محمد مرانت الـشـّيـخ الـقـائد - الحلقة التّـاسعة والأخيرة

بقلم الأستاذ: عبدالفتّاح ودّ الخليفة - كاتب ومؤرخ إرتري، المملكة المتّحدة

أطل عليكم فيها عبر مقابلة مع نجل الشيخ القائد الأستاذ/ عبدالرّحمن محمد مرانت (أبو آية)

محمد مرانت نصّور و عبدالرّحمن محمد مرانت
ذالك الطّفل الّذى عاش مرارة فراق والده
 وهو فى الشّهر العاشر من عمره ثمّ عاد إليه والده (الشّيخ) بعد غياب ثلاثة سنين وستّة أشهر ليجد طفله الأول وقد قارب الخامسة من العمر، ومنذ عام 1995م كانت حياة الشّيخ القاضى حلاّ وترحالا بسبب مهنة القضاء الشّرعى إلاّ أن هذا الإبن عاش تفاصيل حياة والده وبقيّة الشّيوخ من شهر يوليو 1977 وحتى إبريل 1992م، وهو التاريخ الذي غيبت فيه يد الغدر والخيانة أناس أوفياء لوطنهم وشعبهم يؤمهم الشيخ مرانت.

والآن الوالد مجهول المكان والمصير بفضل (حكومة الأسرار والأشرار) كان لزاما علينا إستطلاع آخر الأخبار من نجل الشّيخ البار عن الوالد (القائد) وبقيّة المغيّبين قسريّا عن أبنائهم وأزاجهم وأهلهم وأحباهبهم ووطنهم.

ولأنّ الأستاذ (مرانت) الإبن كان لصيقا بوالده عرف منه حكايات وقصص السّجون ومرويات الكفاح فى سبيل العلم والوطن وتلك القصص أصبحت له نبراسا يهتدى به ودستورا ينير له معالم الطّريق فى تقفّى أثر الوالد تلك التتفاصيل عاشت معه فى مدينته كرن وتبعته فى منفاه ينطلق بها ومعها لإسترداد الحق والحقوق وتبيان الحقيقة للجميع عن ماقامت به الحكومة الجائرة بحق الشّيوخ وعلى كلّ أسرى الوطن أجريت معه هذا اللقاء عبر الهاتف والبريد وكان مرجعى فى كثير من تدويناتى عن الشيخ ومن حوله، وها أنا أنقلها لكم راجيا من الله أن أوفّق فى نقل ما قصد إبن الشيخ.

الأخ المناضل إبن المناضل أهلا بك!!!

أهلا بك أستاذ/ عبدالفتاح، فأنت حقا فارس الحق والكلمة، ومرحبا بكل القراء فى متابعة قصّة عميد المغيبين في سجون الظلم، وأحد رموز الصمود في وطننا الحبيب.

سؤال: هل لك أن تعرّف القرّاء عن نفسك أستاذ مرانت؟

عبدالرّحمن مرانت: نعم أنا الإبن الأكبر للشيخ، ولدت فى فبراير عام 1973م فى كرن، كما درست بها مرحلتي الإبتدائى والثانوى فى المعهد العتيق (أول معهد تم تأسيسه في إرتريا رسميا على خلفية إلغاء هيلي سلاسي اللغة العربية والتجرينية) والّذى كان يدرّس به والدى وبعد أن أكملت دراستي بالمعهد وحصلت على الشهادة الثانوية في عام 1994 التحقت بالأزهر الشريف بصحبة عدد (4) من زملائي كأول دفعة تلتحق بالأزهر بعد نيل إرتريا استقلالها من الاستعمار الإثيوبي.

ثم أكرمني الله بفضل جهود أهل الفضل من بلادي بمنحة دراسية أفضل من منحة الأزهر الشريف بالجامعة الإسلامية العالمية - ماليزيا، والتحقت بها عام 1996م، حيث تخرجت من كلية الاقتصاد العلوم الإدارية، وحزت على درجة البكلاريوس في المحاسبة عام 2001م، ثمّ نلت درجة الماجستير فى إدارة أعمال من جامعة (أوتارا) فى ماليزيا عام 2009م وأعمل حالياً في السفارة القطرية بـ (كوالالمبور) العاصمة ولدي شركة خدمات تعليمية وهي في مرحلة التأسيس برجل واحد ومدير واحد، وهي شركة تهتم بأمور التعليم والتدريب، وأقوم بمساعدة وتسهيل الالتحاق بالمؤسسات التعليمية في ماليزيا للرّاغبين، إلى جانب تقديم الاستشارات الأكاديمية.متزوّج وأب لطفلتين (آية وإيثار) نعيش بعيدا عن الوطن فى إنتظار العودة.

سؤال: أولاً على أشكرك على استجابتك لاجراء هذه المقابلة، عادة عندما يطلب إجراء مثل هذه المقابلات مع أهلى الضّحايا يمتنعون بحجة الخوف من أن النظام ممكن أن يقوم بإيذاء أهاليهم. أليست لديك مثل هذه المخاوف؟!

عبدالرّحمن مرانت:

أولاً: أنت الذي تشكر على توثيق حكايات بلادنا وتدوينها من خلال سير مناضليها والتي هي مليئة بالحكايات النادرة عن بطولات الشعب الإرتري والتي تشبه بالأساطير. حقيقة هذا عمل نبيل يستحق الشكر أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك.

ثانياً: الذين يمتنعون عن الحديث في مثل هذه القضايا معذورون لأن أسياس وعصابته (عصابة التهميش والفوضى) يتوقع منهم أي شيء مثل اعتقال الأم وإرتهانها بدلاً عن ولدها. أما بالنسبة لي ولكثيرين من أمثالي لم يبقى لنا شيء نخاف عليه فأبائنا وإخوتنا وشيوخنا مغيبن لا نعرف عنهم خبراً، ولا ندري أهم أحياء أم أموات كما أن أراضينا الزراعية تمت مصادرتها وتوزيعها للوافدين الجدد (فهذا هو عطاء من لايملك لمن لايستحق)، وإخوتنا وأبنائنا، أجيال بأكملها فات عليها فرصة التعليم (مثلاً إخواني الخمسة كلهم لم يتجاوزوا مرحلة المتوسطة) والغريب في وطني الطلاب يتعمدون الرسوب حتى لا يذهبوا إلى معسكر (ساوا) سيّئ الذّكر وإذا أراد المعلم معاقبة الطالب يعطيه درجات جيدة.

باختصار لا يوجد شيء نخاف علي فقده، حيث فقدنا طفولتنا وفارقنا ديارنا رغم أنفنا (لكن هيهات لهم أن يفقدونا الأمل، فنحن أصحاب حقوق مسلوبة وقضية منسية، سوف لن نألى جهدا إن شاءالله لإستعادة الحقوق وإعادة الروح للقضية)، وما تقوم به أنت أخي الفاضل وكل الأحرار من إخوانك ماهو الا تضامن صادق في عملية إيقاظ الهمم والأمم بسرد القصص والحكايات، ولن يضيع حق وراءه مطالب. كما أود التنبيه أن كثيرين من أهالي ضحايا النظام يحجمون من المطالبة بحقوقهم ليس بسبب الخوف وإنما في معظم الأوقات بسبب اليأس بأنه ليس هناك حل وينصرفون إلى مزاولة حياتهم متناسين واجب النصرة لهؤلاء الأبرياء.

