جامعة اسمرة... التي فَرَّتْ من قسوره - الجزء الثالث عشر والأخير

بقلم المهندس: موسي عَوِلْ خير - كاتب إرتري

نماذج من نضالات الحركة الطلابية الارترية في جامعة أديس أبابا:

في الجزء السابق تحدثنا عن النموذج الذي كان يمثل المدرسة التي كانت تعمل بمعزل عن

جامعة أسمرة

الحركة الطلابية الاثيوبية والتي كان يمثلها الطالب/ كداني كفلو وبعض الطلاب الذين كانوا يتعاونون معه.

في هذه الجزء سنقدم بعض النماذج من المدرسة الثانية وهي التي كان يمثلها الطلاب الارتريون الذين قاموا بالانخراط في الحركة الطلابية الاثيوبية، فقدموا تضحيات كبيرة وصلت حد التضحية بالنفس وهي ذروة سنام التضحيات.

بالرغم من الجهود التي قدمها الطالب كداني كفلو لفصل الحركة الطلابية الارترية في جامعة أديس أبابا من الحركة الطلابية الاثيوبية إلا أن الأمر لم يكن سهلاً، فإن البعض لم يجد بداً من الانخراط والعمل من خلالها، وقد نتفهم موقفهم هذا الذي تفرضه ظروف ذاتية وموضوعية تحتاج إلى الروح التي كان يتمتع بها الطالب/ كداني كفلو لتجاوزها والتغلب عليها.

في تقديري هناك بعض الأسباب التي أدت إلى انخراط البعض في الحركة الطلابية الأثيوبية، نذكر منها ما يلي:-

1. مغادرة جيل الرواد الذين كانوا متمسكين برفع لواء القضية الارترية وحدها العاصمة أديس أبابا إما لتخرجهم أو الانضمام للكفاح المسلح وبعضهم بغرض استكمال الدراسة في أوروبا وأمريكا.

2. قلة أعداد الطلاب الارتريين في جامعة أديس أبابا مقارنة بأعداد الطلاب الاثيوبيين الأمر الذي يفقدهم الزخم اللازم للتأثير على الأحداث.

3. ظهور التيار الماركسي وقيادته للحركة الطلابية الاثيوبية (طلاهون قزاو نموذجاً) واعتناقهم الماركسية اللينينية فكراً وممارسة مؤمنين بوحدة المصير بالاضافة إلى الشعارات التي كانت تنادي بها هذه الحركة الطلابية اللينينية المتمثلة في حق القوميات في تقرير مصيرها حد الانفصال (ورقة الطالب وللاين مكنن في 1969م نموذجاً) الأمر الذي خلق في نفوسهم طمأنينة بالحصول على أشواقهم الارترية دونما عناء عندما يصل هؤلاء الماركسيون إلى سدة الحكم في اثيوبيا.

4. توجسهم من جبهة التحرير الارترية بسبب البروبقادندا التي كان يقودها الامبراطور ضدها وتوصيفها تارةً بالاسلامية وأخرى بالعربية وحتى جهاديةً تسعى لإبادة المسيحيين وطردهم من أرضهم، وهذا ما جعلهم يلوذون بالصمت عندما قام اتحاد طلاب جامعة أديس أبابا بتمرير مشروع قرار يدين جبهة التحرير الارترية في عام 1967م.

ونظراً لهذه القناعة، فقد شوهد الطلاب الارتريون على قلتهم في الصفوف الامامية للمظاهرات، يقول بطروس تسفا قرقيس Petros Tesfagiorgis في مقال نشره موقع عواتي في 27 نوفمبر 2007م، يقول فيه: أتذكر أنه في إحدى المظاهرات كنا ستة أو سبعة من الطلاب الارتريين في الصفوف الأمامية، وأتذكر منهم إيمانويل يوهانس، مسفن أرايا، تسفاطيون مدهاني، تسفو كدان، ملس قبرماريام، إيمانويل قرسوس والذي كان ضمن المجموعة التي انضمت للكفاح المسلح للثورة الارترية باختطاف طائرة الخطوط الجوية الاثيوبية بقيادة الطالب/ موسيي تسفاميكائيل، إلا أن إيمانويل قرسوس لم يمكث طويلاً في صفوف جبهة التحرير الارترية فقام بتسليم نفسه إلى العدو الاثيوبي، يقول بطروس تسفا قرقيس في شأنه: " لا يمكن أن يتصور أحد مقدار الضرر الذي ألحقه بالشعب الارتري بعد استسلامه للعدو"، وأثناء التظاهر انفصلت المقدمة عن المؤخرة فوجدوا أنفسهم محاصرين بالكامل من قبل قوات مكافحة الشغب ليتم نقلهم إلى سجن كولفي Kolfe في شاحنات الجيش.

