المعلم عبدالله عبدالرحمن دار والطالب حسن عبدالرحمن دار

بقلم الأستاذ: جبريل يوسف

شقيقان تم خطفهما ليلا عام 1994 أين حسن وعبدالله دار ؟!

هذا كان حال (الخالة أم عبدالله) مدة خمس سنوات حتى فارقت الحياة.

عبدالله عبدالرحمن دار و حسن عبدالرحمن دار

حالة الصدمة:

المعلوم بالضرورة في إرتريا أن المخطوف من قبل العصابة الحاكمة في إرتريا يعد مفقودا لا يرجع الى أهله ولا يعرفون مكانه، ولكن شاءت إدارة الله أن أعود أنا بعد غياب طال سنة و شهر، حيث اقتادتني سيارة من معسكر إمبات كالت الي مدينة كرن (بعد غياب طال 13 شهرا) مرروني بأسواق المدنية محاطا في السيارة بستة عناصر مسلحين برشاشات أمريكية (وسط رعب الناس لأن المألوف هو الكلاشنكوف) فأخذوا ستة من أقاربي من السوق الي البيت وأدخلوهم الى غرفتي واحد تلو والآخر، يأمروه بالتوقيع علي ثمانية أوراق من دون أن يعطى فرصة الاطلاع عليها أو السؤال عما فيها.

كان هذا في يوم 28 فبراير 1995، ومع خروج العسكر إذا بدارنا يتحول الي مزار تقصده أعداد كبيرة من أهل كرن، كل واحد منهم يسألني عن قريبه أو صديقه تم خطفه ليلا ولم يعرف له أثر، من بين الزوار أم عبدالله (الخالة أرهيت علي شيخ عمر) أخذت بيدي لتقتادني من بين الناس الي الشارع.

حوار الآلام:

قالت: أنا والحمد الله مؤمنة بقضاء الله وقدره، قل لي - ولا تقلق - عن حسن ابني أهو حي أم ميت، من أجل صداقتكما وما أعرفه من محبتكما أخبرني عن أي شيء تعرفه عنه، فأنا كنت أدعوا ليلا و نهارا له ولك كي أراك في مثل هذا اليوم.. وإذا بي لا أتمالك نفسي ولم أستطع الكلام لتنهمر دموعي فتنهار أم عبدالله.

قالت هل مات حسن ؟؟ لقد ضربوه أمامي وكسروا أضلاعه فكيف به وهو بين أيديهم !

قلت: لا والله يا خالة، حسن لم يمت ولا أعلم بذلك، الآن فقط أسمع منك خبر اعتقاله،

قالت: صديقك حسن اعتقلوه مع شقيقه عبدالله.. حسن أخذوه.. خطفوه.

يا ابني لقد جاءوا يأخذوا عبدالله رغم ضعفه الجسدي وحداثته في الزواج، فأنا التي تسببت في ضياع صديقك حسن.

قلت: حاشاك يا خالة أن ترمي بابنك إلى الكلاب المسعورة.. أخبريني ماذا جرى في تلك الليلة ؟

قالت: يا ابني عندما رأيت العساكر يقفزون من سور المنزل، لم أتوقع أنهم سيأخذون ابني العريس عبدالله - تعلم أنه كان قد عاد الى كرن بعد غياب طال أكثر من عقد للدراسة) طرقوا باب غرفته وأنا بدأت احتج عليهم، هذا ولدي مريض ليس له أي ذنب أكيد مخطئون، ربما تبحثون عن عبدالله آخر، فلما رأوا حال عبدالله ترددوا على الباب لأتيقن أنا بأن أحد في خلف السور يهمس إليهم، فهرولت الى جهة الباب لأجد رجلا ملثما يرتدي ملابس مدنية (جلابية وصدرية) ملثم الوجه، فأسرعت بنزع اللثام منه لأفاجئ بأنه أحد أبناء العمومة للأسف.

قلت: هل تذكرين لي اسمه يا خالة.. والله لن يسلم مني أبدا.

قالت: دعك من اسمه ودعني أكمل، فعندما بدأت أصرخ على ذلك الخائن بدأت الكلاب المسعورة بضربي حتى سقطت على الأرض، حينها تصدى لهم ابني حسن.

قلت: إنه صديقي الذي أعرف شجاعة.. رباطته جأشه.. قوته الجسمانية.. عفواً، أكملي يا خالة.