سؤال: الملاحظ أنك ظهرت تتكلم عن المغيبين بصفة عامة وبالوالد بصفة خاصة فقط من العام الماضي، لماذا التأخر كل هذا السنوات الطويلة؟!

الكلام بالنسبة لي في هذا الأمر ليس بجديد، ولكن الجديد هو أن الجماهير أصبحت تتفاعل مع هذه القضية ببركة الربيع العربي وتوفر وسائل التواصل بفضل التكنولوجيا. كنت أتكلم في هذا الموضوع كلما سنحت لي الفرصة وكان سؤالي المفضل لكل (هجدفي) أينما صادفني ”أين أبي؟“ وكانت إجاباتهم: أتركونا من حكاياتكم المكررة والمملة ”نحن فعلنا وأنجزنا… ألخ“ والتي لا نرى منها في أرض الواقع سوى التغييب والتشريد، أخبرونا إن كانت هناك دولة ونظام في بلدنا وأثبتوا ذلك لي بأن تدلوني على مكان والدي وكل المغيبين.

سألت هذا السؤال بنفس هذه الصيغة في عام 2005م لوزير الخارجية حينها (علي سيد عبدالله) فكانت أجابته ”أنا لم أئتي لأناقش مسائل شخصية“، ثم في عام 2007م ا ثمّ السفير الإرتري في باكستان حينها (عبدو هيجي) ولم يتمكن من الإجابة حيث خرج من قاعة الاجتماع شبه مطرود، وفي عام 2009م السفير الإرتري الحالي في الهند (ألم) فأجاب ”أنا أيضاً أخي مسجون ولكن الوطن في خطر من الوياني!!!“.

سؤال: إذن أنت الطّفل الّذى ذكره المناضل يوسف ألف (رفيق الشيخ في سجنه الثاني) يوم الإعتقال بأن الشّيخ ضرب أمام زوجته وطفله؟

عبدالرّحمن مرانت: نعم حديث الأخ يوسف ألف في مكانه أنا من مواليد شهر فبراير 1973م، كان عمري 10 أشهر عند اعتقال والدي. وعندما كبرت وبدأت أتكلم بتلعثم طفولى كان الزوار من الأقارب والأصدقاء يسألونني أين أبوك؟ فكنت أجيب ”أبويي حبش باب دبأو ديبو“ يعني الحبش (التقرنية كما يحلوا لهم أن يسموا أنفسهم) أغلقوا عليه الباب وما زلت أقولها ولا أحد يستطيع أن ينكر أن السلطات التي غيبت الشيوخ والدعاة كلها بيد أبناء التجرينية (بيطروس سلمون، وأبرها كاسـا، ونايزقى كفلو، وسيمون قبرى دنقل) وبقيادة أسياسي أفورقي، زعيم عصابة التهميش والفوضى. والجدير بالذكر تعتبر فترة (1978 حتى 1991) والتي غابت فيها سيطرت أبناء التجرينية أفضل الأيام في مدينتي كرن.

المحرّر: من إعتقل والدك فى عام 1973 كانو فى جلّهم (تقرنية) ولكن كان بينهم من الامحرا الّذين وفدو فى تلك الأيّام لدعم وإدارة العمل المخابراتى.

عبدالرّحمن مرانت: حتّى وإن كان بينهم (أمحرا) فإن العمل العدائى ضدّ الأشراف الأحرار ومطالبى الإستقلال فى إرتريا كان يقع من بنى جلدتنا (التقرنية) راجع التأريخ من الأربعينيات مرورا بأيّام (تدلا بايرو) و (تسفاهنّس برهى) و(أسفها ولدى مكئيل) الخ… وحتّى اليوم تجد أنّ التقرنية كانو أقسى علينا من الأمحرا.

ثم أن هذا ليس مجرد كلام عاطفي أقوله وإنما هي حقائق أثبتتها النخبة الأكاديمية الإرترية المسلمة من خلال وثيقة إبراهيم المختار التي تثبت بأن أبناء التجرينية (المسيحيين) يشغلون ما يزيد على 95% من الوظائف الحكومية العامة وأيدها المثقفون الإرتريون (وخاصة المسلمون) في إجتماعهم في أديس أببا في توصيفهم للنظام ”بأنه دكتاتوري طائفي“ ثم تم تخفيف الوصف إلى أنه ”نظام دكتاتوري تستفيد منه قومية التجرنية فقط“ وهذا من زوق المسلمين الإرتريين دائماً يجاملون ويتنازلون على حساب آلامهم رغبة منهم في وحدة التراب الإرتري الذي دنسه أسياس.

سؤوال: هل للشّيخ إخوة من غير المناضل (محمود مرانت)؟

عبدالرّحمن مرانت: للشيخ عدد إثنين من الأخوة هم (محمود وإدريس) فقط.

سؤال: كم عدد أبناء الشيخ؟

عبدالرّحمن مرانت: نحن ستّة وأنا أكبرهم.

سؤال: أين ومتى ولد الشّيخ؟

عبدالرّحمن مرانت: ولد الشّيخ فى قرية (حطاط) الواقعة على ضفاف وادى (عنسبا) وهى قريبة من وازنتت، ضواحي مدينة كرن فى عام 1950م تقريبا.

سؤال: متى دخل الشيخ إلى كرن؟

عبدالرّحمن مرانت: هذه من الأشياء التى لا علم لى بها…

سؤال: يقال أنّ الشيخ درس فى المدارس الحكومية فى بداية السّتينيات قبل إلتحاقه بالمعهد الدّينى الإسلامى فى المدينة؟

عبدالرّحمن مرانت: التحق بداية بخلوة الشيخ محمد علي زرؤوم، ثم أرسله والده إلى مدينة كرن للدراسة بأحد المدارس الحكومية، وعندما احتك بمشايخ كرن الأجلاء مثل القاضي موسى والقاضي محمد إدريس، والقاضي أبوبكر، ووجد منهم الحنان والاهتمام، ورأى فيهم القدوة انتقل إلى معهد جامع الذي كانو يديرونه.

سؤال: هناك جدل وحديث عن إعتقال عام 1973 من الّذى صرّح بأسمـاء المناضلين فى المدينة (القائد مرانت ورفاقه) مما تسبب في عملية الاعتقال، حيث إتهم الأخ المهندس (إدريس دافئ موسى) الرّفاق بأنهم تحت التعذيب نطقو بأسماء البعض فى المدينة ولكن المناضل (يوسف عمر ألف) أرجع الأمر إلى (أسمروم الّذى كان موظّفا فى البلدية) ماذا تعرف عن هذه الحادثة؟

عبدالرّحمن مرانت: كل الذي أعرفه بأن عددهم كان 8 وأول من اعتقل منهم كان ”أروت حبشتاي“ وهو السبب في افتضاح أمرهم. تم اعتقالهم ووضعوهم في حبس انفرادي جميعاً و خضعوا للتحقيق والتعذيب (علماً بان فترة التحقيق كانت 15 يوماً ثم تمّ تحويلهم إلى المحكمة) وكان التعذيب قاسياً وكان أشدها كتم النفس، والصعق بالكهرباء، والغطس في الماء في محاولة منهم لنزع الاعتراف تحت وطأة التعذيب، يقول والدي كان الكل يتمنى أن يكون أول من يبدأ به في عملية الاغطاس في الماء. لأن هذا النوع من أنواع التعذيب كان يبدأ بعد الفطور مباشرة يقلبون السجين رأساً على عقب يغطسون رأسه في حوض الماء ولفترة طويلة، وكان غالبا ما يستفرغ السجين داخل الحوض ولهذا كل ما اتأخر دور السجين في عملية الاغطاس تزيد كمية الشطة في حوض الماء نتيجة لقئ في الغطس - لأن الطعام الذي يقدم للسجناء في وجبة الفطور دائما هو (الشرو) وهو (إدام) به كمية كبيرة من الشطة ولك القارئي العزيز أن تتخيل ما يسببه من حرقة في العين وإثارة وعطاس في الأنف فيتضاعف العذاب ويزيد الوضع صعوبة ومشقة!!!