هذا بالاضافة إلى بعض الجهود النوعية التي قام بها بعض الطلاب التقدميون، حيث لعب بعضهم أدوارًا محورية، نذكر منهم: الطالب اللامع والجريئ/ تمسقن هيلي Temesgen Haile الذي كان أول من مات تحت التعذيب في السجون الاثيوبية، وهناك ممن شارك في الصحيفة الطلابية الإريترية السرية المسماة "طحيشا Tihisha" أمثال: المحرر المشارك الطالب/ بطروس يوهانس أدقوي، ومعلم الماركسية اللامع/ يوهانس سبحتو الذي عمل خلال العامين التي تم إيقافه فيها من الجامعة مراسلًا لاحدى الصحف اليومية الناطقة باللغة الإنجليزية في أديس أبابا، ثم وبعد إلتحاقه بالكفاح المسلح تم إعدامه هو وموسي تسفاميكائيل من قبل الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا مع مجموعة المنكع، ومن بين الطلاب النشطين في جامعة أديس أبابا إيمانويل يوهنس Amanuel Yohanes - وهو شقيق زمهرت يوهنس عضو المجلس التنفيذي للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة - يصفه أقرانه بأنه مناضل نشط وحركي بشكل غير طبيعي، وكان الوحيد من بين الطلاب الثوريين الذي كان مدرباً على استخدام السلاح بسبب تلقيه تدريباً قتالياً مع الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا قبل عودته إلى أديس أبابا، علماً أن إيمانويل يوهنس كان ضمن المجموعة الطلابية التي تم قامت السلطات الأمنية بتصفيتها أثناء محاولتهم اختطاف طائرة الخطوط الجوية الاثيوبية.

هناك من الطلاب الارتريين من أصبح علماً في سماء الحركة الطلابية الاثيوبية، أمثال: مسفن هابتو Mesfun Habtu الذي اشتهر بتأليف الأغاني الثورية التي كان يرددها الطلاب أثناء المظاهرات والتجمعات في الحرم الجامعي مثل أغنية "فنو تسامارا فنو تسامارا إندا هو تشيمن إندا تشي غيفارا" Fano Tesemara Fano Tesemara en’de Ho Chi Minh en’de Che Guevara، عندما بدأ نجم مسفن هبتو يسطع ويتألق في سماء أديس أبابا أصبح هدفاً للسطات الأمنية فغادرها إلى الولايات المتحدة الامريكية، إلا أنه لم يكن مرحباً به من قبل اتحاد الطلاب الاثيوبيون في شمال أمريكا والمعروف اختصاراً بـ (ESUNA) ثم وجد مشنوقاً في غرفته.

آخر النماذج النضالية للحركة الطلابية الارترية في جامعة أديس أبابا:

تعد حادثة اختطاف طائرة الخطوط الجوية الاثيوبية في 1972م آخر نماذج نضالات الحركة الطالبية الارترية في جامعة أديس أبابا لكون هذه الفترة تعتبر نهاية العصر الذهبي وانفراط العقد الكاثوليكي الذي كان يجمع الحركة الطلابية الارترية بالحركة الطلابية الاثيوبية من ناحية، وتحول الحركة الطلابية الاثيوبية نفسها إلى العمل المسلح من ناحية أخرى.

