التواطؤ والخيانة الخونة الكوماندوس - الحلقة الثالثة عشر والأخيرة

بقلم الأستاذ: متكل أبيت نالاي - كاتب وناشط سياسي ارتري

سقوط الإمبراطور: ومن جانب أخر كانت إثيوبيا تدعي ملكيتها لإرتريا مبررا ادعاءاتها

على أساس انتماء الهضبة وسكانها التاريخي والثقافي للحبشة وكانت هذه الهضبة تشكل مصدر التوتر الدائم في صراعنا مع إثيوبيا.

والحقيقة التاريخ يؤكد بأن أكسوم هي قبلتهم منها خرج الكثيرون من الطغاة واليها وجه كثيرون خطابهم مدحاً كان أو نصيحة وكانت هذه الثقافة تنظم حيات إنسان المرتفعات وتتحكم فيه من المهد إلى اللحد فتكونت فيها الأصولية المسيحية من أتباع القانون الكنسي (الشريعة المسيحية) وكانوا يقبلون بنظام المراتبيات الهرمية السائدة في المجتمع الإثيوبي ويطيعونه عن طيبة خاطر ويعتبرونه وكأنه شيء طبيعي وأبدي مثل القوانين الأبوية وغيرها لأنه مرسخ منذ مئات السنين فيهم نظام النبلاء والإقطاع وأبناء العائلات وتقسيم الشعب إلى طبقات عليا ودنيا عن طريق الوراثة فكانت فيهم فئة كبيرة تحلم بالمساواة بينهم، إلا إنها لم تهضم بعد مسألة الاستقلال والحرية بالإضافة كان يتكون من هجرات كثيفة لنسل من مختلف الجماعات من حضارة أكسوم يأتون إلينا من الأطراف الأكثر فقراُ المجاورة لحدودنا مثل منطقة عقامي، وإيروب، وعدي قرات وهي مرتفعات تغراي الشمالية ومنحدراتها الشرقية الوعرة ويعود وجودهم في إرتريا إلى أجيال قليلة مضت ولكن تبقى الغة التغرنية المحكية في إرتريا هي المبرر وطنيتهم حتى أصبحت اللغة التغرنية لغة المجموعة العرقية المختلفة النوع والمتماسكة وممثلة الثقافة الإثيوبية في البلاد. وظلوا يبحثون عن مكان ومكانة في بلادنا رغم وسع إثيوبيا، حتى الآن لا نعرف المبرر لهذا الزحام في هذا الموقع من بلادنا.

ولكن نعتقد أهمها الفقر والانفصال الاجتماعي للعائلات والتشرد وأصبحت هذه المنطقة تعكس إلينا صورة حية من صور ومشاكل إثيوبيا في سكن والعمل والأمن وفي حقوق الأرض والثورة هؤلاء غزو أرضنا بأمراض مستوطنة في إثيوبيا كما جعلونا نشعر كأجانب في بلادنا وهم يتصرفوا كالسكان الأصليين. وأصبح فيها كل من تكلم التغرنية تغرنية القومية. فهم في الحقيقة خليط من الذين ينحدرون من مناطق التداخل الحدودية الإثيوبية والمجاورة لأرضنا و لكن أصبحوا يشاطرون معاُ أصلاُ واحداُ. من روابط ثقافية ومنشأ واحد ودينية وعرقية وجغرافية مثل كلمة (حبشا، وأكسوم) ومازالت الهجرة مستمرة والقوانين الإرترية ترحب بهم لاستخدامهم في أدوار سياسية. والحقيقة حيث ما ارتحلوا في إثيوبيا وإرتريا يكرهم الشعب ولم يتوصل معهم للأسباب مازلنا نجهلها.

أكسوم تعتبر خليقة هذا العالم المجنون وبسبب تعاليمها العنصرية التي أقبل عليها المرتفعات تراجع أوضاع المسلمون وتدني مراكزهم الاجتماعية وأحوالهم المعيشية على مستوى إثيوبيا وبشكل مقصود، كما خلقت روح العجرفة المسيحية على هؤلاء المتوحشين الذين يحملون منطق يوهنس، والقساوسة أمثال هيلي سيلاسي، يمثلون سلسلة متصلة من الأسلاف ضاربة في أعماق القدم. وورث عنها كل غرائزها ومزاياها الوحشية التي كانت تكفل لهم البقاء وتمنحهم القدرة على الموجهة تحديات الحكم ومخاطرها، وللأسف وبدلاُ من أن يطوروا عقلية يوهنس وألولاء ظلوا يحتفظوا بها في ذاكراتهم وهكذا بقوا على عهد أسلافهم ألولاء، ويوهنس الرابع السيئ الذكر الذي أصدر في عام 1878 م قانونا يفرض على المسلمين واليهود (الفلاشا) ولجالا والوثنين بالتنصر.. وأعطى المسيحيين - غيري الأرثوذكس - مهلة سنتين. والمسلمين ثلاثة سنوات والوثنيين خمس سنوات لتغير دينهم وأجبر موظفي الدولة على التنصر أو ترك مناصبهم ولم يسمح لهم بالإدلاء بشهادتهم في المحاكم، كما كان يجبر الناس على تغيير دينهم ويعاقبهم بقطع أطرافهم وأذانهم بالتعصب الأرثوذكسي الباطل. وبعد أن قتل الدراويش الملك يوهنس في (عام 1888م وقطعوا رأسه) مثلما فعلوا بالجنرال جوردون المتعصب مثله) تولى من بعده الإمبراطور منيليك الثاني، الذي اتجه إلى شرق وجنوب الحبشة، لإخضاع المسلمين وتوسيع مملكته بقوة السلاح.. فعاد معظم الذين هربوا بدينهم إلى ديارهم بينما استقر الباقون في المناطق التي استقبلتهم كلاجئين.

هكذا ظلت أكسوم تحارب طول تأريخها ليس من أجل السيطرة والاستعمار بقدر ما كانت تسعى لهزيمة الدين الإسلامي وطمسه.وأي أرض دخلوه أباطرة أكسوم شيدوا فيه الكنائس ويسعوا إلى تنصير المسلمين فيها ما تزال هذه الرؤية مستمرة إلى يومنا هذا، ولكن بطرق أكثر ملائمة للعصر. كما أن حكام أكسوم معروفون بإلقاء اللوم على الآخرين بمثابة دواء سحري لكل العلل التي تزخر بها إثيوبيا بدلاُ من مشقة البحث عن الأسباب الفعلية الكامنة في تربة المجتمع وطريقة إدارة البلاد. وعمي القساوسة الكثيرون من الحكام عن رؤية الشروخ والشقوق التي أصابت تطور إثيوبيا بالوهن والسقوط.