سؤال: فى إحدى أحاديثنا كنت قد ذكرت لى بأنّ الشّيخ القائد حكى لك مرّة بأنّ أول من أعتقل من المجموعة أوقعته المخابرات فى فخ إذ أخذو منه المعلومات وهو فى حالة سكر بعد أن ورّطوه فى أمسية خمر غاب فيها عن الوعى؟

عبدالرّحمن مرانت: نعم الوالد ذكر ذالك مرّة…

سؤال: هل تعرف شيئا أو سمعت شيئ عن سير التّحقيقات؟

عبدالرّحمن مرانت: وصل إلى مسامعى أنّ عمّى (عبدو أمير) مع بعض من رفاقه أقنعوا الضابط المسئول عن السجن ليسمح للوالد بمقابلة رفاقه في السجن وذلك لأمرين:

أولاً: للإطلاع على ما أدلى به أياً منهم من اعترافات (إن كانت هناك إعترافات)،

وثانياً: للتشاور والبحث عن مخرج من المأزق الذي كانوا فيه وبالفعل تمكن الوالد من مقابلة جميع رفاقه (لا أدري هل كانت جماعية أم فردية كل في زنزانته) وبعد أن اطلع على التطوارات مع كل منهم وجههم بأن يعترفوا أثناء التحقيق بأي معلومة ولا يتحرجوا من ذلك ولكن عند ما يتم تقديمهم للمحكة ينكروا ذلك أمام القاضي ويقولوا أنها أخذت منهم تحت وطأت التعذيب . التزم الجميع بالتوجيهات إلا واحد (لم يذكر الوالد اسمه ولكن هو الذي حكم عليه ثلاثة سنوات ونصف) وهكذا تسبب في السجن لنفسه ثلاثة ونصف سنة وخمس سنوات للوالد وسنة للبقية. ولو لا اعتراف هذا الآخير أمام المحكمة ربّما كان سيتم تبرئة الجميع أو فى أسوأ الأحوال كان سيواجه بعضهم عقوبات خفيفة كالسجن 6 أشهر مثلاً.

سؤال: تقصد بذالك الأخ المناضل (يوسف عمر ألف)؟
عبدالرّحمن مرانت: أنا لا أعرف أسماءهم والوالد لم يذكر يوما واحدا إسم أحدهم ولكنّه يذكر المواقف أحيانا نادرة بدون ذكر الأسماء...

سؤال: الشيخ نعرفه نحن معلما ومناضلا حتى فترة 1978... ولكن ماذا كان يعمل بعدها ... حتى نستطيع معرفة تسلسل تأريخ حياته؟

عبدالرّحمن مرانت: من المعلوم أن الإرتريين بصفة عامة والمسلمين منهم بصفة خاصة مروا بمرحلتين خلال الفترة (1978 وحتى 1991) ووالدى لم يكن إستثناءا من ذالك!!!

المرحلة الأولى هى مرحلة الزهول: زهل الإرتريّون المسلمون (خلال الفترة 1978 وحتى 1981) بتراجع الثورة الإرترية أمام زحف (الدرق) بقيادة الكونونيل (منجستو هيلي ماريام) وتراجع جبهة التحرير ذات الأغلبية المسلمة أمام الجبهة الشعبية ذات الطابع المسيحي بقيادة أسياس أفورقي... وبدت تظهر الجبهة الشّعبية كتنظيم قوّى ومؤثّر فى السّاحة الإرترية ومجريات الأمور كلّها كان تشير بذالك ولكن التنظيمات الأخرى وعلى رأسها جبهة التّحرير الإرترية لم تتوخى الحذر ولم تعمل فى أجراءات التّحوط من الإنقضاض المتوقّع عليها من قبل الجبهة الشعبية.

ثمّ المرحلة الثّـانية: بين عام 1981 وإلى عام 1988 وهى مرحلة الانكسار والعودة إلى المربع الأول: انكسر الحلف المنافس للجبهة الشّعبية بقيادة (جبهة التّحرير الإرترية) ومغادرتها ثرى الوطن الذي روي بدماء الأطهارتاركة الموروث النضالي العظيم، والذي نهبته زمرة أسياس.

لكن الحال إختلف نوعا ما فى مدينة كرن حيث إنكفأ و تفرغ شيوخها وشبابها للتعليم فالفترة من (1978 - 1991) تعتبر الفترة الذهبية لمدينة كرن ففيها توسعت المعاهد الأهلية ودور التحفيظ وانتشر العلم وظهر الخطباء البارعون مثل الأستاذ/ عبد العليم زرؤوم، والأستاذ/ علي حسن، والأستاذ/ عثمان قدم. ولم يكن والدي استثناءاً من هذا المرحلة وكانت حياته على النحو التالي:

الفترة من 1978-1985: عمل معلماً فى المعهد ومؤذّنا فى المسجد الكبير وفى عام 1985 وبعد الخلاف المشهور مع لجنة الأوقاف دخل فى سلك القضاء الشّرعى... فعيّن قاضيا فى (مدينة على قدر) لم يذهب لأن الجيش الشعبي سبقه إليها فتوجّه إلى مدينة (أغردات) عمل فيها حتى تحريرها من قبل الجيش الشّعبى فى عام 1989 فعاد إلى كرن ثمّ إلى مدينة (قندع) قاضيا شرعيّا حتى فبراير المبارك من عام 1990 وتحرير (مصوّع) فعاد لكرن حتى يوم تحرير إرتريا 24-5-1991 وفى يوم 17-07-1991 إعتقلته مخابرات (الجبهة الشعبية) وأودعته فى سجن (الكارشيلى) فى كرن وفى يوم 14-04-1992 ضمّت إليه ثمانية آخرين من خيرة معلمي المعاهد الإسلامية وجلّهم من خريجى الجامعات السّعودية ورحّلو جميعا إلى سجن (كارشيلى) فى أسمر.

سؤال: أستاذ عبدالرّحمن مرانت القارئ عرف عن سجن الشيخ القائد فى عام 1969 والسجن الثانى عام 1973... والآن بقت قصة السجن الثالث والإختفاء عام 1991… هل لك أن تذكر لنا حيثيات الإعتقال ومكانه وأين كنت حيين الإعتقال؟

عبدالرّحمن مرانت: تم اعتقاله في 17ـ7ـ1991 من البيت الذي كنا نسكن فيه (حلة جامع) بعد صلاة المغرب. حضر إلى البيت جنديين (رجل وامرأة) طرقوا الباب وفتحت لهم أختي وطلبوا منها أن تخبر الوالد بأن يخرج إليهم، فطلبت منهم الإنتظار، حيث كان يصلى صلاة المغرب، وبعد أن فرغ من صلاته خرج إليهم واقتادوه مشياً على الأقدام إلى سجن قريب من فورتو بمدينة كرن، ومكث فيه عشرة أشهر، حيث تم خلالها الافراج عن معظم المعتقلين، وكان غالبيتهم من أتباع فكرة الحكم الذاتي ومجموعات ”وطا جبا“ (1) وهم من الثوار الذين كانو يسلّمون أنفسهم للعدو.

