الي دبر سالا - الحلقة الثالثة

بقلم المناضل الأستاذ: محمد عيسي المصدر: الرمال المتحركة

الأصلة The Anaconda كنا جمع ليس بقليل في احدي تلك البيوت المصنوعة من جزوع وسقوف الاشًجار وان كنا نتخيل البيت

بما حولنا الان فهو بعيد كل البعد تماما ليس به اي اثاث حتي البدائي والقليل... لم يكن الا مستظل ومرقد نفترش ارضه وكذلك بقية البيوت في المعسكر والتي هي خصيصا للجرحي والمرضي من المناضليين لم يكن بها حتي سرير واحد... الكل مفترش الارض والكل ياكل نفس العصيدة ونفس القراصة واحيانا قليلة نفس العدس الذي فيما بعد صار الوجبة الاساسية مع القراصة في كل الميدان.. ونحن منهمكين في امورنا واذا بصوت من الخارج "يهو سلام عليكم... سلام عليكم" ولم يكن صعبا ان تري صاحب الصوت من خلال الفتحات بين الحطب الذي هو جدار البيت وصوت الكثيريين برد عليه من الداخل وفي وقت واحد "مرحب عليكم والسلام...مرحب محمد الحسن... أرحب...قدم بل اتي"... اري مواطنا بزيه البسيط وعصاه في يده والجميع يطلبون منه بالتفضل بالدخول والكل يبدو يعرفه جيدا ماعدا قلة منا من الضيوف... اول سؤال تبادر الي ذهني كيف دخل محمد الحسن الي المعسكر والثاني اين يقيم مادام ليس هنالك مواطنيين مقيمن في الجبل..اسئلة لم تدم طويلا حتي تبددت من خلال حديث محمد الحسن مع الرفاق.. خصوصا مع صباح الخير الذي كان قائد المعسكر والمشرف علي الجوانب الأمنيه فيه ومع ودحاج علي الذي كان مسؤل العيادة المركزية والمدير الفعلي للمستشفي.... المهام والمسؤليات لم تكن واضحة لي في ايامي الاولي بدبر سالا لكن لاحقا كل شيئ كان واضحا وادري من هو المسؤل وعن ماذا... محمد الحسن الشاب النحيل متوسط القامة ذو الابتسامة العريضة كان يعين الجبهة والعيادة علي وجه الخصوص باحضار المؤن من مدينة اغردات وكان معروفا لدي افراد سرية الحراسة ولم يستغرب وجوده الا امثالي من الجدد او من المارة غير المقيمين.. محمد الحسن كان مستمتعا بتجازب اطراف الحديث وفجاة وكانه نسي شيئا انتفض واقفا قائلا "يهو عرو لاصالت..لاصالت ييتبدي.. عرو"... ذاكرا الاصلة.. الاصلة... وان لم نسرع فسوف تختفي ويضيع اثرها . . وعندها ينتفض مسمر وكانه وجد ضالته سائلا محمد الحسن عن المكان بالتحديد ويستاذن من صباح الخير لياخذ مجموعة من الرفاق لصيدها واللاتيان بها.. ولا اكاد اصدق ما اسمع عن الاصلة وعن غبطة وفرحة مسمر لسماع الخبر وعن حماس مجموعة من الرفاق بالذهاب معه وعندما سؤلت ان كنت ارغب في الذهاب معهم كان ردي وبكل حماس بالايجاب..