وكانت تعالج الكنيسة هذه الأمور بتكثيف اللوم على”أعداء“ أبديين وهي الدول الإسلامية المحيطة بأثيوبيا أن الذهنية التآمرية في إثيوبيا قديمة وهي لم تهبط من السماء بكل تأكيد نمت من جذور ثقافة أكسوم ويمكن تلمس هذه الجذور في انبثاق السلطة وصعود الحكام إلى الكرسي الحكم، وكان الحاكم الفرد يقفز إلى السلطة باتكاء على الحيلة والبراعة ولأساليب الملتوية واللجوء إلى التحالف والدسائس والمؤامرات. ويبقى الجو معبأ على الدوام ضد الآخرين وتتكاثر نيات الإيقاع بالآخرين وتنمو شتلات من القساوسة الكوماندوس حول الحاكم وتحاصروه بأفكارها الوحشية ليحكم الحاكم عبر القهر والجبروت وهم يمدون سلطانهم على الناس بالحديد والنار وما زال الحال على المنوال ذاته حتى هذا اليوم، فالحكومات القائمة والمتتالية في القرن الأفريقي لا تتمتع بالشرعية وهي لم تأت عن طريق الانتخابات وصناديق الاقتراح.

ولذلك فهي مذعورة دائماً، و لهذا الأسباب بالذات تلجا إلى ترويج ”أفكار“ المؤامرات في النسيج المجتمعي لتبقى إمكانية التحكم بالناس قائمة. ولأمر ليس هذا وحده فالتخلف الناشئ عن تبعثر القوى وتشتت الإمكانيات وتعثر خطوات المجتمع، إنما يرتبط بالعقلية المهيمنة حيث يسود النزوع إلى الاستئثار بالحكم والقرار والتدخل في حيات الناس، وحيث ينتشر الفساد ويتعمم الخطأ. وفوق هذا القداسة التي تسبغ على الأفكار والعقائد ولأشخاص إنما تعيق نمو المجتمع وتطوره وتضع القيود في قدميه.

كان هيلي سيلاسي قد تلقى تعليمه على أيدي المبشرين الفرنسيين منذ صغره ثم حاول المضي بإثيوبيا على أسباب الذي ذكرتها أعلاه، ولتي هي طريق أوهام القساوسة المسيحيين، هؤلاء الذين يزعموا له إنه من سلالة الملك سليمان و بلقيس حول أصوله اليهودية وتروي هذه الأساطير التي تختلف كل الاختلاف عن مفهومنا عن النبي سليمان والملكة بلقيس التي نعرفها في القرآن الكريم أو في التأريخ ملكة سبأ من بلاد اليمن، في حين يعتقد الإثيوبيون أنها أميرة إثيوبيا، وتروي هذه الأساطير أن الملك سليمان حين شرع في إقامة المعبد في أرض القدس أوفد إلى أركان الدنيا الأربعة رسلاُ يأتونه بما يلزم لبناء عرشه، وقد سمع بهذا الخبر تاجر إثيوبي يدعى (تاماران) من موردي قصر الأميرة بلقيس، فسافر هذا التاجر إلى الملك سليمان حاملاُ إليه أحجاراُ زرقاء وخشباُ من الأبنوس الصلب، ولما وصل إلى أرض الملك سليمان راعه عظمة الملك وأبهته، وبهرته حكمة الملك سليمان، فرفع الخبر إلى الأميرة بلقيس، فقررت زيارة الملك سليمان فاستقبلت استقبالاُ رائعاُ، واستمعت إلى أقوال الملك فقررت ترك عبادة الشمس والقمر واعتنقت اليهودية، وبقيت هناك ستة أشهر كاملة، وأن الملك سليمان راودته نفسه في بلقيس من أجل أن يأتيهما غلام يكون له عرش الحبشة ليس غير، فتنتشر هناك اليهودية ويقضى على الوثنية وعبادة الشمس والقمر، وتروي الأسطورة حكاية مراودة سليمان لبلقيس بأنه قبل سفرها قد أمر باء عداد وليمة فاخرة لها، وفيها الأطعمة التي تحوي على التوابل، وبعد انتهاء الوليمة دعاها إلى قصره فترددت في أول الأمر تم وافقت على ألا يحاول معها أمراُ تأباه، وألا تمس هي شيئا ُفي قصره دون إذنه، ولما انتهت السهرة وحان وقت النوم أعد في القصر فراشين للملك وضيفه. فأخذ كل فراشه، وتظاهر سليمان بالنوم العميق، وشعرت بلقيس بالظمأ الشديد نتيجة أكل التوابل فقامت إلى الماء، فنهض الملك سليمان وقال لها بأنك قد خالفت العهد ومسست ما في القصر دون إذني وإني قد أصبحت في حل من عهدي ونال منها مأربه.

وعندما عادت بلقيس إلى الحبشة ولدت غلاماُ أسمته (منيليك)، وقد صدر قانون يقضي بأن يظل عرش الحبشة وقفاُ على سلالة (منيليك) من الذكور دون الإناث. وبقيت هذه الأسرة تحكم الحبشة وهذا ليس غريباُ فكثيراُ من الأسر المالكة في العالم ما تدعي مثل هذا الادعاء، فالانكليز مثلاُ يروجون أسطورة تقول أن السكسون يعودون في أصلهم إلى إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. وما يهيمنا هنا بأن الأساطير تلعب دوراُ هاماُ في حياة الإثيوبيين ولأن الكنيسة هي صاحبة السيطرة والقوة جعلت إثيوبيا تبدوا ذو الغالبية مسيحية فا حكامها يحسون دائماُ بالقلق، ويشعرون بعدم الاطمئنان يريدوا أن يكسبوا شعبهم بالكذب والدعاية. و هذه الأفكار نفسها هي التي جعلت منطقة القرن الأفريقي موطن لأعتى الدكتاتورية في العالم.

هكذا أدخل الإمبراطور إلى تراث الإثيوبي العنصر اليهودي وازدهر بها وضلل اليهود بهذه الأوهام والأساطير وأن كان غير مفهوم هذا لإسرائيل إلا إنها نظرت إلى الموضوع بتعقل بعيد عن الغرور الإمبراطوري.

إسرائيل كانت ومازالت تولي البحر الأحمر أهمية خاصة وذلك لاعتبارات إستراتيجية واضحة: فالبحر الأحمر هو منفذها إلى شرق وجنوب القارة الأفريقية، وهو بوابتها إلى المحيط الهندي وإلى دوله المشاطئة ومنه إلى المحيط الهادئ ودوله. والتحكم بالبحر الأحمر خصوصاُ في مدخله الجنوبي من جانب الدول العربية يعني خنق هذا الشريان الحيوي لإسرائيل. لهذا أن إسرائيل وإثيوبيا تجمعهما مصلحة إستراتيجية واحدة هي التأكد من أن البحر الأحمر لن يصبح بحراُ يسيطر عليه العرب.