و بقي في هذا السجن صابراً محتسبا يقوم بأداء رسالته ويمارس دوره في الدعوة والإصلاح فكان يأم المسلمين في الصلاة ولأنّنا منعنا من زيارته كنّا نمرّ من أمام السّجن ربّما نكحل أعيننا برؤيته، وحصل ما تمنّيناه فأكرمنا الله برؤيته من بعيد يوم صلاة العيد فى عام 1992م، حيث صلى صلاة العيد بالمعتقلين في ذالك السجن في الساحة أمام السجن تحت حراسة مشددة وكنا نشاهدهم من بعيد من الشوارع المجاورة فكان خطيبهم وإمامهم .

وبعدها تمّ نقله إلى سجن آخر بعد عشرة أشهر، وتحديداً في صباح يوم 14 أبريل 1992م ذلك الصباح الحزين حيث أصبحت فيه مدينة كرن البيضاء (كرن طعدا) حزينة لاعتقال خيرة أبنائها من الدعاة الذين استبشرت بهم كرن وكل المدن الإرترية حيث قاموا في فترة وجيزة بافتتاح مزيد من المعاهد ودور تحفيظ القرآن الكريم وكانوا بصدد افتتاح جامعة وداخليات ولكن أبت نفس النّافذين الطائفين فى تنظيم (الجبهة الشعبية) إلا أن تواصل حربها الممنهجة على كل وطني غيور بصفة عامة وعلى المسلمين بصفة خاصة.

وفي تلك الليلة القاتمة تم اقتياد ثمانية من الدعاة في مدينة كرن إلى سجن (كارشلي) في العاصمة (أسمرا) وتم نقل والدي معهم في نفس السجن. وفي الأيام التي تلت ذهب الأهالي لزيارة أبنائهم لكنهم فوجئو بأنه لا يسمح لهم بالمقابلة ولكن بإمكانهم أن يتواصلوا برسائل قصيرة باللغة التجرينية تمر عبر ضباط السجن ويرسلوا لهم بعض الاحتياجات. وطلب الشباب المعتقلون من ذويهم أن يحضروا لهم بعض الكتب فبدأت رحلة أمهات الكتب من كرن إلى أسمرا كتب التفاسير (ابن كثير، الجلالين، في ظلال القرآن ...الخ) وغيرها من أمهات الكتب ولكن تم منع دخولها بعد أسبوعين ولا ندري ماذا صنعوا بالكتب التي وقعت في يدهم قبل قرار المنع هل تم تمزيقها وإحراقها إم الاحتفاظ بها و مصادرتها.

وقبيل الحرب الإرترية الإثيوبية الأخيرة تم إخفائهم ولا نعرف عنهم شيئا. علماً بأن هذه المجموعة التي كنا نعرف مكان اعتقالهم أما بقية المعتقلين من بعدهم فكان يتم اخفائهم في أول يوم. وهنا أود لفت الانتباه أن الجبهة الشعبية كانت تتوقع رد فعل قوي من جماهير منطقة عنسبا تجاه تلك الاعتقالات لما عرف عنهم من النضال والمثابرة والمواجهة المباشرة والغير مباشرة.

فبدؤو اعتقالاتهم بحذر شديد فكانت مجموعة 1992 مكانها معروف ولكن عندما تبين لهم بأن اعتقال هؤلاء مر بكل هدوء ودون أي ردود أفعال من الجماهير وخاصة جماهير عنسبا بعد سنتين، وتحديداً بتاريخ: 24-12-1994م قامت هذه العصابة المتطرفة والمتسلطة بحملات تغييب وإعتقالات واسعة شملت معظم المدن الإرترية دون أدنى امتعاض ورفض شعبي، وهذا مايقودنا للتسأءل هل هذا الشعب البطل الذى أخرج الدرق وهو يجر أزيال الهزيمة ليس بتفوق في العدد والعدة، وانما بقوة الإيمان والإرادة هو نفس الشعب الذي تزله عصابة الشعبية للظلم والدكتاتورية تفعل ما تشاء فى البلاد والعباد!!!

سؤال: أستاذ (مرانت) الحرب الأخيرة تقصد بها حرب عام 1998 وحتى 2000 كيف عرفتم أنّ اخفائهم كان بعد الحرب الإثيوبية الأخيرة؟ وفى أىّ تاريخ بالتحديد؟

عبدالرّحمن مرانت: تلك من متابعاتنا الخاصة أنّ النّظام وفى لحظة إنشغال الرّأى العام والشّعب بالحرب قام بإخفاء هؤلاء الأسرى فى الظّلام. كما أنه قام بالقضاء على كثير من الأمور التي كانت استعصت عليه فقام بإغلاق الكثير من المعاهد والمدارس التي رفض أصحابها إغلاقها قبل الحرب.

سؤال: متى كان آخر تواصل بينك وبين الوالد؟

آخر تواصل بيني وبين والدي كان في أكتوبر 1994، كان عبر رسالة خطية بالتجرينية (حيث لم يكن يسمح بغيرها من اللغات الإرترية) وبتوقيعه. مرفق طيه نسخة مع ترجمتها للعربية.

سؤال: ماذا جنى الشّيخ حتى يسجن؟ هل لأنّ الرّجل (جبهجى وقيادى مخضرم) أم هناك شيئ آخر... مثل الإلتزام بمجموعة الخمسة (جماعة الحكم الذاتى للمنخفضات) أم كان نشطا مع الإسلاميين؟

عبدالرّحمن مرانت:

أولاً: لا أحد يملك الإجابة على هذه الأسئلة إلا الجبهة الشعبية نفسها، لأن من المفترض الذي يسجن هو الذي يحاكم المسجون ويخبر الرأى العام بما جناه المسجون. ولأن والدي الشيخ محمد مرانت وكل المعتقلين من بعده وطنيون ولا يمكن أن يقوموا بأي عمل يسيء للوطن والمواطن و ضد مصلحتيهما ولذالك لا يستطيع ال (هجدفييون) أن يحاكموهم ويثبتو عليهم تهماً تدينهم ولهذا قاموا بتغييبهم.

ثانياً: المشكلة الحقيقية ليست فى ماذا جنوا، وإنما المشكلة ما هي الإجراءات التي اتبعت في اعتقالاتهم؟ وما هو الدستور والقانون الذي يحكمهم ومن هي الجهة المسؤولة عنهم وعن قضيّتهم؟ وأين هم؟. هل نحن نعيش في دولة القانون أم فى (شبه دولة) تحكمها عصابات فوضويّة تطبّق قانون الغاب، وهل هناك عدل أم هناك ظلم وتهميش؟ نريد الإجابة على كل هذه الأسئلة قبل أن نسأل ما ذنبهم؟ لأننا عندما نعرف من الجهة المسؤولة عنهم وما هو القانون المطبق عليهم ونعرف أماكنهم حينها يمكننا الحديث عن جرمهم وذنبهم .

