صائغ - كاتب وصحفي ثقافي مهتم بالتأريخ

وبعد أن أصبح الساحل الشمالي جزء من إقليم شمالى البحر الأحمر تعاقب على نقفة

مدينة نقفة

عدد من الاداريين الفاشلين حتى يومنا هذا، وتم تنفيذ حزمة من السياسات الفاشلة التى نفذت في كافة أنحاء إرتريا، وأيضاً على نقفة وبقية مدن الساحل وتتمثل في كافة المجالات ومنها الاتي التعليم بلغة الأم وقفل المدارس التى تم إفتتاح لتدرس باللغة العربية بعد التحرير - التهميش التنموي - الحصار عبر الجيش والتجيش للشعب - الرقابة الامنية المشددة - توطين سكان جدد ومنحهم محلات تجارية وفنداق وجلهم من القساوسة الذين يتم إعطائهم قروض بدون فوائد لبناء محلاتهم التجارية والفنادق والمطاعم والاستقرار في أراضي المنخفضات الارترية ونقفة لم تكن إستثناء من ذلك بل شهدت نقفة ومنذ تحرير البلاد نزوح عدد كبير من قومية التغرنيا الذين تم منحهم أرض ليقيموا عليها محلات تجارية ومطاعم وفنادق ...الخ !

بدأت الهجرة العكسية مرة اخري الى السودان الشقيق بعد أن تحول الحلم الى كابوس يؤرق مضاجع الشعب الإرتري، ورحل الشعب الى حيث أتي وقادة الجيش والاجهزة الامنية والادرايين الفاشلين يزرعون الارض رعباً وخوفاً ولم يتبقي الا قلة قليلة من الشعب ظلت تتمسك بمدنهم وقراهم ويحافظون على تراثهم وعقيدتهم ويقامون الانحلال الاخلاقي الجديد كما هو واضح في الصور المرفقة.

ظهرت في المدينة بعد التحرير عدد من خلاوي تحفيظ القرآن الكريم في نقفة وضواحيها وإكتسبت الشهرة والثقة لدى الناس كخلوة الشيخ/ ود كدان على سبيل المثال لا الحصر التى كادت أن تصبح معهد لولا التهميش وعدم توفرالامكانيات المادية للجهات المشرفة عليها.

الخلاوي مجتمعة تنظم حفلا سنوياً في ساحة المسجد العتيق في نقفة حيث يفترش المشاركون من الشعب التراب ويستخدمون المايكرفون اليدوي المهترئ الخاص بالمسجد لتنظيم مسابقة لحفظت القرآن الكريم، حيث يتجمع الناس من كل حدب وصوب للإحتفال في ساحة المسجد بعد صلاة العصر والاستماع للقرآن والمشاركة في حفل توزيع الجوائز على الطلاب المتفوقين في حفظ القرآ الكريم.

مسجد نقفة الذى تم الشروع في بنائه في عهد المرحوم كنتيباي/ عثمان في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي والذى ظل شامخاً يقاوم الظلم في عهد الاستعمارالاثيوبي وتعرض للقصف مرات عديدة من قبل الطيران الاثيوبي وأصبح مرتعاً ومأوى للبهائم الضالة ولقيادات الجبهة الشعبية وجنودها.

بعد التحرير حاول الشعب إجراء صيانة على الجامع القديم لأداء الصلاة عليه إلا أن الجهات المعنية سمحت لهم فقط بصيانته للصلاة عليه الأمر الذى أدى الى مطالبة الاهالي بقطعة أرض جديدة لإقامة مسجداً عليها خاصاً أن المسجد القديم متصدع ويمكن أن ينهار فجأة على المصليين، تم تحديد قطعت أرض لبناء المسجد عليها وتبرعت دولة الكويت لبناء مسجد كبير بنقفة ووصل الدعم كما وصل المهندس المتخصص لبناء المسجد ولكن الدعم دخل الى ميزانية شركة سقن هكذا يقال والمهندس وضع الخريطة التى تتضمن بناء معهد مرفق بالمسجد وبعد إنتظار غادر المهندس البلد وبقي المسجد معلماً على الورق ولم يتم بنائه حتى اليوم.

يأس الشعب من بناء المسجد الجديد الذى حصلت فيه نزاعات بين اللجنة المشرفة تارة حول القطعة التى خصصت لبنائه وتارة أخري بين الجهة المشرفة عليها، إحتدم الصراع ولم يري المسجد الجديد النور حتى يومنا هذا لأن الافاعي كانت حاضرة في التفاصيل ومتحكمة في كل شئ.