لم يضيع مسمر وقتا فكان يدري ما عليه فعله ومايلزم عمله.. لقد احضر الحبال وانطلقنا خلف محمد الحسن ويا لوعورة المكان وخطورته... شديد الانحدار تتخلله صخور عليك تجاوزها.. تصعد اليها بصعوبة وتنزل منها بصعوبة ابلغ هذا ونحن مازلنا نسير خلف محمد الحسن وقلت في نفسي ان كان هذا ما يفعل محمد الحسن ليأتي بالمؤن من اغردات في كل حين فما علي الا الأجلال.. والتقدير لمحمد الحسن ولامثاله من الشعب في الوقوف خلف ثورتهم والتضحيات الجسام التي كانوا يتكبدونها ويبذلونها... لقد كان محمدالحسن سريعا وخفيفا في صعوده ونزوله من هذه الصخور ونحن علينا مجاراته وهنا كانت تكمن الصعوبة وكان التحدي أعظم.. لم يكن المشوار قصيرا كما توقعت وتخيلت من خلال وصف محمد الحسن للموقع وكأنه علي بعد امتار ولكنا هانحن مازلنا نسير ونسير ونهبط ونهبط في ألمنحدر ومازلنا بعد... التقريب في وصف المكان عادة عند بعض الافراد في بركا حيث عندما يصفون موقعا يحاولوا ان يقللوا المصاعب ويقربو بعد المكان وهذه خصلة حميدة للرعاة فترفع معنويات الفرد وكانه واصلها بعد قليل من الزمن كما وصفت له... توقف محمد الحسن عن السير وهو يشير بعصاه الي صخرة ملساء تشكل منحدرا يتقاطر منه الماء في حوض صغير قال بانه عندما كان مارا من هنا راي ارنبا بريا يستقي من ذلك الحوض واثناء انشغال الارنب بالشرب داهمت الأصلة الارنب والتفت حوله وحطمت عظامه وبدات تلتهمه لذا لا اعتقد بانها تكون بعيدة عن تلك الصخرة بالقرب من الحوض والتي خرجت منها اصلا.. يلتقط مسمر طرف الحديث ويقول كالعارف الخبير اكيد تكون تحت تلك الصخرة فانها عادة لا تبتعد كثيرا عندما تلتهم حيوان...علينا النزول الي الصخرة وسوف تكون من المؤكد هناك نائمة تحت الصخرة... تقدم مسمر وتبعناه الي الصخرة بالقرب من الحوض.. وكان الموقع مثاليا للأصلة ان تصيد فيه اي حيوان.. فشح الماء سيدفع الحيوانات للقدوم الي الحوض للشرب والصخرة بالقرب من الحوض توفر المخبأ المناسب للأصلة وهكذا سهل الخالق لخلقه ما يقتاتون ويأكلون.. أشار علينا مسمر بالانتشار حول الصخرة... فسبحان الله.. المكان كأنه عمل وجهز خصيصا لهذه الحية الضخمة.. ملتفة حول نفسها نائمة لا يفسد عليها نومها شيئ.. الموقع وكأنه غارة صغيرة له مدخل امامي مواجه لحوض الماء وفتحة صغيرة من الجانب الايسر اما في الجانب الايمن فالصخرة متكأة علي الصخرة الكبيرة الملساء التي تشكل المنحدر الصغير الذي يتقاطر منه الماء ليتجمع في الحوض.. التففنا حول الأصلة وتقدم مسمر ببندقيته السيمنوف ومن خلال الفتحة الجانبية اطلق طلقة واحدة اهتزت علي اثره الأصلة داخل ذلك الغار وهزت المكان ثم بدأت في الخروج في اتجاه الماء حيث مسمر كان واقفا والذي قفز مبتعدا الي الخلف ويا للهول من ضخامتها وطولها عندما خرجت من الغار كاملا.. كلنا حولها... رفعت رأسها عاليا وباقي جسمها ملتف في الارض تستجمع ما تبقي من قوتها وتدور برأسها في كل الاتجاهات وتزداد في العلو تدريجيا وعندها رمي مسمر بحبله في اتجاه رأسها المرفوع وكان حبلا معقودا... اصاب