أضاف هيلاسيلاسى في توجهه مبدأ ”تسلم إثيوبيا إنجيل المسيح في وقت واحد مع الدول الغربية فارسا قواعد المسيحية وحرك هذا الوعي وسط الشعب الإثيوبي الجاهل أمكنه أن يسيطر بها طويلاُ. وللدين تأثير كبير في الشعب الإثيوبي لذا فالكنيسة لها نفوذ واسع، وعدد القساوسة كبير جداُ بحيث لا يماثله عدد في أي بلدان العالم، وتتدخل الكنيسة في كل قضية حتى إنه لا يمكن معارضتها، والحقد على المسلمين لا يوصف، وجميع الحروب التي جرت في هذه المنطقة ليست إلا حروباُ صليبية محضة، فلا يمكن أن يقال عنها إنها من أجل التوسع والنفوذ، أو حب السيطرة والامتداد،كما لا يمكن أن توصف بأنها وراء غايات اقتصادية أو فتح مجالات حيوية، وهكذا فأن لرجال الدين في إثيوبيا واردات ضخمة مما جعلها تجذب الناس إليها فهي وسيلة للكسب المادي، حيث يفرض رجال الدين على السكان رسوماُ باهظة، كما تعد الكنيسة صاحبة إقطاعيات واسعة جداُ، وتتدخل في كافة القضايا السياسية ولاجتماعية، ولا يتولى العرش إلا من ترضى عنه الكنيسة ويجب أن يكون مسيحي من المذهب الأرثوذكسي، والجهل يخيم على كافة الشعب وحتى على رجال الدين تنتشر بينهم الخرافة وتسود الأساطير، ويتقبلها السكان، ويؤمنون بها تماماُ،ومع هذا كان يبلغ عدد طلاب مدارس الكنيسة أكثر من عدد الطلاب في عهد الإمبراطوريات. وقد قل هذا الأمر نسبيا ُفي الأيام الأخيرة.

وكان الإمبراطور هيلي سيلاسي زعيما روحيا ورمز ديانة ”الراستفاريانيسية“ وهو الإنجيل الراستفاريانيسي الذي يدعي إنجيل الرجل الأسود وقد طبعه للمرة الأولى روبرت روجرز في العام 1924 باللغتين الإثيوبية ”الإمهرية“ والإنجليزية ولم تكن تلك الديانة معروفة في العالم قبل زيارة هيلي سيلاسي الى جامايكا في العام 1966، ثم انضواء بوب مارلي إلى صفوف ”الراستاس“ وهو من الأتباع الذي تولى نشر هذه العقيدة من خلال الموسيقى في العالم. وهكذا القساوسة أضفوا إليه الحق الإلهي وأعطوه عشرات الألقاب التي تمجد الإمبراطور ثم تعظمه، ثم عبادته. فهو ملك الملوك، وصاحب الجلالة، والمعظم، ولإمبراطور، وصاحب السمو الموقر، والأكثر تمجيدا، والأعظم فضلا، والواقي ألحمي، وجان هوي، وحطي وهيلي سيلاسي الأول. وأسد يهوذا كان للإمبراطور كلب صغير، من أصل ياباني يدعى لولو. يسمح له بالنوم في سرير الإمبراطور العظيم. ويرافق الإمبراطور في سفره وفي الاحتفالات الرسمية كان يوهم بها الشعب الإثيوبي كلما قفز الكلب من حضن الإمبراطور كان الشعب يأتون بقصص حولها من يسمها جينية تستحضر الأرواح الشريرة ومن يتهمها بقدرتها في معرفة الخونة كان دجال كان يعرف كيف ينمي هذه الأساطير وسط الشعب الإثيوبي.

ويقول احدي الذي عملوا في خدمة الإمبراطور في القصر يقول يستهل الإمبراطور يومه بالاستماع إلى تقارير المخبرين. الليل في نظره ”يفقس” المؤامرات. كان يعلم أن ما يحدث فذلك أكثر أهمية مما يحدث في النهار، فهو يستطيع أن يرقب الجميع في النهار، أما في الليل فذلك مستحيل.لذلك كان يعلق أهمية كبيرة على التقارير الصباحية. وهنا أود أن أوضح شيئا، هو أن جلالته الموقر لم يكن يقرأ. لا وجود عنده للكلمة المكتوبة ولا المطبوعة. ينبغي أن يروى له كل شيء شفهيا. لم يعرف جلالته المدرسة. مدرسه الوحيد أثناء طفولته، أب يسوعي فرنسي، المونسنيور جيروم الذي أصبح أسقف هرر، وصديقا للشاعر آرثر رامبو، في وقت لا حق. لم يقدر لهذا الاكليريكي أن يرسخ في الإمبراطور عادة القراءة. لقد صعب ذلك عليه لان هيلاسلاسى كان منذ نعومة أظفاره يتحمل مسؤوليات إدارية لا تترك له وقتا للقراءة المنتظمة.

وحين يطل الإمبراطور على سلم القصر في الصباح ويبدأ نزهته الصباحية. يدخل الحديقة. يتقدم منه سولومن كيدي،رئيس المخبرين في القصر ويقدم له تقريره. يسير الإمبراطور فيما يسير رئيس المخبرين وراءه على بعد خطوة كاملة، وهو يتكلم من اجتمع بمن؟ أين كان إلقاء؟ وماذا تناول الحديث؟ في وجه من ينشئون هذا التحالف؟ وهل هنالك مؤامرة فعلاُ؟ ثم يرفع كيدير تقريراُ عن المخابرات العسكرية وفك رموز الاتصالات بين الفرق المختلفة. لا مجال للتغاضي عن أي مؤامرة، سموه لا يطرح أي سؤال، ولا يتلفظ بأي تعليق يسير ويصغي. أحيانا يتوقف أمام قفص السبع يلقي له فخذا من لحم بقر قدمه له الخادم. يراقب شراسة السبع ويبتسم. ثم يقترب من الفهود المقيدة بسلاسل. ويرمي لها الأضلاع. فيما يواصل كيدير رواية التقرير. وفي لحظة معينة يحني صاحب السمو جبينه قليلا مما يشير إلى كيدير بضرورة الذهاب. عند ذالك ينحني المخبر ويسير من غير أن يلتفت على الوراء حتى يختفي.

وفي اللحظة يتقدم وزير الصناعة والتجارة ماكونن هابت والد، من وراء شجرة. يقف على مسافة خطوة من الإمبراطور ويقدم تقريره. ولما كونن هابت والد شبكته الخاصة من المخبرين بقصد إشباع الرغبة بالتآمر ونيل الحظوة في عيني صاحب السمو المعظم. يروي للإمبراطور ما حدث في الليلة السابقة فيما يتابع الإمبراطور سيره، مصغيا، بلا سؤال أو تعليق محتفظا بيديه متشابكتين وراء ظهره. يقترب من مجموعة من النعام. وهي طيور مائية طويلة الأعناق والساقين، فتفر من طريقه. يبتسم حين يرى مخلوقات ترفض أن تخضع له. أخيرا، يومئ برأسه، فيصمت الوزير ويتراجع.

