أيام لاتنسى من ذكريات المناضل محمد علي إدريس ابو رجيلا - الحلقة السابعة عشر

إعداد: جبهة التحرير الإرترية

المؤتمر الوطني العام الثاني الطريق والأعمال ومابعده: كما قلت في الحلقة السابقة شكلت اللجنة التحضيرية للإعداد للمؤتمر الوطني

محمدعلي إدريس أبو رجيلة

العام الثاني لجبهة التحرير الارترية وكانت الجبهة في ذلك الظرف تمثل جل الثورة إن لم تكن كل الثورة و كانت القوة الأساسية لحداثة قوات التحرير الشعبية التي نشأت قبيل خمس سنوات، جاءت اللجنة التحضيرية الى حيث سريتنا وأجرت فيها الانتخاب وإختار مناضلونا خمس مناضلين وكذلك من السرايا الأخرى في مختلف أرجاء إرتريا وكنت من بينهم وكانت هذه هي نسبة التمثيل لكل سرية من سرايا جيش التحرير الارتري والتي قررتها اللجنة التحضيرية بعد مناقشات طويلة، وكانت الأجواء قبيل المؤتمر تتسم بمد ثوري هائل تمثل في التدفقات الكبيرة لأبناء شعبنا وخاصة من مديريات كبسا من الثلاثة حماسين وسرايا وإكلي قوزاي ومن المدن لأسباب متعددة بينها دك جيش التحرير الارتري لمؤسسات ومعسكرات العدو في أسمرا بصواريخ الكاتوشا التي أحدثت رعباً هائلاً في صفوفه، وإطلاق سراح السجناء والانقلاب العسكري ضد الامبراطور وتصفية الجنرال الارتري الأصل أمان عندوم الذي كان من قادة المجلس العسكري ورئيس ذلك المجلس، وعوامل متعددة أخرى وعلى رأسها تنامي المد الوطني والاحساس بالذاتية الارترية وضرورة ميلاد كيانها المستقل والاحساس بدنو أجل الاستعمارفي البلاد وبداية بروز دلالات هزيمته النهائية، وكانت تلك الأعداد القادمة من المدن قد حولت لمركز ربدا للتدريب والتعبئة السياسية، كانت أعداداً كبيرة وقد برزت إشكالية تمثيلهم في المؤتمر وتمحور النقاش في إتجاهين، إتجاه يرى عدم تمثيلهم في المؤتمر لأنهم أعضاء جدد لم يمض على إنتمائهم للتنظيم بضعة أشهر ويجب النظر إليهم من زاوية العضوية، وهؤلاء سيقررون مصير تنظيم وسيناقشون قضايا لايعرفون شيئاً عن خلفياتها وسيكونون قوة مستغلة ومجرد أصوات خام ليس إلا، وكان الاتجاه الآخر يرى ضرورة تمثيلهم ويبرر لذلك أنهم في أغلبهم ينتمون لشريحة غابت بثقلها عن مسرح الفعل الثوري بفعل تضليل المتنفذين من أصحاب المصالح وبسبب ما ترسب من خلفيات مرحلة تقرير المصير وللدعاية الكبيرة التي شنت لتشويه صورة وأهداف الثورة المتعمدة من أنصار وإستخبارات النظام الاستعماري وتركيزها على التباينات الطائفية والاقليمية والمذهبية، فضلاً عن أن برنامج الثورة ومعايير التمثيل لاتفرض أزمنة معينة للقبول في مؤتمرات الثورة.. وعلى هذه الخلفية طالب البعض برفع نسبة التمثيل لهؤلاء فوق التمثيل المقترح لسرايا جيش التحرير وأن يكون قرار تمثيلهم إستثانئي... إلخ على كل حال مثل هؤلاء بعد شد وجذب بما يعادل تمثيل سرايا جيش التحرير وهذا كان بالنسبة لكل من أنهى تدريبه العسكري ووزع في شكل سرايا وإن لم توزع السرايا نفسها و كان بمثابة حل وسط بين الاتجاهين الراغب في التمثيل الأعلى والرافض للتمثيل من أصله، أما نحن فلم نشارك في ذلك القرار الخطير وعلى كل حال منح هؤلاء الأبناء العضوية وجاؤوا الى قاعة المؤتمر في الجلسة الرابعة للمؤتمر على ما أذكر، وكانوا يشكلون عدداً معتبراً وبلغ عددهم ثلاثمائة عضو وأثيرت قضية تمثيلهم مرة أخرى أمام اللجنة التحضيرية والقيادة قبيل الدخول في جلسات المؤتمر رسمياَ وكانت أهم نقطة في التبريرالذي قدمته لنا القيادة والتحضيرية ركز على أن تمثيلهم فيه مصلحة للثورة فبتدفقهم وبإنضمامهم للثورة إستكملنا شرط هام لانتصار الثورة الاستراتيجي على كل حال لم أكن مقتنعاً بتلك التبريرات إلا أن الغالبية إقتنعت أو بلعت الأمر وكان رأي مع عدد من المناضلين إذا كنا تقصدون أبناء شعبنا في الهضبة فهولاء موجودون في القيادة وفي صفوف الثورة منذ عهد المجلس الأعلى (تدلا بايرو) وحتى الآن قلوا أو كثروا وإذا كنت تقصدون العمال أو المرأة أو الطلاب أو الفلاحين فقد إنتخبناهم فما هي صفة هذه العضوية حسم الأمر وصار هذا الموضوع من بين القضايا التي تثار كخطأ كبيرإغترفته قيادة الجبهة واللجنة التحضيرية، لمختلف الدوافع المعقولة وغير المعقولة بل أن بعض من أنتخب للعضوية في المؤتمرسخر فيما بعد من هذا القرار معتبراً إياه من أمارات العاطفية وإنعدام الأسس المنظمة لعضوية المرشح في المؤتمرات بل وحتى في القيادة ولم يلتفت لحسن النوايا في ذلك الأمر.