قررت اللجنة المشرفة على الشأن الاسلامي في نقفة وهم من أعيان المدينة تجميع أموال من الشعب قد تمكنهم من صيانة المسجد القديم وتوسعته، بدأت اللجنة في صيانة المسجد وإضافة غرفتين ملتصقتين بالمبني القديم تلتقي به عبر أبواب داخلية وأخري خارجية تفتح على ساحة الجامع، وبعد أن وصلت الغرفتيين الملحقتين بالمسجد الى السقف تحرك الجيش عبر القائد العسكري ومنعهم من مواصلة بناء المسجد بل قال لهم سوف يتم هدم الغرفتيين الملحقتيين بجانبيه، هدد الأهالى بتدمير المباني الجديدة وقال لهم هذا مسجد اثري لا يجب المساس به، والعجيب إن الدولة تأتي أخيراً لحماية الاثار وهي التى لا تعير إهتماماً لمعانأة الناس الذين يصلون في العراء في ساحات المسجد.

اللجنة ومن خلفها الشعب لم تستجيب لمطالب الجيش بهدم المباني الملحقة بالمسجد وحصلت مواجهات وتهديدات، الأجهزة الامنية التى كانت تتابع الوضع أرسلت تقريرها الى مصوع، جاء مسؤول الأمن بإقليم شمال البحر الاحمر الى نقفة لمشاهدة ما يجري هناك ووجد أن المباني الملحقة وصلت الى مرحلة السقف فقط وقام بتصوير المسجد وقال للجيش والادارة أين كنتم عندما تم الشروع في بناء هذه الغرفتين الأن تم تشيد المبني وطالب اللجنة الاهلية المشرفة على بناء وصيانة المسجد بوقف البناء حتى إشعار أخر. أهالي المدينة ولجنة الأعيان التقوا بالفريق/ سبحت أفريم الذى كان يشغل حينها وزيراً للدفاع عندما جاء لنقفة للتدريس بمدرسة الكادر والتقي بالأعيان والادارة وذهب بنفسه لمشاهدة المسجد وإستمع لشكواهم التى تضمنت شرحاً مسهباً عما جري لهم من قبل قائد الجيش وقال لهم:

إنتظروني حتى اتحقق من الجهة التى أمرت بإيقاف البناء ؟

إذا كان الأمر صادرة من مكتب الرئيس ربما يحتاج الى وقت لتغييره أما إذا كان الايقاف صادر من شخص اخر سوف أعود إليكم لأتابع بنفسي إتمام بناء المسجد وسأقدم لكم الدعم الذى تحتاجونه ؟

هكذا غادر الفريق/ سبحت أفريم مدينة نقفة عائدأ الى أسمرا ليتابع إستفساره عن الجهة التى منعت وأوقفت بناء مسجد نقفة !

إتضح له بعد الاستفسار أن المنع لم يكن من قبل مكتب الرئيس ولذلك أصدر الفريق/ سبحت إفريم أوامره للقائد العسكري الذى كان يهدد بهدم المسجد بتكملة بنائه مستعيناً بما لديه من الجيش في أسرع فترة ممكنه، وفعلا شاهد سكان نقفة الجيش يقوم ببناء المسجد الذى إكتمل خلال فترة وجيزة.

أما المسجد الجديد اصبح في خبر كان حتى كتابة هذا المقال والشعب الذى كان يطالب ببنائه رحل من المدينة الى السودان ومن تبقي بها يعيشون حياة أشبه بسجن كبير.

أكتب هذا الكلام وبهذا التفاصيل الدقيقة لإنني شاهد على تلك الأحداث ومتابع لها ظللت محتفظاً في ذاكرتي بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة وفي حتام أقول وللتاريخ بأن مديرالمديرية كان يقف داعماً للجنة الاهلية المشرفة على المسجد وإن لم يعارض القائد العسكراً جهراً وهو أيضاً شرح للفريق/ سفحت أفريم تفاصيل ما جري هناك حول ترميم المسجد وبناء غرفتيين ملحقتين به، ومدير المديرية كان يعارض هدم الاجزاء الجديدة التى تم بنائها في المسجد لأن ذلك سوف ينتج عنه غضب شعبي سوف لن يتوقف بسهولة.

في الختام إن شعبنا الإرتري الباسل يحمل قيم وأخلاق تمكنه من مقاوم الظلم الذى سوف يزول يوماً ما وتعود إرتريا لأهلها وشعبها.

Top
X

Right Click

No Right Click