بعد ذلك يطل آشا والد ميكئل فجأة، كأنه يخرج من الأرض، وهو المشرف على شرطة الحكومة السياسية، وهو بالتالي مخبر منافس لسولومون كيدير.

مهمات هؤلاء الناس شاقة وخطرة كانوا يخشون أن لا يخبروه عن حدث مهم في الوقت المناسب فيسخط عليهم، كما كان واحدهم يخشى أن يكون تقريره غير واف فيتساءل الإمبراطور عن الاختلاف بين التقارير. هل سكت لأنه شريك في المؤامرة؟ حتى الصمت في نظره يستحق العقوبة. وتنتهي النزهة. لقد أصغى الإمبراطور إلى تقارير آشا. يطعم الكلاب والنمر الأسود، ويربت بإعجاب على الدب الذي أهداه إياه رئيس أوغندا. ثم يومئ برأسه وينحني آشا وينصرف وهو يتساءل: هل اختلف تقريره عن خصميه سولومون ومكونن؟ كل واحد منهم عدو للآخر.

عند الساعة التاسعة يصل على القصر القديم. عند البوابة يحتشد أناس يريدون أن يتقدموا إليه بعرائض. للحصول على العدالة والإحسان في الإمبراطورية. ثم هناك مشكلة بروتوكولية. كانت العادة تفرض أن يركع أصحاب العرائض أمام الإمبراطور، بوجوههم نحو الأرض. كيف يستطيع صاحب العريضة أن يسلم العريضة وهو في هذه الحالة لمن يجلس داخل سيارة الرولز رويس؟ ثم حلت المشكلة بان تسير سيارة الإمبراطور على مهل، فيما يطل إمبراطور من وراء الزجاج ويقدم رجال الأمن في السيارة التالية لالتقاط العرائض من الأيدي الممدودة. وإذا ما اقترب الحشد من سيارة الملك، كان على الحرس أن يرد الجمهور عنه كي يكون السير عاديا، ولا يتعرض لأي معوقات.

وفيما يلي اعترافات معاوني الإمبراطور ممن عملوا في خدمة الإمبراطور من رجال القصر والمخلصين له ولكن دون ذكر أسمائهم الصريحة، في أحيانا كثيرة. يقولون: لم يكن يعرف الشعب الإثيوبي بأن نهاية الإمبراطور اقتربت. وذا كان هناك أي شعور من هذا القبيل، فهو غامض شديد الغموض لا يثير أي حرج أو تخوف.

وفي صيف سنة 1973، جاء البلاد صحافي من لندن اسمه جوناثان ديمبلبي. سبق له أن زار البلاد من قبل والتقط أفلاما مرضية عن صاحب الجلالة. لم يخطر ببال احد أن هذا الصحافي الذي سبق له أن امتدح الإمبراطور قد أصبح ناقدا له. قصد الأنحاء الشمالية، ثم غادر البلاد مضطربا مذهولا. وقبل مرور شهر على ذلك وصل تقرير من السفارة الإثيوبية في لندن يقول إن ديمبلبي عرض على شاشة التلفزيون في لندن فيلما عنوانه ”الحبشة: مجاعة مجهولة“ وقد صور فيه ألوف الإثيوبيين يموتون جوعاُ في وقت يقدم فيه صاحب الجلالة ولائم وحفلات كبيرة بحضور نبلائه ورجال بلاطه. ثم عرض مشاهد عشرات الفقراء بهياكلهم الهزيلة ممددين على الطرقات فيما تهتم طائرات الغربية بنقل الشمبانيا والكافيار من أوروبا. مساحات واسعة مغطاة بالأجسام التي تعاني الموت جوعا، وصاحب الجلالة يقدم اللحوم إلى كلابه على طبق من الفضة. روعة وبؤس، غنى ويأس، فساد وموت. ضحايا الجوع مئة ألف، مائتان. والمتوقع أن يتضاعف عدد الضحايا خلال سنوات.

بعد ذلك ورد نبأ يقول أن عشرات الصحافيين الأوروبيين يريدون المجيء إلى إثيوبيا للتعرف إلى الحقيقة، والتأكد من كيفية إنفاق أموال المساعدات الممنوحة لجلالته لتحقيق التطور والتنمية.هياج واضطراب في القصر ولكن صاحب الجلالة ينصح بالاحتفاظ بالأعصاب ورباطة الجأش. هل نسمح لهم بالدخول إلى البلاد؟ أم نرفض ذلك؟ رأي يشير بالرفض ولكن وزير الإعلام يتساءل: كيف يمكن ذلك؟ وأخيرا استقر الرأي على السماح لهم بالدخول ونفي نبأ وجود المجاعة. تقرر إبقاؤهم في العاصمة حيث يرون مشاريع التنمية فقط، كي لا يكتبوا إلا ما يظهر في صحافتنا المحلية.

أضف أن صحافتنا كانت موالية كل الولاء.هي في كل حال محدودة الانتشار جدا. توزيعها 25 ألف نسخة في بلد سكانها ثلاثون مليوناُ. رأي صاحب الجلالة أن الصحافة الموالية نفسها لا يجوز أن تنتشر بكثرة. ذلك يؤدي إلى اعتياد القراءة. بعد ذلك خطوة قصيرة لاعتياد التفكير. ومعروف لنا ما تجره هذه العادة من مضايقات ومشكل وإشكالات وإقلاق. حتى الكلمات الموالية يمكن أن تقرأ على إنها معارضة.

وتوافد الكثيرون من رجال الصحافة الأجانب. وانعقد مؤتمر صحافي في القصر.

ماذا عن هذه المجاعة التي تقضي على السكان؟

”لا اعرف شيئا عن ذلك“ رد وزير الإعلام

والواقع أن جوابه غير بعيد من الصحة. أولا أن الموت جوعا أمر قديم ومألوف في الإمبراطورية منذ مئات السنين، فهو حدث عادي وطبيعي، ويومي، لم يسبق له أن أثار مثل هذه الضجة. جفاف، ماشية تموت، فلاحون يجوعون. تلك سنة الطبيعة. لذلك لم يخطر ببال احد من النبلاء أن يشغل بال صاحب الجلالة بوفاة هذا الجائع أو ذاك في هذه المنطقة أو تلك حقا أن الإمبراطور كان يزور الأقاليم، لكنه لم يكن يتوقف في المناطق الفقيرة.

هل نستطيع الذهاب إلى الشمال؟

كلا! أن الطريق خطرة بسبب وجود قطاع الطرق.

أن هذا القول أيضا غير بعيد عن الصحة.هناك اعتداءات كثيرة من قبل مسلحين في مختلف طرقات الإمبراطورية.