كلفت من اللجنة التحضيرية والقيادة للبحث عن مكان ملائم لعقد المؤتمر تتوافر فيه شروط العمق والاستراتيجية الدفاعية والبعد والأمان والمياه والاشجارومحدودية المداخل والمخارج، على أن يكون موقعه سراً وبالفعل وفقت وجئت الى جهة التكليف وذهبنا معاً الى الموقع وتمت معاينته ميدانياً للتحقق من ملأمته ومطابقته للمواصفات ووافقوا عليه دون ذكر إسمه وكان في ملتقي نهري عنسبا وبركة، وكلفت ومعي فصيلة من سريتنا لتأمين ذلك المكان منذ فترة طويلة قبيل مباشرة أعمال المؤتمر وبهذا كنت أول الواصلين من عضوية المؤتمر وإختفت فصيلتنا التي وفرنا لها كل أسباب الاختفاء وبعد ترتيب الفصيلة نزلت من ذلك المواقع لترتيب محطات الحركة ومن ينتظر فيها من المناضلين مع المعنيين وكان دقتنا في التأمين قوية للغاية حتى أن المناضلين الذين ينتظرون الوفود في هذه المحطة أوتلك وحتى هؤلاء الذين يرافقونهم من غير عضوية المؤتمر كانوا يعودون لوحداتهم (محطات إنتظارهم فور تسليمهم لمن يليهم من مناضلين) بهذا كان هؤلاء لايعرفون إلا محطة واحدة وكانت قاعدة عملنا هذا تقوم على مبدأ المعرفة على قدر الحاجة وهي قاعدة أمنية معروفة، وكان معدن مناضلينا من ذلك الطراز الذي لايكثر الاستفسارات والأسئلة فيما لايليهم من أمر وفيما لايفيدهم في أداء رسالتهم النضالية دخلنا موقع المؤتمر وقبيل مباشرة أعماله شن العدو غارة جوية على موقع المؤتمر أسفرت عن إستشهاد ثلاثة أعضاء وكان من بينهم المناضل الشهيد على عثمان حامد حنطي رئيس إتحاد عمال إرتريا وعضو المجلس الثوري و المناضل الشهيدعبد الله عثمان هكل والمواطن طاهر عثمان بخيت وجرح المناضل الشهيد إدريس أب لقين على ما أذكر، هذه الضربة الجوية أجبرتنا على إتخاذ تدابير جديدة للتعاطي مع أسلوب عمل المؤتمر فغيرنا لمسافة في ذات المنطقة الموقع وبالحصر كان على ضفاف نهر عنسبا بدلاً من ملتقي بركة عنسبا، وقررنا الراحة نهاراً في مناطق متناثرة والعمل ليلاً كانت عضوية المؤتمرفي شكلها النهائي كبيرة للغاية إذ بلغ الحضور الفعلي على حد ما أذكر 949 عضواً بينما كانت هناك عضوية غائبة لأعذار شرعية وخاصة في جانب قادة الجيش وبشكل أخص في المرتفعات الارترية وحول أسمرا التي عززت بقوات إضافية حتى لايستغل العدو إنشغالنا بأعمال المؤتمر وأذكر من بين هؤلاء حامد محمود حامد الذي بقى حول أسمرا بجانب قواته وبعد ثلاثة أيام على إستشهاد المناضلين بدأ المؤتمر أعماله إبتداءً من 6-5-1975م ولغاية 27-5-1975م وصدر بيانه الختامي بتاريخ 28-5-1975م على ما أذكر وقد تم إختيار سكرتارية المؤتمر من خمسة أعضاء وكانت برئاسة إبراهيم إدريس حامد توتيل والشهيد محمد حامد عثمان تمساح والشهيد ملأكي تخلي وإثنان آخران لا أذكر إسميهما، بدأنا الجلسات وكانت ليلاً على أضواء الرتاين، القيت كلمة رئيس التنظيم وسكرتارية المؤتمر واللجنة التحضيرية والوفد الأجنبية المشاركة ثم قدمت تقارير القيادة التي جرت فيها نقاشات حادة ثم تقرير المراجع العام وكان المناضل سيد أحمد محمد هاشم وكانت منتخباً من المؤتمر الأول مباشرة وتفجرت بسبب هذا التقرير العديد من المشكلات المالية وكذلك التجاوزات حسب رأي المراجع وأو شك أن يسبب لنا مشكلة كبيرة لحساسية الارتريين في جانب المال واوجه صرفه أو التصرف فيه ولصرامة مواقفهم وتشددهم في هذا الجانب، على كل حال إنتهى ذلك التقرير وأثيرت دعاية قدوم طائرة وساد هرج ومرج فقام المناضل الشهيد إدريس محمد آدم مؤسس و قائد الجبهة بإستلام المكرفون وكان من تلك العينة التي تعمل بالبطارية وجمع الجميع وطالب بالهدوء ثم أعلن حالة الطوارئ كما نادى القادة العسكريون جميع الضباط للاجتماع وونصبت الدوشكات والركرنوفات على التلال المحيطة بالمؤتمر باشر بعدها المؤتمر أعماله كما رسم لها، ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية:-