مسمر ما أراد حيث المسافة لم تكن بعيدة وصار الرأس في العقدة وكلما تحركت يمينا او يسارا اشتدت العقدة وازدادت اختناقا وهي تحاول أن تحارب الا ان قوتها لم تسعفها وكلما أترتفع رأسها خرعلي بقية جسدها ومازال مسمر ممسكا بالحبل يرخيه أحيانا ويشده أحيانا أخري وهكذا حتي خرت هامدة من دون حراك... وهاهي خبرة مسمر في صيد الافاعي تأتي أكلها... تركناها حتي سكنت تماما وفقدت كل حراك وعندها تقدمنا وبدأنا في تمديد الجانب الملتف من جسدها علي الارض وكانت أطول مما تصورت.... كنا ستة من المناضلين دون محمد الحسن الذي فضل المواصلة في النزول الي قريته... كلنا الستة حملنا الأصلة ويمكن من هنا تخيل مدي طولها وضخامة حجمها... مشوار الصعود كان اقصي واصعب مرارا من مشوار الهبوط... صخور وصعاب وصعود وحية ضخمة نحملها وتقيد من حريتنا في الحراك لكن رغم الصعاب ها نحن قد وصلنا والكل في المعسكر فرح بالأنجاز.. فكم من واحد ينتظر حزاما من جلد الأصلة وكم من واحد يود ان يغطي سكينته بجلد الأصلة وكم من واحد يود فقط اكل لحمها وقد تعودوا أكل لحومها وحيث اللحم كان من الاشياء النادرة والتي قليلا ما كانت توجد والحصول عليها كان من الأشياء النادر حدوثه فهي فرصة لا تعوض... بدأنا مباشرة في صلخ جلدها واثناء ذلك كانت لي دردشة مع مسمر ذو الافرو الكثيف والمدرقف الذي لا يفارق رأسه... يسألني قائلا اتعلم لماذا اكتفيت بطلقة واحدة... قلت له لا... قال لكي لا نخرب الجلد ويكثر فيه الثقوب... ومسمر يتحدث البلين والتقرايت.. ثم اضاف قائلا من المؤكد سوف نجد الأرنب بداخل بطنها وقال الأرنب ساعدنا علي سهولة صيدها فهي تخمل وتنام بعد ابتلاعها لحيوان... قلت له اصبحت خبير في المجال.. رد.. طبعا وكمان خبير كبير.. مسمر شخص لا يمكن ان تمل وتسأم منه.. ظله خفيف والدعابة لا تفارقه ابدا..الم اقل لك... انظر انظر وهو يشير الي الأرنب الذي كان متكاملا في بطن الأصلة كما كان خارجها... حكمتك يارب... لقد كان متمددا لم تنقص منه شيئ.. لا أدري كم من الوقت كانت سوف تحتاج لهضمه وكم من الوقت للتخلص من وبره وعظامه.. سبحان الله كل شيئ مرتب ترتيبا دقيقا.. أخرج مسمر الأرنب برفق من خلال الفتحة الكبيرة علي خاصرة الأصلة وواصلنا في صلخ الجلد حتي أكتمل فصل الجلد من اللحم الذي يشبه كثيرا لحم الاسماك.. وأبعد الجلد من تحت اللحم حتي لا يحدث به ثقوب أثناء تقطيع اللحم وسوف يحتاج لاحقا من تنظيف ودبغ وتلميع قبل أن يستخدم.. أما السلسة الفقرية فقد أستخرجت مثلما تستخرج في الاسماك حيث تم فصل اللحم من الجهتين العليا والسفلي وأخرجت السلسلة الفقرية برفق حتي لا تنكسر ووضعت بعيدا الي حين زوال الشوائب كاملة وصار التركيز الكامل علي اللحم من تقطيع وغسل وطهي ويا لها من وليمة أهل الجبل.

ونواصل في الحلقة القادمة...

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 تجربة طالب أرتري ترك مقاعد الدراسة والتحق بالثورة الأرترية وهي في أوج تألقها وصعودها نحو انتصارات عظيمة.

Top
X

Right Click

No Right Click