بعد ذلك دار بهم وزير الإعلام في جولة حول العاصمة في مناطق المصانع. وأثنى على منشآت التنمية. ليس هذا ما أرادوه. ولكن الوزير قال: لن تروا المجاعة كيف توجد المجاعة مع التنمية؟

ولكن الطلاب المتردين أرسلوا إلى الشمال من عاد بصور عن المجاعة وبقصص رهيبة عن ضحاياها فضيحة ! عاد الصحافيون إلى طرح الأسئلة. عند ذاك رد الوزير بقوله ”أن صاحب الجلالة المعظم يبدي الحد الأقصى من الاهتمام“.

كيف؟ ماذا سيفعل بالضبط؟

صاحب الجلالة هو الذي سيعلن التدابير المتخذة في هذا المجال. ليس للوزراء أن يفعلوا ذلك بعد ذلك عاد الصحافيون.اعتبر الوزير ناجحاُ في مواجهة المشكلة.

الإنسان سيء بطبيعة. ميال إلى العدوان ورواية الأكاذيب. لتدجينه ومنعه من ذلك لابد من تجويعه. الجائع لا يثور. لا ثورة في الشمال. الجائع لا يفكر إلا بالخبز فقط. من هم الذين دمروا الإمبراطورية ليسوا أولئك الذين يملكون الكثير، ولا هم الذين لا يملكون شيئاُ. إنهم أولئك الذين يملكون القليل ويطمحون إلى المزيد.

وسرعان ما تلي ذلك على استياء واسع في القصر بسبب خيانة الحكومات الأوروبية التي سمحت للصحافي ديمبلبي بأن يثير هذه الضجة حول موضوع المجاعة. إذا ُلنطالب من الأوروبيين أن يقدموا المساعدات. إنهم يملكون، فليعطوا مما يملكون. طائرات محملة بالقمح وسفن مليئة بالأرز والسكر تصل إلى إثيوبيا. الأطباء والمبشرون وغيرهم من المؤسسات الإحسانية، والطلاب، والمراسلون المتخفون في ثياب الممرضين، يتجهون نحو تغراي وولو شمالاُ وأوغادين شرقاُ. رأوا قبائل برمتها قد انقرضت. الألوف يسقطون صرعى الجوع إلى جانب مخازن ومستودعات مليئة بالأغذية. متوفرة بكثرة، ولكن المواسم كانت سيئة فاضطر الفلاحون لتسليمها. كلها إلى أسيادهم الإقطاعيين ولم يبق لهم ما يكفي لشراء الأغذية لا سيما وقد استغل المضاربون الأوضاع ورفعوا الأسعار. ذاك هو سبب البؤس. النبلاء أنفسهم يقومون بالمضاربة هم رجال الدولة وهم المستثمرون والمستغلون.

وتعالت صرخات تدعو إلى طرد المبشرين والممرضين والمحسنين من البلاد وعارض آخرون هذا التدبير. إخراجهم خطأ والسماح لهم بالبقاء بالبلاد خطأ أي مأزق؟

وبالإضافة إلى ذلك كانت الجامعة تخوض معركة مع القصر. ابني هايلو أكد ”أن تلك هي بداية النهاية. لم يعد بوسعنا أن نستمر كذلك. الفساد يعم البلاد. الناس يموتون جوعاٌ. جهل وبربرية. إننا نشعر بالخجل أمام العالم. القصر هو الذي أساء لنا صرنا نستحي أمام العالم“.

إثناء هذه المجاعة. وفيما كان المبشرون والممرضون يصخبون. والطلاب يتظاهرون ويضجون، ورجال الشرطة يقومون بأعمال المداهمة وتحطيم الرؤوس قرر صاحب الجلالة أن يقوم برحلة إلى إرتريا للاجتماع بحفيده قائد الأسطول ”اسكندر داستا“ للذهاب في رحلة بحرية على السفينة ”إثيوبيا” لكن النزهة تعطلت، إذ أن محركاُ واحدا فقط في السفينة يعمل. بعد ذلك انتقلا الإمبراطور إلى السفينة الفرنسية ”بروتيه“ حيث استقبله ربانها ”هيله“ من مرسيليا. وفي اليوم التالي أعلن صاحب الجلالة نفسه الأميرال الأعلى للأسطول. استدعي النبلاء من المناطق الشمالية ومنحهم الامتيازات والرتب العالية لإثبات براءتهم والحد من الثرثارات والتهم الأجنبية، وهم الذين أتهمهم المبشرون والممرضون بالمضاربة وسرقة قوت الشعب.

وفيما كانت الأمور تبدو هادئة سائرة في الاتجاه الملائم إذا بمقدمي الهبات والإحسان ينقمون ويوقفون شحن المساعدات لأن وزير المالية ”يلما ديريزا“ أراد فرض ضرائب على البضائع المشحونة لمساعدة الناس في إثيوبيا، بغية أغناء الخزينة، كما قال.

تريدون تقديم العون؟ افعلوا ذلك إنما عليكم أن تدفعوا. قال الوزير.

- ماذا تعني بذلك؟ نقدم العون وندفع ضرائب؟

- أجل هذه هي قوانيننا.

- تم بدأت الصحف المحلية ترفع الصوت شاجبة تصرفات مقدمي العون وتحملهم مسؤولية موت نصف مليون من الناس جوعاُ.

وفي هذه الأثناء عاد صاحب الجلالة إلى العاصمة ولقيه الناس راكعين ساجدين. ولكن ركوعهم هذه المرة لم يكن يدل على خضوع وولاء كاملين. ولم يوجه الإمبراطور أية كلمة لوم لوزير المالية على ما فعله. هناك من اعتبر مهاجمة مقدمي العون نصراُ يستحق المكافأة.

نحن في السنة الأخيرة من حكم الإمبراطور سنة 1974. من كان يستطيع أن يعرف ذلك؟ كان هنالك شعور غامض بشيء ما. ولكننا لم نكن نعلم إننا نسير نحو الهاوية بسرعة.

في شهر كانون الثاني / يناير، 1974، توقف الجنرال بيليتا أبيبه في ثكنات ”غود“ للقيام بجولة تفتيشية في أوغادين. وفي اليوم التالي وصل القصر نبأ يقول أن الجنود ألقوا القبض عليه واجبروه على أكل ما يأكلون… طعاماُ عفناُ يخشى أن يودي به إلى الهلاك. وجه صاحب الجلالة اهتمامه إلى شؤون الجيش، وزاد المرتبات لكنه تبين أن الجنرالات كانوا يثرون بوضع هذه الزيادات في جيوبهم.

في الشهر التالي، شهر شباط / فبراير، زاد الاضطراب لا في العاصمة، فقط، بل في ثكنة نيجيليه في ولاية سيدامو في الجنوب. اضطراب عنيف مرده إلى رفع سعر البترول أضرب السائقين، ثم المدرسون، ثم طلاب المدارس الثانوية، وخرجوا إلى الشوارع يحرقون ويدمرون. دمروا شركة نقليات خاص بصاحب الجلالة. وفي محاولة إخماد هذه الانتفاضة اعتقل الشرطة خمسة طلاب ثانويين ودحرجوهم من قمة تله منحدرة وأطلقوا النار عليهم. مات ثلاث، وأصيب اثنان بجراح خطرة. بعد ذلك: الفوضى، واليأس، والصخب.طلاب الجامعات ينزلون إلى الميدان. صاحب الجلالة يعلن سحب الزيادة ولكن الشارع يرفض أن يهدأ.

