مرة أخرى أبعري أديباً

بقلم الأستاذ: محمد إدريس عبدالله

وأنا أقلّب دفاتري بحثاً عن نص كتبته عشية تحرير مدينة مصوع (باطع)،

وجدت كتيب لقصص بعنوان ”عظام من خزف“ وهو باكورة إنتاج للقاص والمناضل و”المعتقل“ ادريس سعيد، المعروف بأبعري، ووجدت بداخله قصاصات كنت قد كتبتها حينها للتعليق على هذه المجموعة القصصية من الأدب الأرتري، وأرى لزاماً عليّ أخلاقياً بالإفراج عن بعض محتوى ذلك التعليق، والقصد هو التضامن والمؤازرة مع صاحب عظام من خزف وهؤلاء المناضلين الذين يقبعون في المجهول بالسجن الكبير ارتريا.

ولكون هذا القاص هو أحد ضحايا الدكتاتورية، فإنها قضية إنسانية وأخلاقية وحقوقية أن نلفت النظر إلى قضيتهم بيد حاكم ظالم يأتمر بأمره ولا يردعه وازع أخلاقي أو دستوري أو قانوني، فبإشارة منه يكون المرء خارج الحياة، فإرتريا بلد التضحيات، مزرعته ووقف باسمه، يشجب شجيراتها وشرفائها، إنها بقامته وعلى مقاسه بؤساً وتعاسة وظلماً، خطف الوطن كالذئب الذي ينزوي بفريسته في الغابة، عرفنا دكتاتوريات في جميع أنحاء العالم والبعض منها رغم طغيانه كان مؤسساتياً وله برلمانات ودساتير يعنى قدر من الوازع الدستوري والتشريعي، ولكن ارتريا أفورقي فهي بلا دستور ولا برلمان ولا مجلس وزراء والأحرى بلا رئيس منتخب فالجموع في هذا البلد تحكمه علاقات من مخلفات الكفاح المسلح التي كانت سائدة في تنظيم الجبهة الشعبية والأدق يحكمها فكر المخفر المركزي في (بليقات) منطقة نشوء الشعبية بل يحكمها العقل السياسى الذي ينفي الآخرأما الأدب والثقافة فرواده يقبعون في المجهول.

(عظام من خزف) هي مجموعة قصص قصيرة كتبها أبعري، مؤرخاً للحرب في أرتريا ”فترة الكفاح المسلح“ وهي:-

1. وداعاً للخندق،

2. عشق الرذاذ والرصاص تحت سقف السماء،

3. عظام من خزف،

4. حقل بين حدي السيف،

5. آخر جرعة لآخر كأس،

6. ترويض السراب،

والمجموعة من مئة صفحة وأهدى القاص المجموعة إلى المرأة الأرترية..

إذ قال (إلى الأم الأرترية المتشحة بثوب الحزن تحت تاج الفخر) هذه المعادلة الصادقة تلائم حال أبعري ورفاقه في يد جلاديهم وإن وضعية الأم الأرترية هي اليوم أكثر بؤساً وأكثر فخراً، كونها لم تستسلم لأنها تناضل في كافة مناحي الحياة اليومية الأرترية وهي تعض على شفتيها ألماً وحزناً لفقد الزوج والابن والرفيق في النضال وأن حالها لم يعد كما تصورت، فالرفاق بعد اعتمارهم ربطات العنق أصبحوا يضربون الأعناق لكل رأي مخالف، ويخالج البعض بأن جبال الساحل وأخاديده أفضل من التنزه في ”كمبشتاتو“ والسكن في (قانيو إستشن) معسكر دندن الآن وبالأجرة، وأن الحنين يشد كل مناضل لتلك الجبال لأن حياة الجبال عنوانها الحرية أما عنوان (قانيو) فهو المال والمداهنة والبحث عن إبقاء الإنسان لحياته كي لا يلقى مصير رفاقه الذين جاهروا برأيهم في سلوك الطاغية.قدم لهذه المجموعة القاص السوداني، (عادل القصاص) الذي كان تقديمه هو الآخر قصة بروح النثر والنقد الأدبي فكان بارعاً في نحت خريطة دقيقة لمفاصل المجموعة والتنظير الأدبي العالي الجودة مع ملاحظات منهجية لروح القصص الست، لنقول مع مقدم المجموعة (فنصوص أبعري - رغم ما شابها من تداخلات إستبدادية من قبل السياسي - تظل بؤرة مضيئة، ولعلها رائدة لواء المبادرة، ولها قبل كل شيء اشتهاءات مشروع توريخ الحرب، أدبياً..)، إن سبق المبادرة قد لا ينفرد بها القاص أبعري إذا استنتجنا أن هذه المجموعة قد صدرت عام 1992 لأن تاريخ الإصدار غير معلوم،