وفي رأيي أن جريرة والدى الشّيخ هي أنه وطني يحب الوطن ويعمل من أجل مصلحة الوطن فالجبهة الشعبية وزعيمها الدكتاتوري لا يحبون النجوم وخاصة نجوم الوطنية. وكما يقول ميلكياس مهرتآب (MilkiasMehreteabYohannes) في مقاله بعنوان ”يوم واحد في رمضان“ ”One Day In Ramadan“ والذي نشر في موقع عواتي بتاريخ 21 أغسطس 2011م (awate.com/one-day-in-ramadan)، يقول الجبهة الشعبية تحارب الوطنيين وتلفق عليهم التهم وخاصة إن كانو مسلمين فمن السهل إلصاق التهم المفبركة الجاهزة عليهم، مثل تهم: ”إندا ترابي“ وهكذا الدعايات تنطلي على الجهال والذين لا يعلمون أن نضالات المسلمين في إرتريا أسبق من الترابتي وغيرهم.

وخير دليل على ما أقول هو تغييب الأستاذ/ عبد العزيز محمد علي زرؤوم ذالك الشاب المحنك من الطراز الدعوي الحديث والذي سمحت له حكومة الـ (هقدف) أو (غضّت الطرف عنه) فى ممارسة إدارة (معهد عنسبا وازنتت) بعد أن جففت منابعه. وكان الاستاذ وابن الاستاذ يمارس عمله الإداري ولا أعتقد أنه قام بأي عمل عدواني حتّى يغيب، ولكن ذنبه الوحيد في رأي هو أنه حلم بتجاوز السقف المسموح به حيث حلم بأن يمثل المسلمين الإرتريين في محفل دولي إقليمي، وهذا ما لم تسمح به نفس الـ (هقدفيّون) الحاقدة وصعب عليهم أن يتركوه يغادر البلاد ويشارك في ورشة عمل لمنظمة المؤتمر الإسلامي حتى لا يكون هناك تمثيل للمسلمين في هذه المنظمة (وهو ما يتعارض مع برنامجهم التدميري).

والجدير بالذكر أن الأستاذ عبد العزيز مثل إرتريا خارجياً مرتين سمح له في الأولى (حيث شارك في مسابقة وزنك دهب) وذلك بعد وساطات من بعد ابناء المسلمين في الجبهة الشّعبية محدودي الشفاعة، أما الثانية فكانت مشاركته في ورشة عمل لمنظّمة المؤتمر الإسلامى، قام بكل الإجراءات اللازمة للسفر وحزم امتعته وذهب إلى المطار وبدل أن تطير به الطائرة إلى نايروبي طارت به الأقدار إلى سجن (هبروا). فتمثيل المسلمين الإرتريين في المحافل الدولية عند أسياس جرم لا تنفعه معه شفاعة شافع.

وإذا عدنا بالنظر إلى التاريخ، وخلال الـ (20) سنة الماضية تجدهم أطلقو سراح أتباع فكرة الحكم الذاتي للمنخفضات (مع الشكر الجزيل)، وحاكمو الذين قاموا بمحاولة الإنقلاب بعد التحرير، وبررو اعتقالهم لمجموعة الـ 15 بدعوى أنهم أضرو بمصلحة الوطن حيث استغلوا حالة الحرب وطالبوا بإصلاحات واتهموهم بأنهم السبب في هزيمة الجيش الإرتري.

أما الشيوخ والدعاة الأجلاء الذين تم تغييبهم في سجون الهقدفيين فلم نسمع لهم محاكمة ولانعرف مكان تغييبهم بل ينكر الهجدفييون مسألة تغييبهم. ومشكلتهم الوحيدة أنهم شيوخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ومع الهجدفيين تسجن إن كنت ناجحاً اجتماعياً ومؤثرا و (محبوب لدى الناس) ولا تطبّل للجبهة الشعبية الحاكمة بغض النظر عن انتمائتك وتوجهاتك السياسية والفكرية.

سؤال: لا أدرى لأىّ درجة يفيد هذا السئوال القارئ... ولكن دعنى أسألك… هل تأثر الأستاذ القائد (مرانت) بالإسلام السلفى أو الإسلام الحركي وهذا السؤال ينطبق أيضا على المعلّمين الأجلاء والّذين قبض عليهم فى 14-4-1992... وعام 1994 1995 و1997... وتحديدا... هل عمل الأستاذ (محمد مرانت) بعد إنهيار الجبهة مع أىّ جهة سياسية غير الجبهة الشّعبية؟

عبدالرّحمن مرانت: أنا لم المس هذا الشّي عند الوالد الشيخ القاضى كلّ ما لاحظته فيه نشاطه الدّعوى فى نشر الدّعوة الإسلامية ومحاضراته فى المسجد العتيق فى عام 1982 و1985 كان يحضرها بعيد صلاة العصر كثير من الآباء والشّباب وحتى طلاب المدارس الحكومية وكانت طريقة إلقائه مؤثّرة جدا ومحبوبة ومقبولة... من الجميع. وكلّ همّه كان مركّزا على العلم ونشره وزرع حبّ التعلم فى شباب المدينة أمّا الشيوخ الآخرون عرف عنهم فى المدينة نشاطهم الدّعوى و تشجيعهم على التعليم والمساعدة فى إنشاء دور العلم والمساهمة في بناء مستقبل الوطن.

سؤال: هل تحكى للقارئ مواقف وأحداث للشيخ القائد تعتقد أنها فريدة؟

عبدالرّحمن مرانت: الوالد لم تكن له ثقافة الحكى ولكن نادرا تسمع منه مواضيع وقصص يجب أن تسطّر بأحرف من نور فمرّة كان يحكى لبعض أصدقاءه وبعد التّحرير عن قصّة طريفة وتحمل معانى جميلة وجليلة عن حبّ الوطن الّذى سجنه (أسياس) فى زنازين العدم!!!

القصّة هى كالآتى:

ذكر الشّيخ مرّة بأن مناضل أو مراسل من أبناء الرّيف الحبيب فى كرن أرسل من قبل المسؤولين من قيادة جبهة التحرير الإرترية لإيصال رسالة لقوّاد العمل السّرّى فى المدينة والرّجل لا أدرى إن كان قد قضى ليله فى (عد حباب) أو (عد عقب) ففى الصّباح هبط على الوادى (المحاز) متّجها نحو المدينة أوربّما إلى المعهد أو إلى المقاهى القريبة من المسجد والمعهد.. ولكنّه فوجئ بعنصرين من عناصر المخابرات الإثيوبية المتحدّثين بالتقرنية يستوقفانه!!! وبعد السؤال عن الإسم وعن من أين أتى؟ وإلى أين ذاهب؟ وعن سبب تواجده فى المدينة؟ فتّشو كلّ منطقة من جسمه ليجدو رسائل موجّهة من قيادة الجبهة فى منطقة (عنسبا) إلى قيادة العمل السّرى للجبهة فى المدينة (2)!!!