1. إستمرارأعمال المؤتمر لوقت طويل قارب الشهر وإذا أضيف إليه زمن الرحلة للموقع وبهذا تزايدت مدة الغياب عن الوحدات المقاتلة والمهام النضالية والاعمال الشخصية بالنسبة للمواطنين.

2. الجدل غير المثمر في قضايا لاتستحق ذلك وخاصة في مسائل نظرية لايفهمها جل الأعضاء وليست في مكان أولوية لثورة شعبنا من أجل التحرر الوطني كالمصطلحات الإقتصادية والطبقية.

3. جدد المؤتمر برنامج سياسي وتنظيمي تلافى أخطاء البرامج السابقة وكان أفضل منها ولكن يلاحظ فيه الطابع الأيديولوجي، كما لم يضع مسألة العلاقات بشكل سليم وخاصة مع الدول والأحزاب وعلى أساس موقفها من قضية شعبنا وثورتنا العادلة، وهذا إنعكس فيما بعد في تضارب الموقف من تدخل دول المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي الذي وصف شعبنا بالأقوام الذين لم يرتقوا بعد لدرجة شعب.

4. رسخ مفهومين حول الوحدة الوطنية الأول يقول أن الوحدة الوطنية تعني تطويروبناء المنظمات الجماهيرية وتطوير العمل السياسي داخل جيش التحرير وآخر يقول إعتماد مبدأ الحوارالديمقراطي بين فصيلي الثورة جبهة التحرير الارترية و قوات التحرير الشعبية قيادة وقواعد لتحقيق الوحدة الوطنية لقوى الثورة.

5. أكد المؤتمر في بيانه على فاشية نظام الدرق ولكن القيادة تجاوزت هذا المفهوم بعد ذلك وطرحت ما أسمته بالثورة في إثيوبيا والثورة في إرتريا فوضعت بذلك الضحية والجلاد في مستوى واحد وأثارت البلبة في عقول المناضلين وملكت أدوات دعاية لخصوم الجبهة من المناضلين الارتريين وغيرهم مما أثار مشاكل كثيرة فيما بعد.

ومن السلبيات الكبيرة للمؤتمر في رأي إستقالة رئيس الجبهة المناضل الشهيد إدريس محمد آدم بعدما لمس وجود تآمر لإسقاطه ففضل الانسحاب والبقاء على خط الثورة في منفاه كما لم ينتمي لفصيل آخر أو سعي لتأسيس تنظيم جديد كما فعل البعض من القادة التاريخيين للثورة بعد ذلك وكذلك سقوط المناضل حروي تدلا بايرو نائب الرئيس وفوز قادة مستجدين وأغرار.

دخلنا بعد ذلك الانتخابات التي ترشح ما يقارب من السبعين عضواً وقرر المؤتمرون إتباع أسلوب الانتخاب بعدد القيادة المطلوبة أي ال 41 ممن العدد الكلي وبالانتخاب السري وأنتخبت القيادة فاز فيها من فاز وسقط من سقط وكان هذا أول درس عملي في الممارسة الديمقراطية في الثورة الارترية وإنتخب المجلس الثوري المناضل أحمد محمد ناصر رئيساً للجنة التنفيذية والمجلس الثوري وجاء هذا الانتخاب بعد مخاض قاسي في المجلس الثوري بعد رفض المناضل عبد الله إدريس محمد الرئاسة بعدما عرض عليه من إخوانه المناضلين وكذلك المناضل محمد إسماعيل عبدو بعدها دخلنا في مرحلة جديدة.

تـابـعـونـا... فـي الـحـلـقـة الـقـادمـة

Top
X

Right Click

No right click