بعد أن بدأت الحركة الطلابية في جامعة أديس أبابا بالتفكير في مواجهة النار بالنار من ناحية، وتضييق قوات الأمن الاثيوبية على قيادات الحركة، تم وضع خطة لعمليات اختطاف الطائرات المدنية الاثيوبية لسببين: كوسيلة لخروج القيادات الطلابية خارج البلاد أولاً، وخلق ضجة اعلامية تؤدي بالضرورة إلى لفت انظار العالم إلى ما يعاني منه الشعبين الاثيوبي والارتري من قمع واستبداد في محاولة لكسب الرأي العام العالمي إلى جانب الثوار ثانياً، لذا جرت محاولتين ناجحتين لاختطاف الطائرات، كانت الأولى في 1969م بقيادة القائد الطلابي الماركسي التقراوي/ برهاني مسقل ردَّا، أما الثانية فقد كانت ارترية خالصة، قام بها مجموعة من الطلاب الارتريين في 1971م بقيادة القائد المستنير الارتري/ موسيي تسفاميكائيل برفقة يوهانس سبحتو ودبساي قبري سلاسي وإيمانويل يوهانس، إيمانويل قرسوس، فأما الثلاثة قام أفورقي بتصفيتهم ضمن مجموعة المنكع، والرابع وهو إيمانويل يوهانس شارك في المحاولة الثالثة وقتل فيها، وأما المحاولة الثالثة لم يكتب لها النجاح والتي كان على رأسها منظِّر الحركة الطلابية/ وللاين مكنن، ففي الثامن من ديسمبر 1972م قام سبعة من قيادات الحركة الطلابية في جامعة أديس أبابا بمحاولة اختطاف طائرة الخطوط الاثيوبية المتجهة من أديس أبابا إلى أسمرا وهم:-

1. قائد العملية/ وللاين مكنن Walelign Mekonen - اثيوبي.

2. قيتاشو هبتي Getachew Habte - اثيوبي.

3. تسفاي بريقا Tesfaye Birega - اثيوبي.

4. تداليش كداني ماريام Tadelech Kidanemariam - اثيوبية.

5. مارتا مبرهتو Martha Mebrahtu - إرترية.

6. يوهانس فقادو Yohanes Fekadu - إرتري.

إمانويل يوهانس Amanuel Yohanes - إرتري، وهو شقيق المناضل/ زمهرت يوهانس، جاء إمانويل يوهانس إلى أديس أبابا بعد أن أكمل تدريبه القتالي في الميدان وذلك بغرض تدريب أصدقائه الطلاب في الجامعة على القتال ومساعدتهم على اختطاف الطائرات بتهريب السلاح اللازم من الميدان إلى أديس أبابا، لذا قام بتكليف الطالب/ مسفن أرايا بالذهاب إلى أسمرا والتواصل مع الثورة الارترية لتوفير السلاح اللازم للعملية، إلا أن مسفن خاف ولم يحضر السلاح بل وسافر إلى الولايات المتحدة الامريكية قبل أن يواجه أصدقاؤه الطلاب مصيرهم المحتوم، ثم بدأ يكتب ضد الثورة وتلك قصة أخرى، تحكي عن أن هذه الصورة النضالية للطلاب لم تكن كلها وردية، فهناك الكثير من الطلاب الثوريين ممن انقلب على مبادئه وشايع الاستبداد، منهم إيمانويل قرسوس Amanuel Geresus الذي كان ضمن عملية الاختطاف الثانية ثم قام فيما بعد بتسليم نفسه للعدو الاثيوبي بعد أن انضم لجبهة التحرير الارترية، حيث قام بالتنكيل برفاقه المناضلين.


قام الطلاب السبعة في صبيحة الجمعة الثامن من ديسمبر 1972م بمحاولة اختطاف رحلة الخطوط الاثيوبية المتجهة من أديس أبابا إلى أسمرا، وبعد اقلاع الطائرة وفور اصدارهم التعليمات للطيار بتغيير وجهته قامت قوات أمن الطيران التي كانت قد اكتشفت أمرهم بإطلاق النار عليهم فأردتهم قتلى عدا واحداً وهي الطالبة/ تداليش كيداني ماريام والتي أصيبت بجروح بليغة ثم قضت عقوبة بالسجن لعامين ليتم الافراج عنها فيما بعد، بينما الستة الآخرون قضوا نحبهم داخل الطائرة ليصبحوا أيقونات للثورة الطلابية التي كانت العمود الفقري للثورة التي أطاحت بالامبراطور بعد عام فقط من الحادثة.

دفنت مارتا مبرهتو في مقبرة بطرس باولوس في أديس أبابا في ملابس عروس كما تقتضي التقاليد البروتستانتية للفتاة التي تتوفى قبل أن تتزوج.

دفن يوهانس فقادو في المقبرة الايطالية الكاثوليكية في العاصمة أسمرا، ويقدر بأن نصف سكان أسمرا حضروا مراسم دفنه وأقفلت المدارس ليومين.