وهنا فرح المخبرون حالمين بترقية فى سلّم وظيفة التّجسّس الدّنيئة أو بأن يعطيهم أسيادهم المزيد من المال، ولكن فاجأهم (إبن إرتريا الحرّ) (1) والشّجاع بالضّرب ومن عصاه الّتى كانت أقوى من سلاحهم فى تلك اللحظة لأنّها أصيلة مثل صاحبها صنعت من شجر إرترى خالص يكره (الأمحرا ومن والاهم من الإرتريين) ويكره التّسلّط، وعندما إطمأن هذا الشّاب بأنّه شلّ حركتهم إنطلق المغوار صحيح البنية والإيمان منطلقا نحو (عنسبا) عنسبا الثورة والثّوار، ليعود من حيث أتى سالما غانما!!!

ولكن هؤلاء الخونة والجواسيس لم يستحو بما فعله فيهم ذاك الفارس (إبن إرتريا الحرّ) بل حملو الرّسائل إلى المعهد العتيق وطرقوا باب المعهد ليكون الشيخ القائد أول من يواجههم ولكن المخبرون قالو له وللبقية: جئنا هنا لنطلب منكم أن تساعدونا فى قراءة هذه الرّسائل والتى وجدناها مع أحد مراسلى (الشّفتا) لأنها مكتوبة باللغة العربية، ولكن الشّيوخ وعلى رأسهم (مرانت) قرأو لهم الرّسائل بكلّ ثبات وبلا خوف وعرف المخبرون مضمون الرّسائل… ومن المؤكّد إحداها كانت للشيخ ولكن جاء السؤال من المخبرون: عرفنا أن الرّسائل مصدرها الـ (شفتا) ولكن من هم المرسل إليهم؟

وهنا الحظ والفطنة وتقنية التراسل كانت كفيلة بأن تنقذ الشيوخ وتنقذ الشيخ القائد (مرانت) من المأزق قال الشّيوخ للمخبرون: إنّنا لا نستطيع قراءة الأسماء المرسل منها وإليها لأنّها (وبكل بساطة (مشفّرة) وبأحرف سرّية لا يفكّ طلاسمها إلاّ من كتبها والمكتوبة إليه وحينها أحسّ المخبرون بمدى الورطة الّتى أوقعهم فيها ذاك الأسد (إبن إرتريا الحرّ) ولكنّهم لم يكونو ليملكو شيئا يفعلونه غير مغادرة (المعهد العتيق) ذليلين بعد أن دنّسو المعهد بزيارتهم لساعات مهزومين ومبهورين من طرق تواصل الجبهة مع فروعها وبأساليب متطوّرة ورفيعة المستوى، وهنا بقدرة الله وإرادته قرأ الشيخ رسالته والموجّهة إليه من قيادة الجبهة بلا عناء جلبها له المخبرون بأنفسهم فى معهده ليقرأها ويفهم مضمونها، ولكن بعد سويعات إنتشر الخبر فى المدينة بأنّ أحد الفرّاس وقع فى أيدى المخبرون ولكنه واجههم بقوّة وشجاعة نادرتين أوقع فيهم ضربا والأكثر من ذالك زهلهم بمفاجأته الشّجاعة وفلت من أيديهم ليختفى وكأنه لم يكن إنّها إحدى المواقف النّادرة لجنود مجهولون صنعو مواقف شجاعة سطّروا بها تأريخ الأمّة الإرترية.

سؤال: هل هناك من موقف آخر تذكره؟

عبدالرّحمن مرانت: موقف آخر يتناقله الإرتريون والذي اشتهرت به شجاعة الشيخ، تخلصه من دليل الإدانة كانت لدى مخابرات الامبراطور هيل سلاسي ، معلومات أكيدة بأن الأستاذ/ محمد مرانت، يقود خلايا (جبهة التحرير الإرترية) فى مدينة كرن وضواحيها. ولكن لم يكن لديهم دليل مادي لإدانته (لاحظ دولة تحاول أن يكون لديها قانون ومؤسسات وليست مثل دولة أسياس دولة عصابات لا قانون ولا مؤسسات). وكانو يتربصون به ليلقوا عليه القبض وهو متلبث بالجريمة وبيده دليله إلى حبل المشنقة و الإعدام ويتخلصوا منه إلى الأبد.

وذات يوم غدى إلى محطة الباصات ليودع ابنة عمه (مكة أمير) والتي كانت قادمة من قرية (حطاط) فى صباح ذالك اليوم في طريقها إلى السودان هرباً من المجازر التي كانت تمارس في قرى إرتريا. وكانت تحمل معها رسالة من (قيادة جبهة التحرير الإرترية) المتمركزة في أطراف المدينة. التقى بها واستلم منها الرسالة وبينما هو في وداعها صعد إلى الباص ليطمئن على أمورها فإذا به يرى من خلال نافذة الباص عناصر الأمن الإثيوبية متجهة نحو الباص، وبفطنته وشجاعته الثورية أدرك أنهم لا محالة متجهون لإلقاء القبض عليه. وتذكر تلك الرسالة التي في حوزته، ذلك الدليل القاطع والذي يكفي أن يؤدي به إلى حبل المشنقة.

تصرف بسرعة فائقة وأخذ الرسالة ووضعها في فمه. وهرع عناصر الأمن في تفتيشه بحثاً عن تلك الورقة وأخذوا يضربونه ويسألونه أين الورقة. وهو يمدغ فيها ويبتلعها وأخيراً اكتشفوا أنها في فمه فعمدوا يضربونه في رأسه وأضراسه لإنقاذ ذلك الدليل الذي جندوا الجنود وصرفوا الميزانيات من أجل الحصول على مثله ولكن الشّيخ القاضى كان أسرع منهم.

ولم يتمكنوا من إنقاذ أي شيء سوى فتات بسيط ومعجون، واقتادوه إلى المعتقل ومعهم الدليل التالف وحققوا معه 15 يوماً (حيث كانت تلك مدة التحقيق القانونية ولم تكون قابلة للتمديد) لعله يدلى باعترافات. وبعد انتهاء مدة التحقيق تم تحويله إلى المحكمة وبرأته المحكمة من التهمة الموجهة إليه من عناصر الأمن لعدم وجود دليل كافي يدينه… بل حوكم لأنّه لم يتعاون مع المخربين على إكمال مهمّة التفتيش امّا تهمة المخابرات واعتقادهم بأنّه عضو مهم وقيادى فى (جبهة التحرير الإرترية) رفضت من القاضى لأنّها بلا دليل وحكم عليه بالسجن لمدة عام .وهكذا أصبح هذا الموقف وهذه القصّة أسطورة يتناقلها طلابه وكلّ المدينة (كرن) وبعدهم كلّ جيل التحرير الإرتري منذ ذلك الزمن.

سؤال: أين تعرّف الشّيخ القائد على صديق عمره الأستاذ (إدريس آدم).

عبدالرّحمن مرانت: بدأت صداقة الوالد والأستاذ إدريس آدم في المعهد حيث كان الأستاذ إدريس طالباً في الفترة التي بدأ فيها الوالد التدريس، ولكن صداقتهم تعمقت أكثر من خلال مشاركاتهم في المدائح و الموالد فى دائرة الختمية والتى كانت فى يوم من الأيام منارة لكلّ المسلمين فى المدينة وفى كلّ ركن من أركان الوطن تنتظر الجماهير مهرجاناتها مثل ”حولية عد سيدي“ في كل من مدينتي كرن ومصوع ، يتبادل فيها أهل كرن ومصوع الزيارات ، فكانت مهرجانات الفرح والورع . إلى أن جاء الدرق فقطع الوطن إلى امصاروأقاليم مغلقة، وقدم أسياس فطمس الأنواربتغيبه للشيوخ والدعاة والأحرار، وقام بمصادرة أوقاف المسلمين، كما حجم دور لجان الأوقاف، والتي كانت صمام الأمان للإسلام وهويته من الزبول والتحلل في عهد الإستمعار.