في هذه الأثناء تعلن الفرقة الثانية في إرتريا تمردها، وتحتل أسمرة، وتعتقل القائد والحاكم العام وتذيع بيانا من الإذاعة تطلب فيه العدالة ورفع الأجور. وفي اليوم التالي تنضم البحرية إلى المتمردين، ثم تنضم الفرقة الرابعة… كل شيء يزيد عنفا، والثائرون يتزايدون. في المساء يعلن صاحب الجلالة زيادة الأجور، ويدعوا الجنود للعودة إلى ثكناتهم. رئيس الوزراء (أكليلو ووزراؤه) يستقيلون. صاحب الجلالة يعين (إنديلكاشو) رئيس وزراء. كنت آنذاك عاملا في دائرة رسمية. زاد علينا الشغل بسبب تغيير الحكومة. كان علينا أن نراقب تنفيذ تعليمات الإمبراطور بشأن عدد مرات ذكر أي وزير أو نبيل. هنالك تحاسد وتنافس بينهم على ذلك.

آذار / مارس - نيسان / إبريل - أيار / مايو

لا حاجة لي للقول إننا نوجه مؤامرة الشوارع في حالة صخب وعنف. الجميع يتظاهرون وينظمون الاجتماعات، ويلعنون الحكومة. أنباء من أوغادين تقول أن الفرقة الثالثة هناك أعلنت تمردها. الجيش كله في حركة اختمار وتحرك. الحرس الإمبراطوري فقط موال للإمبراطور. وفي القصر. برزت ثلاث مجموعات: الجلادون وهم زمرة لا تريد ليونة ولا تساهلا، بل تدعوا إلى ضرب التحركات بقسوة وفرض الأمن والنظام وسجن المتمردين أو إعدامهم، وهي بقيادة ابنة الإمبراطور السيدة تيناني ورق. كانت في سنتها الثانية والستين غاضبة، عنيدة، تلوم والدها باستمرار على تساهله. والمتشدقون الذين يتكلمون عن الليبرالية باستمرار ويظنون الحل في دعوة الثائرين إلى المفاوضة حول طاولة مستديرة. ضعفاء، يتمسكون بمبادئ فلسفية. بقيادة الأمير مايكل ايرو وهو منفتح العقلية، مستعد للتساهل والتنازل. أما المجموعة الثالثة فهي من المتربصين، وهم الكثرة. لم يكونوا يتعبون أنفسهم بالتفكير، بل كانوا يأملون أن تتحسن الأحوال. كانوا كالفلين العائم على سطح الماء آملين أن تستقر الأمور.

ليلة بعد ليلة كان نوم صاحب الجلالة يسوء. هو لا يقول شيئا. حتى أثناء وجبات الطعام يكتفي بالإيماء برأسه، إلا أثناء الاطلاع على تقارير الجواسيس والمخبرين فهو ينشط لسماع أنباء التآمر. لكن الأنباء قليلة. كانت المؤامرة تحاك بسرية شديدة.

كان الإمبراطور يصرف بعض الوقت في نزهات حول حدائق القصر. طلب إعداد العدة لتعيين الخلف له. عين حفيده زرأ يعقوب خلفا له، وهو شاب في العشرين يدرس في جامعة اوكسفورد. وسرعان ما احتدمت المنافسة: فريق يريد تنصيب تيناني ورق قائدة الجلادين، وفريق يريد تنصيب الأمير موكنن.

وفيما كان أهل القصر يتحاربون ويتنافسون،أقدم الجيش على اقتحام المدينة ليلا، واعتقل الوزراء السابقين في حكومة أكليلو، و هم نحو 200 جنرال ونبيل من اخلص رجال الإمبراطور. وقبل أن يستفيق الناس من ذهولهم، كان الخوف هو السائد. الجلادون يحثون الإمبراطور على اتخاذ تدابير إنقاذي، والمتشدقون يرون المناسبة ملائمة لإجراء مفاوضات. وفي هذه الظروف فشل عقد جلسة للحكومة الجديدة لتقسم اليمين.

حزيران / يونيو- تموز / يوليو

فجأة يدعو الإمبراطور مستشاريه ويلومهم على إهمال شؤون التنمية ويعلن مباشرة إنشاء سدود على نهر النيل. البلاد في حالة اضطراب. كيف يمكن بناء السدود؟ شائعات تنتشر بأن بناء السدود خير وسيلة لمساعدة الجياع. وزير المالية يقول أن تدفق المياه على الحقول ينعش المواسم ويزيدها، بعد ذلك لا موت من الجوع. ويتساءل آخرون: كم من الوقت يلزم لبناء السدود؟ ويأتي رد وزير المالية: لن يموت الناس. لقد جاعوا من قبل ولم يموتوا. إذا لم نبن السدود فكيف نلحق بالآخرين، أو كيف نتجاوزهم؟

وسرعان ما انتشر الشعار التالي:

(الثروة ستتحقق لكل إنسان فور بناء السدود، الشاتمون يواصلون كذبهم ونفث سمومهم ولكن مصيرهم إلى جهنم لأنهم عارضوا السدود).

الثورة باسم الإمبراطور:

هل كان الإمبراطور يفكر بالرحيل، ولذلك عين خلفا له؟ الواقع أن مثل هذا التفكير كان ابعد شيء عن ذهنه لقد أراد معاقبة ابنه الذي اشترك بحوادث كانون الأول / ديسمبر 1960، فعين حفيده.

وفي حزيران أعلن المتآمرون إنهم يفعلون ما يفعلونه باسم الإمبراطور. عينوا لجنة للتحقيق في حسابات النبلاء وثرواتهم. ساد الرعب في القصر لأن النبلاء كانوا يعرفون أنهم لم يجمعوا ثرواتهم بعرق جبينهم.أغلقت الجنة المطار ومنعت احد من مغادرة البلاد، واحتلت الإذاعة وأعلنت إنشاء لجنة تنسيق من القوات المسلحة والشرطة، ثم بدأت موجة الاعتقالات. كل ذلك باسم الإمبراطور بالذات.

وتوقف العالم مشدوها إزاء هذه الأحداث. ولكن زعيمة الجلادين في القصر ظلت تحرض والدها على إصدار التعليمات بسجن رجال الانقلاب وإعدامهم. ولكن الإمبراطور يرفض ذلك. ثم يستقبل في القصر وفداُ من الثائرين، ويفاوضهم. بعد ذلك طالت الاعتقالات كبار أنصار الإمبراطور وأقرباءه. حتى رئيس الوزراء نفسه سجن.