أما إيمانويل يوهانس لم يتعرف عليه أحد، حتى ذويه لم يتمكنوا من معرفة وجوده ضمن ضحايا العملية إلا بعد شهور وذلك بسبب تغيير إسمه إلى اسم مسلم لتضليل السلطات الأمنية لأنه كان معروفاً لديهم لمشاركته في عملية الاختطاف الثانية في 1971م.

أنجيلا ديفس الافريقية:

كان رفاقها الطلاب يلقبونها على الفامنست وداعية الحقوق المدنية المناضلة الامريكية من أصل افريقي (أنجيلا ديفس)، ولدت في أديس أبابا لأبوين من أصول ارترية، والدها الجنرال/ مبرهتو، الذي كان ضمن قيادات نظام الامبراطور، قدر لها أن تتلقي جزء من تعليمها الثانوي في نجيريا وأمريكا الأمر الذي أكسبها تجارب عديدة وأفكار مديدة، تم قبولها في كلية الطب بجامعة أديس أبابا وهي في الخامسة عشرة من عمرها نتيجة لنبوغها وتفوقها الأكاديمي، ومنذ أن بدأت دراستها في الجامعة تم اختيارها رئيسة لاتحاد طلاب كلية الطب وعضو في قيادة اتحاد طلاب الجامعة، فكانت كالرمح الملتهب في صدر الامبراطور مع رفاقها - طلاهون قزاو، برهاني مسقل، وللاين مكنن - يقول والدها الجنرال مبرهتو بأنها كانت تواجهه بشراسة بسبب عمله مع النظام الاقطاعي للامبراطور هيلاسلاسي، إنها نجمة الحركة الطلابية في جامعة أديس أبابا وأيقونتها الثورية/ مارتا مبرهتو.

في الليلة التي سبقت محاولة اختطاف الطائرة، وتحديداً في ليلة الخميس 7 ديسمبر 1972م، قامت مارتا مبرهتو بكتابة بيان الوداع، عرف فيما بعد بـ مانفيستو مارتا Martha Manifesto هذا نصه:

"نحن نساء إثيوبيا وإرتريا، أقسمنا بالمشاركة في النضال، وهنا نود أن نشرح لأخواتنا وإخواننا في جميع أنحاء العالم طبيعة كفاحنا، نضالنا يتطلب تضحية مريرة من أجل تحرير شعبنا المضطهد والمستغَل من قبل الإقطاع والإمبريالية، لذا علينا أن نتحلى بالجرأة والقسوة، وهي اللغة الوحيدة التي يمكن أن يفهمها أعداؤنا، نحن نساء إثيوبيا وإريتريا، لا يتم استغلالنا في طبقات العمال والفلاحين فحسب، بل أيضًا ضحايا لعدم المساواة بين الجنسين، وتتم معاملتنا كمواطنين من الدرجة الثانية، لذلك فإن مشاركتنا في هذا النضال يجب أن تعمل على مضاعفة جهود المجموعات المضطهدة الأخرى، يجب أن نكافح بقوة أكبر، يجب أن نكون في الطليعة، يجب أن نشارك على قدم المساواة في النضال من أجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية التي خاضها إخواننا، علينا مسؤولية أن نصبح قوة هائلة في الجيش الثوري، الحقوق في الحرية والمساواة ليست منحة من السماء، نحن النساء يجب أن نقوم بتنظيم أنفسنا، وعلينا أن نكون مستعدين لأي كفاح مسلح، ستحتاج هذه المعركة إلى دعم مالي ومادي ومعنوي من الجمعيات النسائية الدولية التقدمية، وسنتواصل مع أخواتنا في أجزاء أخرى من العالم حتى يتمكنَّ من مساعدتنا في تحقيق أهدافنا، نأمل أن يصل دعمكم إلينا بالشكل الذي نحتاجه، نؤكد دعمنا الكامل لشعوب العالم المضطهدة التي تكافح لتحرير نفسها من الإمبريالية والاستعمار والعنصرية، كما نقف إلى جانب المناضلين من أجل الحرية في فيتنام وفلسطين وغينيا بيساو وفي بلدان أفريقية وأمريكية لاتينية أخرى، وندعم قادة الحقوق المدنية في أمريكا الشمالية، أتمنى للحركة الشعبية من أجل الحرية في كل من إثيوبيا وإرتريا البقاء إلى الأبد، أخواتي وإخواني فليتواصل القتال، والنصر لنضالات شعوبنا".

كانت هذه نماذج من نضالات الحركة الطلابية الارترية في جامعة أديس أبابا.

Top
X

Right Click

No Right Click