مرحلة التأسيس جبهة التحرير الارترية وبناء التنظيم - الحلقة الرابعة

بقلم الأستاذ: محمد إدريس حمداي

محاولة اجهاد الثورة في مهدها: لم يكن طريق الثورة مفروشا بالورود والزهور بقدر ما كان محفوف بالمخاطر والمصاعب إلا أنه كان

أهون أمام الأهداف السامية والنبيلة... نفر من الثوار عرضوا أنفسهم فداء للشعب والوطن، حملوا أرواحهم على اكفهم وغير مبالين بها هجروها إلى الأبد وهم لا يملكون زاداً ولا السلاح المتكافئ مع أسلحة العدو المتطورة، وجيش متدرب احسن تدريب، إلا ان كان يملك الثوار الإرادة القوية والثقة الكاملة بشعبهم حتى تحطمت محاولة الإجهاد وسارت الثورة من نصر إلى النصر.

لقد انطلقت الثورة وقبلت الجبهة بالأمر الواقع بالرقم من عدم استعدادها، ووضعت خطة مرحلية لمواجهة الأمر وتحديات المواقف وكيفية معالجتها وكان على الشكل التالي:-

أ‌) بناء جبهة التحرير الإرترية:

أدركت جبهة التحرير الإرترية منذ تأسيسها أهمية بناء التنظيم، وبإعلان الكفاح المسلح اضيفت مسؤولية بناء الجناح العسكري ومتطلباته. فأقامت فروعاً تنظيمية في القاهرة والمملكة العربية السعودية والسودان وإرتريا، كما أقامت جهات التنسيق مخصصة للاتصالات بين الجناحين التنظيمي والعسكري وما بين الفروع بعضها بالبعض، وتوسعت الفروع وازدادت حصيلة الاشتراكات والتبرعات، بعد إعلان الكفاح المسلح، وكرس بعض المناضلين وقتهم خدمة للوطن بينما كرس البعض جزءاً من أوقاتهم، وكل فرع من فروع الجبهة قرر الاشتراكات الشهرية على حسب دخل الفرد وبنسبة مأوية متساوية، أما التبرعات تخدع للقرارات الشخصية، وهذه كلها مبادرات من أعضاء التنظيم ودون صدور قرار القيادة، وكان الهيكل التنظيمي مبسط في بادئ الأمر، من مجموعة الخلايا يتكون الفرع ورؤساء الخلايا يشكلون لجنة الفرع التي توزع الاختصاصات والمهام بين أعضاءها على شكل رئيس الفرع - سكرتير - مسؤول شؤون التنظيم - م/ شؤون المالية - م/ الإعلام ويضاف إليهم أعضاء دون إسناد مسؤولية محددة ومع ذلك يشاركون على حسب مقتضيات العمل، هذا التكوين كان في فرع الجبهة بالقاهرة ومع فارق بسيط في بعض الفروع التي كانت تشكل وفقا لمتطلبات العمل وحرية الحركة المختلفة من فرع إلى فرع، فمثلا في القاهرة والمملكة العربية السعودية كانت حرية التحرك مكفولة ومرنة في السودان وممنوعة في إرتريا وبالتالي كان الناس يستغلون مناسبات الفرح والحزن لكي يلتقوا للتشاور ولعقد اجتماعاتهم.

وأما في الريف فكانت كل قرية مسؤولة عن شؤونها الداخلية وأسلوب تعاملها مع الجهات المسؤولة منها في المدينة، وسكان الريف هم عبارة عن بقرة حلوب يقدمون للسلطة الضرائب العينية والشخصية بواسطة العمد وبدون خدمات اجتماعية من قبل السلطة، فمثلا منطقة القاش بركة وهي أكبر مساحة ومعطاة بخيراتها كانت محرومة من التعليم والرعاية الصحية وبالتالي احتضن الريف الثورة وصار لها العين البصيرة واليد الطويلة في توفير كل المتطلبات ويحمون ثورتهم من كيد العدو وعملائه يرصدون تحركات البوليس والجواسيس الذين بذلوا كل جهدهم لمحاصرة الثورة. كما نظم أبناء الريف حلقات الاتصال بالمدن يروون لأبناء المدن بطولات المقاتلين وصمودهم ويمهدون اللقاءات بين المقاتلين وأعضاء فروع الجبهة الذين يأتون من المدن الإرترية والسودانية، وهؤلاء يجلبون معهم ما يحتاج إليه المقاتلون من الأدوية وخاصة الإسعافات الأولية ومواد غذائية. وحقيقة إن سكان هذه المنطقة وفي ما بعد كل الريف الإرتري تحول إلى جيش المقاومة، وصمد أمام الضربات الإثيوبية وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة.