والطريف بالأمر هنا أن القصر أخذ يعد للاحتفال بمناسبة بلوغ الإمبراطور عامه الثاني والثمانين. قيل انه انقض عمره، فهو في الواقع تجاوز التسعين!

كان اليوم ماطراُ. خرج الإمبراطور إلى الشرفة ليقول كلمته بالمناسبة. لا جماهير ولا حشود. عدد من النبلاء بجانبه بللهم المطر. أعلن مؤاساة الجائعين ووعد بتوفير أي جهد لمواصلة تنمية الإمبراطورية. إنها صوت الإمبراطور سالت دموعه على خديه. كل شيء صائر إلى نهايته.

الثوار يواجهون الإمبراطور:

في صيف 1974 تبدأ معركة خفيفة بين الوفد العسكري والإمبراطور. مجموعة من ضباط شبان أذكياء، طموحين، عارفين بحالة البلاد البائسة تواجه القصر وهو مليء بمجموعة من نبلاء بلهاء، مترددين، منحرفين مع التيار.

القمح المتوفر بكثرة في إثيوبيا آنذاك. أخفاه المضاربون والأغنياء في البداية ثم انزلوه إلى السوق بأسعار مضاعفة. مئات ألوف من الناس تموت جوعا والاهراءات مليئة بالحبوب. تعليمات النبلاء كانت تصدر لرجال الشرطة لإبادة مجموعات سكنية بكاملها.

قبل الآن كان الوفد العسكري يعمل سراُ. كان يجهلون مدى تأييد الجيش لهم. كان الإمبراطور يعرف ما بين رجال الوفد من خلافات، لكنه كان يعلم أيضا أن الموجهة الثورية لن تتوقف. مواجهتها باتت مستحيلة. بعد ذلك اخذ الإمبراطور يلين، يستسلم للتطورات. آب / أغسطس - أيلول / معن خائفات حاملات الأطعمة أمام سجون الثكنات حيث كان أزواجهن رهن الاعتقال.

آب / أغسطس - أيلول / سبتمبر

في هذا الجو من الإحباط والانسحاق وصلت مجموعة من الأطباء السويديين الذين كان الإمبراطور قد استدعاهم للتدليك والتمريض والتدريب لأن صحة الأمراء والنبلاء في نظره كانت الكنز الأكبر للبلاد. لم يكن يقبل بأي تقصير في هذا المجال. ولكن الأوضاع كانت قد بلغت مستوى متدنياُ من الانحطاط. كان الإمبراطور قد فقد كل صلاحياته، ولو أن أحدا لم يجرؤ أن يقول له ذلك.

ظل النبلاء يأملون أن يفعل الإمبراطور شيئا ما لإنقاذهم وتحريرهم. كانوا قد تجردوا من أية كرامة وامتيازات. كانوا على اختلاف رتبهم ينامون على الأرض، ويكتفون بشرا شف بسيطة عادية للغطاء. لم يبق من النبلاء غير حفنة صغيرة بانتظار الحكم النهائي. وأخيرا أطل بصيص نور حين اعد المحامون دستورا جديدا للبلاد لتحويل الإمبراطورية إلى ملكية دستورية ليس فيها للملك غير سلطة اسمية. عارض الجلادون الاقتراح لكن المتشدقين قفزوا إلى أعناقهم يقولون إنها فرصة الإنقاذ الأخيرة.

قابل المحامون والجلادون والمتشدقون صاحب الجلالة. أصغى إليهم جميعا، وأثنى عليهم وتمنى لهم النجاح. غير أن رجال الجيش قضوا على هذا المشروع.

صرف الإمبراطور أيامه الأخيرة في القصر وبجانبه خادمه الخاص وحده. الظاهر أن الفريق المحبذ لخلع الإمبراطور أصبح صاحب الكلمة النافذة في الوفد. قيل أن الوفد كان برئاسة مقدم اسمه منجستوهيلي ماريام. والدته كانت خادمة في القصر تدعى زانبش. كيف تسنى له أن يدرس ليبلغ هذه الرتبة؟ لا اعلم. هو نحيف البنية، دائم التوتر لكنه منضبط، رابط الجأش.

المطالبة بالأموال:

كانت الجنة العسكرية. أي الوفد، مؤلفا من 120 عضوا منتخبين أثناء اجتماعات الجنود في ثكناتهم. والظاهر أن القرارات الخطيرة اتخذت في أوائل آب - أغسطس. لدى الجنة جدول بنحو 500 نبيل. اعتقلوا جميعا. بات القصر فارغاً. حلوا مجلس التاج والمؤسسات الأخرى الخاضعة لصاحب الجلالة. بعد ذلك جرى تفتيش دقيق للقصر. وتظاهر الناس. أرادوا تعليق النبلاء على المشانق.

وبقي الخادم المسن إلى جانب الإمبراطور حتى لحظة اقتياده من القصر. وفي أواخر آب - أغسطس أعتقل آخر من تبقى من أنصار الإمبراطور ورجال حاشيته. لم يمس الإمبراطور حتى الآن. ثم بدأ الصراع النهائي بين الإمبراطور والوفد… وجها لوجه. الآن تقرر الكشف عن مخابئ الأموال. تقررت تعرية ملك الملوك. كان الإمبراطور يخصص وقته للتأمل.

جاء رجال الوفد. دخلوا على الإمبراطور وطلبوا منه إعادة المال الذي لديه للخزينة. قال الإمبراطور:

أي مال تقصدون؟ كله أنفق في مجالات التنمية

ولكن رجال الوفد رفعوا السجادة العجمية عن الأرض ووجدوا تحتها لفائف الدولارات حتى كادت الأرض تبدو بساطا اخضر.

بعد ذلك يطلب الإمبراطور إخفاء المال الذي كان في الدرج بين كتبه. ويعود رجال الوفد ويطلبون إعادة المال إلى الخزينة. أنكر أن يكون لديه أي مال خاص. لكنهم تلوا عليه رسالة من السفارة في سويسرا تذكر أن قيمة حساباته في مصرفها تبلغ مئة مليون دولار. صرخات المتظاهرين تتعالى مطالبة بإعادة الأموال إلى الخزينة، وبإعدام الإمبراطور.

خلع الإمبراطور:

بعد ذلك توالت الأنباء عن حسابات في المصارف، وعن أسماء مؤسسات مختلفة للإمبراطور وللنبلاء. التلفزيونات تعرض صور منازلهم، وثرواتهم، ومحتويات خزائنهم. تحقيقات لجنة مكافحة الفساد حول الثروات. ولكن هل يمكن التمييز بين مالية الدولة وثروة الإمبراطور الخاصة؟ لا حد يفصل بينهما. أموال الدولة استخدمت لبناء القصور وشراء العقارات والسفر إلى الخارج. الإمبراطور نفسه كان يزداد جشعاُ مع تقدمه في السن. كان يستولي على الملايين فيما كان الناس يموتون جوعاُ ويدفنون في مقابر غير بعيدة عن القصر.