سؤوال: هل الوضع الإرترى اليوم يضطّرّنا للمقارنة بسجون الإستعمار مع أنّه لا أحد منّا وبكامل عقله وقواه يريد أن يقارن بين الإستعمار والحرّية كيف تقارن بين اعتقالات وإختطافات المخابرات الإثيوبية والوضع الحالى فى إرتريا؟

عبدالرّحمن مرانت: بالنسبة لى الرؤيا غير سارّة الوضع الإثيوبى هو إستعمار ولذالك لا أستغرب فى ما حصل من الإثيوبيون فى سبيل معاقبتنا لأنّنا طلبنا السيّادة فى أرضنا, لنمتلك دولة ذات سيادة ونعيش أحرارا مثل كلّ الأمم لدوافع كثيرة تتعلّق بالأمن والسلم لشعبنا ولنا المسلمون تحديدا... ولكن بالرّغم من هذا فى كلّ القضايا السياسية أو جلّها المتهم يقدّم للتّحقيق ثمّ للمحاكمة وتستمع إليه المحكمة ويحضر المتّهم يرافقه (محامى) وعندما يحكم عليه بالسّجن تزوره أسرته ويزوره أقرباءه وأصدقاؤه وحتى فى عهد سجن والدى الأول والثانى كانت الأسرة تزوره مثله مثل بقية السّجناء السّياسيين... ولكن اليوم فى عهد إرتريا الدّولة والتى خلقت لتحفظ الأمن والسّلم فى البلد ( إرتريا الحرية) يختفى فيها كلّ الخصوم السّياسيون بكلّ مشاربهم وحتى من كان القائد فى أو الوزير أو السفير فى حكومة الـ (هقدف) الكلّ معرّض للإختفاء والقتل بلا سبب والقاتل مجهول معروف… والنّساء يتعرّضن للسجن والتعذيب بسبب هروب أبناءهنّ من الخدمة التى أصبحت (عبودية) بلا سلاسل… إرتريا أصبحت سجنا وسجّانه أسياس أفورقى…

كيف التحقت بالأزهر الشريف بمصر ثم بالجامعة الاسلامية بماليزيا؟

بعد إعلان استقلال إرتريا عن إثيوبيا رسمياً عام 1993م، بادرت الدول العربية الداعمة الرئيسية للقضية الإرترية لدعم الدولة الفتية، فكانت هناك منح دراسية رسمية من جهات عدة في الدول العربية مجموعها 72 منحة دراسية في الجامعات العربية، وجميعها يشترط للمتقدمين لها إجادة اللغة العربية، وبالطبع طلاب المعاهد الإسلامية هم المؤهلون لها.

فتقدمنا لهذه المنح وكان عددنا يزيد على 150 طالباً معظهم من كرن وحقات وقندع. وكانت ليالي وأيام نضرب فيها الأخماس في الاسداس يا ترى في أي بلد عربي سيكون نصيبنا (في الكويت، أم السعودية، أم الجزائر، أم ليبيا، أم المغرب) ولكن الجبهة الشبعية الخبيثة كعادتها أبت إلا أن تفاجئنا بخبثها لأن الخبيث لا ينتج إلا الخبث وبعد أيام من التقديم أخبرونا بأننا فقط نستطيع أن نقدم على منحة الأزهروكان عددها (5) منح وحجتهم في ذلك أن شهادتنا ليس لها معادلة مع بقية الجامعات، فيا لخبثهم!!! وحينها تنافس الـ 150 طالب على الخمسة منح، وقاموا باختيار أفضل (10) عشرة طالب منهم حسب الدرجات وأرسلوها لإدارة الأزهر ثم اختار الأزهر خمسة من العشرة وكنت من بينهم. وفي 20 أكتوبر 1994م غادرت إرتريا وهي تستعد لإرسال فلذات أكبادها إلى معسكر السخر في (ساوا)…

ولكن كانت هناك أمور أخرى تأرقني وأحاول فهمها، لماذا الجبهة الشعبية سمحت لنا فقط بالأزهر وبدأت أكتشف الحقائق يوماً بعد يوم ...

أولاً: أن منحة الأزهر تعتبر أقل مستوى من بين جميع المنح من الناحية المادية.

ثانياً: أن مستقبل خريج الأزهر أضعف بكثير، خاصة لو قورن بدول الخليج مثلا.

ثالثا: أن الأزهر لا يعترف بأي شهادة إلا الشهادات التي تصدرها المعاهد التـابعة له سواء في داخل مصر أو خارجها وعند تحديد المستوى كان نصيب اثنين من الدفعة أن قبلوا في ثالثة ثانوي (وبذلك يعتبر أنهم أخروهم سنتين حيث أن الثانوية في الأزهر أربعة سنوات) والثلاثة الباقين كان نصيبهم ثالثة متوسط (يعني تأخيرخمسة سنوات) ، ولكن ”أيضا“ أفضل من ساوا.

فالنسبة لنا كانت أيام كئيبة وخاصة أنها تزامنت مع اعتقالات 1994م ، والتي شملت خيرت شيوخ وشباب إرتريا. أما بالنسبة للجبهة الشعبية بذالك حقّقت مكاسب كبيرة حيث أنها بذلك أوهمت العامة والبسطاء بأنها ليست ضد المسلمين، ويترسخ لديهم بأن المعتقلين “أكيد لهم ما يدينهم والإ الجبهة الشعبية ما تسجن هكذا عفويّا ، ولكن لم يكن ليدرى الكثيرون مدى خطورة هذا التّنظيم (جبهة الشعبية) السّرطانى الخطير!!!

هذه الظروف دفعتني للبحث عن فرص أخرى وبعد سنة تقريباً وصلنى خبر ومفاده بأن هناك منح دراسية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وقدمت إليها بنفس شهادتي التي حصلت عليها من ”المعهد الدينى الإسلامي - كرن“، وقبلت في كلية العلوم الاقتصادية والإدارية فسافرت إلى ماليزيا مباشرة وواصلت دراستي هناك.

وهنا أود أن أشكر مجموعة من رجالات إرترايا الذين خدموني خدمة لا أنساها (1) الأستاذ/ محمد شيخ أدم (أحد معتقلي 1994م)، أول رئيس لبرلمان إقليم عنسبا، تكفل بكل تكاليف سفري إلى القاهرة، (2) الشيخ الداعية/ محمد جمعة (شيخ شباب الفيس البوك)، ساعدني في سفري إلى ماليزيا، (3) وأخيراً شيوخ ودعاة العمل الإسلامي الذي فتحوا لنا أبواب الفرص في الجامعة الإسلامية.