هذا التلاحم الجماهيري ومنذ البداية أثبت للعدو أن هذه الثورة هي ثورة الجماهير كما أثبت للعالم أن الشعب الإرتري حمل السلاح من أجل استرداد حقه المسلوب ويمارس حقه المشروع في النضال.

ب) موقف حركة تحرير إرتريا من الثورة:

إن حركة تحرير إرتريا وخلال سنتين قبل تأسيس جبهة التحرير الإرترية، استطاعت أن تقيم فروعاً في الدول التي ذكرتها وتعرضت قواعدها في إرترية، للاعتقالات والتعذيب وعمت أخبارها أنحاء إرتريا بالرغم من عدم تأطير قواعد واسعة في المدن كلها ولم تشهد أيضاً بعض المدن وعامة الريف الخلايا السباعية ومع ذلك تحولت قواعد الحركة إلى بنية أساسية للجبهة سواء كان في داخل إرتريا و خارجها، وأدى هذا الموقف الإيجابي إلى مواقف سلبية من قبل قيادة الحركة اتخذته ضد قيادة الجبهة وضد المقاتلين من خلال البيانات والتعميمات التي كانت تنشرها لدى الإرتريين والأجانب، واستعملت أسلوب التشكيك بأهداف الثورة ووصفت قيادة الجبهة بعناصر متهورة أو انتهازية وتتهمها بأنها سرقت لائحة الحركة، كما وصفت المقاتلين بأنهم شفتا وقطاع الطرق ولم تقف عند هذا الحد وإنما اتخذت قراراً لإقناع قائد الثورة حتى يتخلى عن قيادة الثورة ويخرج من إرتريا إلى القاهرة لاجئاً ولإنجاز هذه المهمة تم تكليف عضو القيادة ومسؤول العلاقات الخارجية، ولم يوفق هذا المسؤول في اللقاء بقائد الثورة ولو تم اللقاء فرضاً لرفض قائد الثورة هذا العرض الانهزامي، ثم عقدت قيادة الحركة عدة اجتماعات بالمجندين الإرتريين الذين كانوا في الجيش السوداني لكي لا يلتحقوا بالثورة، كل هذه المحاولات بُذلت لإعاقة الثورة ولم يكتب لها النجاح.

هذه المآخذ والموقف السلبي تتحمله قيادة الحركة وهو عمل غير ثوري، أما قواعد حركة تحرير إرتريا كانت واعية سياسيا وليس لها حسابات وأهداف غير تحرير إرتريا وإقامة السلطة الوطنية، وما كان ينبغى أن تتخذه قيادات الحركة من المبادرة تجاه الجبهة اتخذته قواعدها الواعية، ويلاحظ اليوم في بعض اصدارات قيادة الحركة إخفاء هذه الحقيقة واتهام جبهة التحرير الإرترية على عرقلة مسيرتها التي كانت على وشك الانتصار، وكان الأفضل أن تنتقد هذه القيادات نفسها وتسرد الأحداث التاريخية كما هي، لأن تأسيس جبهة التحرير لم يأت لإعاقة مسيرة الحركة وإنما جاء كمحاولة لاتخاذ الطريق الصحيح وبعد الاطلاع على برامج الحركة، وانصهار القواعد في جبهة التحرير الإرترية دليلاً قاطعاً لصحة برنامج الجبهة والطريق الصائب إلى التحرير.

ومع ذلك اكن كل الاحترام والتقدير للذين تناولوا تلك المرحلة في اصداراتهم بغض النظر عن السلبية والإيجابية وهي في كلتا الحالتين مجال للبحث والتحليل. أما فشل الحركة يعيدها بعض اعضاء قيادتها إلى العوامل الذاتية واذكر على ضرب المثال:-

1. الأستاذ طاهر إبراهيم فداب - في كتابه حركة تحرير إرتريا ومسيرتها التاريخية.

2. الأستاذ محمد برهان حسن آدم - في كتابه حركة تحرير إرتريا محطة من محطات مسيرة نضالنا الوطني.

3. السيد/ ولدآب ولد ماريام - مقابلة نشرت في جريدة إرتريا الحديثة.