وفي نهاية أغسطس (آب) أعلنت الجنة تأميم قصور الإمبراطور. عددها خمسة عشر قصرا. مؤسساته الخاصة كذلك أممت، ومنها معمل جعة وشركة نقليات أديس أبابا، ومعمل تعبئة المياه المعدنية في أمبو.

ظل الضباط يزورون الإمبراطور ويتحدثون إليه ويطلبون منه سحب أمواله وإعادتها للخزينة. المبلغ الحقيقي غير معروف ولكن الشائعات ترفعه إلى أربعة بلايين دولار.

وذات مساء ابلغ الإمبراطور بضرورة مشاهدة فيلم سيعرض على التلفزيون مساء. وافق الإمبراطور على ذلك وكان الفيلم المعروض هم الفيلم الذي أعده جوناثان ديمبلبي ”الحبشة:مجاعة مجهولة!“

كان ذلك في الحادي عشر من أغسطس لم ينم الملك ولا خادمه أضيئت الشموع في القصر. استعداد لرأس السنة الإثيوبية.

فجر اليوم أصوات محركات الدبابات. الساعة السادسة صباحاُ، يدخل ثلاثة ضباط على الإمبراطور، وبعد الانحناء يتلون عليه قرار الخلع. أذيع في الراديو ونشرته الصحف، وهذا نصه:

أن الشعب اعتبر العرش رمز وحدة، ولكن هيلا سلاسي الأول استغل السلطة والمكانة والأمانة لغايات خاصة. وبنتيجة ذلك وجدت البلاد نفسها في حالة فقر وتفكك. ثم أن ملكا في الثانية والثمانين عاجز بحكم السن عن القيام بمسؤولياته، لذلك يخلع هيلاسلاسى الأول عن العرش ابتداء من 12 أيلول / سبتمبر سنة 1974، (2 مسكرم1967 بتقويم الإثيوبي) وتنتقل السلطة إلى اللجنة العسكرية المؤقتة. ”إثيوبيا فوق الجميع!“

سمع الإمبراطور البيان، وشكر الجميع ثم قال إنه يؤيد الثورة ولا يعارض خلعه إذا كانت في ذلك مصلحة الشعب. ثم داعوه الضباط إلى اللحاق بهم. سألهم الإمبراطور: إلى أين؟ قال له: إلى مكان مأمون. طلب منه أن يصعد سيارة فولكس واجن. احتج، وهو الإمبراطور، ولكنه صعد السيارة، ونقل محروساُ بمجموعة جنود مسلحين في سيارة جيب أخرى، إلى ثكنة الفرقة الرابعة. الساعة كانت قبيل السابعة. التجول ممنوع، ولذلك كانت الشوارع فارغة.

في السابع من شباط - فبراير 1975، أعلنت وكالة الصحافة الفرنسية أن الإمبراطور معتقل في قصر منيليك، حيث يقضي أيامه الأخيرة تحت حراسة الجنود. كانوا لا يزالون ينحنون له حين يرونه.

من احدي غرف القصر، حيث كان الإمبراطور يقيم من قبل على مقربة من معتقله، فان أعضاء الجنة، (الوفد)، العشرة كانوا يواصلون الاجتماعات في سبيل إنقاذ الثورة من الأخطار المحيطة بها. وبمرور الأيام أحس منجيستو بأن الناس الدينين البسطاء يعبدون هيلا سيلاسي وينظرون إليه وكأنه شخص مقدس أو غير بشري وبالتالي فقد أصبح مجرد وجوده خطرا على الثورة. وعندئذ فكروا جدياً في تصفيته جسدياً. ولهذا تقول الشائعات إنه عندما ذهب منجستو في احدي الأيام من عام 1975 لكي يرى فيما إذا كان هيلي سيلاسي لا يزال على قيد الحياة وجده يقرأ كتاباً وهو مستلق في سريره الواسع، وعندئذ لم يتمالك نفسه فهجم عليه فخنقه بكلتا يديه.

ولكن جريدة الجزيرة السعودية الصادرة بتاريخ 3 ابريل 2005 العدد 11875 تقول منجستو ينكر القصة من أولها إلى آخرها، عندما سئل عن كيفية قتل الإمبراطور أجاب بقوله: لم أكن بحاجة إلى خنقه لأنه كان شيخا عجوزا ومريضا ولا أحد يحبه. كان على حافة القبر، ثم يضيف منجستو قائلاً: في الماضي كان هيلي سيلاسي رجلاً تقدمياً وصاحب أفكار حديثة. ولكنه فيما بعد أصبح تقليدياً ورجعياً جدا. والشعب هو الذي طالبنا بالتخلص منه ولهذا السبب قمت أنا ورفاقي الضباط بالثورة. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.

وفي 28 آب - أغسطس، 1975 قضى الإمبراطور نحبه في مقر إقامته الجبرية. كان يوماُ أنشودة الزمان وربان السفينة وصانع الحضارة الإثيوبية، وغاب ختم الإمبراطور الذي يختم به القرارات الملكية والذي يقول: (نقوس مؤ أنبسا ذي أمانيقدي يهودا سيوم إزقابهير نقوس نيقست ذي إتيوبيا) وفيه شعار الملك وهو: ”أسد وعلى رأسه التاج الإمبراطوري ويمسك بيده الأيمن عصا الكهانة وعلى رأس العصا صليب المسيحية.

وهكذا انتهى حكم هيلي سيلاسيى الإمبراطوري الذي دام 44 عام. الآن لم يعد ظل الله على الأرض كما كانت الكنيسة تقول له. ولم تعد مباركة الكنيسة للحكام القادمون ضرورة لمنح حكمهم الشرعية. ولا ضرورة للأفعال الكوماندوس في إرتريا، وفوراً أعلنت حق المواطنة كاملة لجميع شعب إثيوبيا، وحذرت الثورة بوضوح ضد أي تمييز للإنسان الإثيوبي على أساس معتقداته الدينية أو غيرها وأكدت إنها سوف تعمل من أجل التحول الاجتماعي تبيد فيها الأفكار الإقطاعية من الأرض إثيوبيا كلها.

من كتاب نهاية ظالم القسم الثالث السقوط

تأليف: ريزارد كابو شينسكي

تلخيص وتقديم: ميخائيل الخوري

”سقوط ظالم كتاب وضعه ريتشارد كابوشينسكي في ثلاثة أبواب تناولت ”العرش و”النهاية المحتومة و”الانهيار استمدها وجمع حقائقها من تصريحات واعترافات منقولة عن رجال القصر ممن عملوا في خدمة الإمبراطور هيلاسلاسى، وساعدوه على ارتكاب ما ارتكبه من مظالم من غير أن ينجيهم ذلك من انقلاب الحكم عليهم في وقت من الأوقات.

Top
X

Right Click

No Right Click