هزت رأسها واختلطت ضحكتها بدمعتها، لتقول: نعم صديقك بدأ يلكم بيده ورأسه يوزعها بين ثلاثة منهم، حتى اجتمع عليه العشرة يوسعونه ضربا ببنادقهم حتى أغمي عليه، فحملوه كالجثة إلي سيارتهم واقتادوا معه شقيقه عبدالله وسط صراخات أخواته ونساء الجيران.

البطل حسن دار:

حسن عبدالرحمن دار من مواليد مدينة كرن في منتصف سبعينات القرن الماضي، فيوم اعتقاله لم يكن قد أكمل عقده الثاني، حيث كان حينها طالبا في المرحلة الثانوية بمعهد عنسبا الاسلامي بكرن، من أروع وأزكى الطلاب والشباب الذين عاشرتهم، كان يحفظ أكثر من نصف كتاب الله، عرفته تقيا ورعا شجاعا، وقبل هذا وذك كان إنسانا بما تعنيه كلمة الإنسان، رحيما بشوشا لا تفارق الابتسامة وجهه، كان مقبولا ليصلح بين المتخاصمين ومحبوبا من الكل بأخلاقه. القائمة تطول لذكر محاسن حسن دار، وأقولها واثقا أن مواقفه لا تنمحي من ذاكرة أصحابه، أو من كانوا في سنه في الحي حتى الذين كانوا أكبر منه.

حسن كان له أثر كبير في التزام الشباب بالأخلاق النبيلة، من خلال خواطره في كتاب صور من حياة الصحابة، كان يلقيها في مسجد الشيخ عمار بعد صلاة العصر وأحياناً بعد صلاة الظهر، فكان يبكي ويُبكي كل الشباب في وصف وحب الصحابة لحبهم الرسول الكريم، ورغم وجود بعض الشباب أكبر أو أعلم منه فقد كان الكل يتحلق حول حسن لسماعه، كونه كان يميزه هو توافر التضحية والمبادرة والجرأة في شخصيته.

المعلم عبدالله دار:

ولد في كرن عام 1965، درس الابتدائية والمتوسطة في معهد عنسبا الاسلامي بكرن، ثم أكمل الثانوية والجامعة في المدينة المنورة ليتخرج من كلية الشريعة، ويعود معلما إلى معهده بتاريخ 1414/4/2 الموافق 1993/9/18، وبعد عام من ذلك التأريخ أكرمه الله بالزواج لتسعد به أمه ولكن لفترة قصيرة جدا، حيث افتقدته أمه وزوجته عندما تم اعتقاله وشقيقه مساء ذلك اليوم الحزين على كثير من الأسر المكلومة في أنحاء كثيرة من إرتريا، حيث شملتها تلك الحملة الواسعة من الاعتقالات بتاريخ 1994/12/6.

وفاة الأم الشجاعة:

في الليلة التي اعتقل فيها نجلي الخالة أرهيت، قررت ألا تنام ولا تستسلم للألم الجسدي والمعنوي الذي يلفها، فقد لفت من صبيحة اليوم التالي كل السجون ومعسكرات الجيش والشرطة في مدينة كرن، لتواصل مشوارها بكل صمود وشجاعة تبحث عن فلذتي كبدها في كل أرجاء إرتريا، لا تكف عن السؤال تارة والتأنيب تارة أخرى للعساكر، والوعيد بقصاص الله لها وبنيها تارات أخرى كثيرة، فالخالة أرهيت شاركتها الأسقام حزنها على ذلك الجسد النحيل، حيث عانت 5 سنوات من الحسرة والكمد على ولديها، حتى توفها الله وهي على تلك الحالة العصيبة، لطالما أصبحت هي حال معظم الأمهات والزوجات في إرتريا، ولسان حال صديقي حسن - نيابة عن كل المعتقلين الأحرار والشرفاء – يقول:

أمّـاهُ لا تـجزعـي لا تحزني فـالحافـظ الله
لا زلت يا أماه ذلك الفتى المدلل الصغير
أريد أن أشكو إليك سطوة الزمان
أريد أن أبثك الأحزان والأشجان
أنا هنا تحجزني القضبان
تحجبني عن وجهك الأسوار والجدران
لكم أحب يا أماه أن أراك
لكم أحب أن تضمني يداك
أن أذرف الدموع فوق حجرك الطهور
وأن أبث لوعتي لقلبك الكبير

Top
X

Right Click

No Right Click