وهؤلاء عملوا لفترات في تنظيم الحركة ثم انتقلوا إلى الجبهة لمواصلة النضال بناء على قناعاتهم وبمحض إرادتهم ناقدين منهج حركة التحرير الإرترية ومؤكدين على صواب الكفاح المسلح.

جـ) صمود الجماهير افشل محاولة الإجهاد

لقد حاولت إثيوبيا إجهاد الثورة في مهدها وجعلت منطقة القاش بركة منطقة محاصرة ومراقبة القادمين منها والمسافرين اليها، وإطلاق إشاعات كاذبة بأنها قضت على قائد الثورة ورفاقه وتخفي خسائرها وعززت عناصر وحدات البوليس بالعدة والعتاد وافتتحت مراكز للبوليس في مواقع عديدة، ووزعت جواسيس ومخبرين بالتنسيق مع مراكز البوليس وكلفت عناصر عديدة من قبل العدو للقاء بقائد الثورة وإقناعه بالتنازل وتسليم اسلحته مقابل العفو التام واسناد وظائف عالية له ولرفاقه ومن الشخصيات التي حاولت اللقاء به وتقديم العرض عمر حسن حسنو وزير العدل حيث ارسل إليه رسالة مكتوبة يطلب اللقاء في منطقة القدين، فرد عليه قائد الثورة بالرفض لمقابلته مع ذكر العبارة (إذا كنتم تريدون إنزال العلم الإرتري فإنني سوف ارفعه وبلغ الحكومة الإثيوبي بذلك) هذا الرد الحاسم كان من قبل قائد الثورة وصفعة قاسية ضد النظام وعملائه.

وتكررت الواساطات في الداخل والخارج كما ارسل هيلي سلاسي إلى القاهرة الحاج أبو بكر الحاج إبراهيم وهو من مواليد إرتريا ونجيري الأصل، وصاحب الممتلكات في إرتريا حاملا رسالة هيلي سلاسي إلى الشيخ إبراهيم سلطان والسيد/ إدريس محمد آدم والسيد/ ولدآب ولدماريام ومضمون الرسالة:-

أن يعودوا إلى إرتريا وإثيوبيا مستعدة لرد الاعتبار لهم وتقديم الامتيازات من ممتلكات ووظائف، وتكون المفاوضات المباشرة في الخرطوم، وكان يحمل هذا الوسيط أيضا تذاكر سفر، وما كان من هؤلاء الزعماء إلا الرفض لأنهم لم يخرجوا من إرتريا من اجل مصالحهم الخاصة وإنما من اجل مصير الشعب في الحرية والكرامة وعاد الوسيط حاملا الخيبة والفشل.

ومع المد الثوري طور العدو اساليب المواجهة مستفيدا من الخبرات الأمريكية والإسرائيلية حيث تدربت اعداد كثيرة من البوليس في الاستخبارات وحرب العصابات، واقامت مراكز الاستخبارات في كل المدن الإرترية وجندت بعض ضعفاء النفوس في الريف لجمع المعلومات وتعقب الثوار وعلى ضرب المثل في منطقة جميل بساوا جندت شخصين من التكارير المزارعين وفي القدين شخصين من الباندا (مليشيا) تابعين لعمدة القدين الشيخ ابو بكر حامد العربي، وتم اعتقال هؤلاء واعترفوا امام التحقيق بجرائمهم ونفذ عليهم حكم الإعدام، اما العمدة تمكن من الهرب إلى اغردات لربما كان على علم بنشاطهم او كان مشاركا في الجريمة.

وهذه الحادثة اسلوب الجاسوسية وتنفيذ الإعدام في حق المرتكبين تعتبر الأولى من نوعها كما تعتبر محاكمات استثنائية اصدرها قائد الثورة لأنها حدثت في ظروف استثنائية وغير قابلة للتأجيل والتسويف وهذا حتى تكون العظة والعبرة لمن تسول له نفسه بالسوء نحو الشعب والوطن.

واما في المدن لقد جن جنون السلطة واقدمت إلى الاعتقلات والتعذيب بالشبهات سواء كان من أعضاء حركة تحرير إرتريا او من اعضاء جبهة التحريرالإرترية، وكلما مارست السلطات الأعمال البربرية والاطهاد زاد حماس الجماهير ودفعها إلى الأمام نحو ثورتها في المدن والريف.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click