سؤال: ما هي أمنيتك؟؟؟

عبدالرّحمن مرانت: بعد غياب تجاوز العشرين عاما من مفارقة أبي أمنيتي أن أرى والدي وكل المغيبين بيد الظلم والعدوان، وحنيني أن أعود إلى وطني إرتريا وقد إنزاح عنه كابوس (الشعبية) فأعيش في مسقط رأسي مدينة كرن (كرن طعدا) التي ولدت و ترعرعت بها ونهلت من علومها، وأصلي الصلوات الخمس في الجامع الكبير وأحضر الدروس والمواعظ والخطب للشيوخ الأجلاء فأحضر حلقة دروس السيرة النبوية لوالدي، وموعظة الأستاذ/ عبد العليم زرؤوم (أحد معتقلي 1992) بعد صلاة العصر، وخطبة الجمعة بمسجد عد حباب للأستاذ/ علي حسن (أحد معتقلي 1992) و الأستاذ/ عثمان قدم (أحد معتقلي 1994)، وأصلي صلاة التراويح في منزل الأستاذ/ إدريس محمد سعيد (أحد معتقلي 1994)، وأجلس في حلقة تحفيظ القرآن للشيخ صالح، وأشارك في حفل توزيع الشهادات نهاية العام الدراسي لمعهد عنسبا.

وحلمي بعد تحرير إرتريا من حكم الدكتاتور أسياس أن أوجد منبراً لوالدي ”إذاعة دينية“ مثلاً يلقي من خلالها دروس السيرة النبوية على جميع أنحاء إرتريا، كما أتمنى أن ألقاك أخي عبد الفتاح وكل الأخيار من بني وطني في تراب وطننا العزيز.

سؤال: وهل من كلمة أخيرة تودّ قولها فى ختام هذا اللقاء؟؟

عبدالرّحمن مرانت: ندائي إلى أهالي المغيبين وخاصة المستنيرين منهم أن يتصدوا لملف قضية المغبيبن بكل شجاعة وإقدام، والتي تعتبر واجب وطني وإنساني وديني (نصرة المظلوم وبر الوالدين وصلة الرحم). ولا تضعوا اليأس يتسلل إلى نفوسكم فليس المطلوب أن نكون خارقين ونأتي بعصى سحرية تغير الأحوال، وإنما المطلوب أن نجتهد ونبذل أقصى ما بوسعنا وعندها تتدخل العناية الإلهية ويأتي النصر بإذن الله. أما رجائي في الأحرار من تنظيمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني لتبنى هذه القضية الحية.

ندائي إلى مثقفي وكوادر التجرينية أن يعملوا من أجمل إرساء ثقافة التعايش ونصرة الحق ومقاطعة الظالمين بدلاً من ثقافة حب التسلط والهيمنة واقصاء الآخر (على حساب الوحدة الوطنية وكرامة الشعب الإرتري) تارة مع المستعمر الإثيوبي وتارة مع الدكتاتور أسياس باختصار اتركوا ثقافة ”زبرقت طحاينا زنجسي نجوسنا“.

ندائي إلى مثقفي وكوادر القوميات المهمشة الرجاء القيام بعمل جماعي وبإيجابية لرفع مستوى مجتمعاتنا من خلال تشجيعهم على التعليم وإيجاد فرص التطور لهم بدلاً من بث الثقافات السلبية وتعميق كره الآخرين، وعلى راي المثل ”كلنا في الهوى سوى“ وأخيراً أدعوا الجميع للعمل لبناء وطن يحفظ كرامة الإنسان الارتري ويحقق أحلامه، ونبذ كل عوامل الفرقة والشتات لنعيش في وطن يسعنا جميعا ويؤمن مستقبلا زاهرا للأجيال القادمة.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

1- (وطّا - جبّا) = هى كلمة بالمحرية كانت تطلق على الّذين يعودون من النّضال ويسلّمون للعدوّ الإثيوبى فكان يطلق عليهم كلمة (وطا قبّا) وطا: تعنى خرج… وقبا: تعنى دخل وكانت قد حرّفت بالتقرنية فكانن تنطق (ودى قبّا) وكان منهم عدد لا يستهان به من مناضلى (جبهة التّحرير الإرترية) الّذين رأو أنّ الإنضمام إلى تنظيم الجبهة الشّعبية هو كالسمّ القاطع قاتل فى لحظة فإختارو العدوّ الإثيوبى منها.

2- هذه القصّة وبما تحمله من محتوى كانت قد ذكرت فى كتاب المناضل على محمد صالح (مذكّرات مناضل إرترى)

وفى الختام: أيّها القارئ الكريم أينما حللت وإرتحلت هذه هى قصّة (الشّيخ القائد مرانت) خذها معك لتعرف مدى معانات الإنسان الإرترى فى إحدى أبشع صورها… آباء غابو والأسباب غير معروفة أبناء يعانون من غياب آباءهم إفتقدوا الأبوّة والحنان فقدوا القدوة والمرشد و تركو ا لعناية الواحد الأحد... وهذه الفواجع كانت يمكن أن تجعل منهم مجرمون أو قتلة أو حاقدون ولكن لا زال فيهم الأمل فى كلّ إرترى غيّور يحبّ الحرّية والأمن والسّـلام أن يسود ربوع هذا الوطن المكلوم ةلذالك ينتظرون أن يساعدهم الجميع فى البحث عن آباءهم وفى معرفة مصيرهم!!!

فلنعمل معا لجعل هذا الوطن ملكا وحقّ عينى للكلّ فبسيادة الفرد وأمنه على نفسه وبيته وذرّيته وفى داخل الوطن هى إحدى أسمى آيات السّـيادة الوطنية فلا وطن والمواطن غائب إن كان فى السّجن أو فى الصّـحارى أو البحار أو فى المجهول...
كلّ شباب الوطن يقول اليوم (أعطونى الأمان أعطيكم وطن) إن كان الوطن شقّ ثابت وهو الأرض والسّـماء والبحار والأشجار فإنّها باقية بقاء المعمورة وحتّى يرث الله الأرض ومن عليها...

أمّا الشـقّ الثانى فهو الإنسان وله سخّر الشـقّ الأول من الوطن (الأرض) يجب أن يعيش فيه كريما آمنا مجابا على الحاجات والضّرورات وإلاّ فلا وطن بلا مواطن... يجب أن لا نقبل أن يتساوى عدد المغيّبون والمقتلون غدرا وأعداد الشّهداء فى الحروب العبثية مع شهداء حرب التّحرير فتلك وربّى أصعب معادلة فى إرتريا الوطن سوف تفقد الإنسان الإرترى طعم الحريّة ومعنى الوطن… الهروب ليس حلّ والوطن البديل ليس حلّ ودفن الرّؤوس فى الرّمال أكبر جريمة… الحلّ هو جرف (حكومة الـ (هقدف) لترحل وبهدوء إلى مزابل التّأريخ.

وفى ختام تدويناتى المتواضعة هذه عن الشّـيخ القائد (مرانت) أشكر كلّ غيور على الحرّيات العامة فى إرتريا وأشكر كلّ المهتمّين بشأن المغيّبين قسرا... وأشكر (الشّبل إبن الأسد) الأستاذ عبدالرّحمن محمّد مرانت فى التّعاون فى تدوين أغلب تفاصيل الحلقات... ثمّ أشكر الأخ أحمد أسنّاى فى مساهماته بالمعلومة والتّصحيح أحيانا وأشكر الأخ عامر صالح حقوص وكلّ من أبرقنى بمعلومة أو شدّ من أزرى... وأشكر كلّ القراء على المتابعة… وحتّى ألتقيكم المرّة المقبلة فى عمل آخر أو بطلا آخر أو قصّة أخرى من قصص الوطن والثّورة .. لكم منّى أسمى التّحايا.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click