فقد سبق من كتاب العربية في محاولة أدبية:-

• الأستاذ محمد سعيد ناود في قصة (صالح)،

• الشهيد الشاب أحمد سعد،

• جمال همد،

• حامد ضرار،

• الطبيب يعقوب قبيل،

• الصحفي صلاح عبي،

أحمد عمر شيخ،

• عبدالقادر عبدالصمد.

وبالرغم من أن البعض منهم ليس له إصدارات ولكن محاولاتهم الأدبية مقدرة فأجدر أن نقول في ريادة عظام من حزف أرتريا (ماقبلهاوما بعدها) لأنها كواسطة العقد جمالاً وتوريخاً أما كتاب وأدباء التجرنية فهم كثر حسب ظني ولا تحضرني منهم أسماء.

وسبق مجموعة أبعري يأتي من كونها أرخت للحرب الأرترية الأثيوبية في مرحلة التحر الوطني، وأنها أول مجموعة قصصية بعد تحرير أرتريا وهي فريدة أدبياً وفنياً كونها نصوص تحاكي الواقع النضالي وتفاصيله المتشعبة، وهي لوحة سوريالية للتنوع الاجتماعي والاثني في شخصوها وأبطالها متماهية مع مشاركة جميع مكونات المجتمع الأرتري في العملية التحريرية الثورية.. أما طغيان الخطاب السياسي وإسقاطاته المباشرة في النص فهي نتاج موضوعي لتلك المرحلة التي كانت مشحونة بالانفعالات رغم أنه خلل أدبي ولكن تميز النصوص بلغة عربية راقية منسقة منمقة أعطتها نكهة خاصة يندر أن نجدها في نصوص الأدب الأرتري المكتوب بلغة الضاد خاصة وأن القاص عاش في بيئة (الشعبية) التي تعادي اللغة العربية وتسيطر على حياته اليومية ثقافة التجرنية ولغتها كون اللغة حامل اجتماعي ثقافي ومعرفي بل أداة لممارسة السلطة حسب تعبير أبعري فتحية له في محنته ومحنة الوطن الذي فقد الحرية يوم تحققها على أن يحكي لنا حكاية المعتقل. في قصته ”عظام من خزف“ يصف أبعري مفارقات عجيبة بوصفه الطبيعة وجغرافيا المكان وآهات جرحى حرب التحرير، كأن آهاتهم ضحكات تجلجل بمرح وسرور لأجمل دعابة أو مزحة يطلقها الجريح أو الجريحة كأن مفعول الطلقات كسرد مشوق يفرط المستمع ضحكاً، هذه الروح المتيقنة المؤمنة بأقدارها هي نفس روح الإنسان الأرتري الذي اختار المقاومة المسلحة لإحقاق حقه فلا ضير من أن يكون جريحاً أو أسيراً أو شهيداً فداءً للوطن. اشتكى القاص أبعري كثيراً من ظلم الامبراطوريات المتسلطة ”امبراطورية الليل“ وهو يعني بها الذئاب والبعوض والأشباح والآلام وغيرها من الكائنات وغير الكائنات التي تفتك بالإنسان ولم يتخيل أن التسلط سيخرج من جلباب الثورة حاكماً طاغياً وهو الآخر يفتك بالإنسان ويهدد كرامته ولكن عندما بدرت بوادره الأولى فالقاص أبعري لم يستكن لقدره ويرضى وظيفة ومعاش فتات من الطاغية بل دافع عن قيم يؤمن بها،

ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن عمد بيت الاستبداد والدكتاتورية فدفع حريته ثمناً إذا لم تكن روحه، ولم يخطر ببال أبعري أن يضيف الاستبداد والدكتاتورية كأنه كان يأمل الخير في تنظيمه أو لم تتضح بعد صورة ممارسة السلطة والانتقال من الثورة إلى الدولة. ويتساءل على لسان أحد شخوصه القصصية (هل يمكن التخلص من الامبراطورية المتسلطة بالمدفع؟) سؤال ملتبس لأنه لا يمكن مقارعة الألم أو البعوضة بالمدفع أما الامبراطوريات المتسلطة الزمنية، فالمدفع وسيلة مشروعة ولكنها ليست الأفضل وكثير من ساستنا يشتاقون للمدفع ولكن ليس باليد حيلة، فيتحول اللسان مدفعاً ولكنه ليس مدوياً.في قصته (حقل بين حدي السيف) تقول (جماتي).. (في هذه القرية لا يعسكر أحد سوى النساء والأطفال والشيوخ، شعر بمهانة بالغة، تجهم ولاذ بالصمت..) كان هذا الحال في ظل الاحتلال، ويستغرب المرء أن يستمر الأمر بعد رحيل الاحتلال حيث يبقى الكهول من الرجال والنساء واليفع من الأطفال ويلوذ الشباب هرباً بالصحارى والمحيطات، ما الذي أصاب المجتمع الأرتري؟ ألم يحقق حلمه في الدولة الوطنية وحكام من أبناءه..، كأن الأمر لم يتغير بين حال الإنسان الإرتري في ظل الاحتلال وحاله في ظل حكامه من أبناءه.. تبقى (جماتي) دوماً الدفء في زمن الردة والخوف والسخر (وارساي) فيهرب (أري) البطل في - حقل بين حدى السيف - إلى صدر جماتي الحبيبة والخطيبة.

في ظل الدولة الوطنية، هل ينعم الراعي الأرتري بالسلام وسط تنفسات الأبقار النائحة وروثها الطازج أو يتحين قدوم (الشفتا) (قطاع الطرق) وسط الحقول.. كأن الشفتا حاكمون اليوم، جماتي العاشقة تحلم بتكوين أسرة وحياة إنسانية.. هذا السرد القصصي المشوق يجد اليوم مماهات في واقع جماتي، فإن أهلها بين حدي السيف وحقولهم زرعت ألغاماً والقاص أبعري يحسد (جماتي) في تنشقها الهواء الطلق وحاله بين عفونة المعتقل ونتانة الجلادين إذ لم يكن ووري الأديم.تقدم (جماتي) في (حقل بين حدي السيف..) الكسرة والخمر لحبيبها المتواري خوف التجنيد رغم وجود عسكر الاحتلال.. إنه فارق كبير بين الحالين (في ظل الدولة الوطنية حيث يذهب الأرتري بعيداً بحثاً عن الكسرة.. (لا يوجد هنا سوى النساء كما أخبرتك حتى والدك العجوز ساقوه مع الماشية)، هل يختلف الأمر بعد الاستقلال أصبح الأرتري مطارد في المحيطات والصحارى والحدود وهو يهرب من ظله، قالت (جماتي) (أي حكومة هذه أنت مجنون) هنا تطرح مسألة شرعية الحكومة وهي مشكلة ملازمة لأرتريا على مدى تسعة عشر عاماً من اغتصاب السلطة بيد (الهقدف).

يصف أبعري حال الطقس في جناح المرضى.. فيقول (بدأ النهار قائطاً مترباً، ونفثت الصخور إغبرة هوجاء ظلت تعبث بأطراف الحصير حتى منتصف النهار، وتكونت سحب رمادية اللون بين الأرض والسماء، لتمنع شعاع الشمس من بلوغ الأرض، إلا أن حرها الخانق اعتصر من خلال السحب الرمادية المترية.. تحول الجناح إلى سجن لمنفي عثماني في إحدى الجزر النائية) هذا النسج الخيالي والترادف اللغوي يعطي جمالية متناهية للوحة غاية في الروعة وبيئة يخال أنك مررت بها في مكان ما من الوطن الحبيب، ولكن تخيم اليوم في الوطن سحب سديمة نافثة أتربة وحر حارق حجب شعاع الشمس عن الشعب فلم تبلغ الحرية الأرض الأرترية، فأصبحت كالعظام من خزف لا تصلح معها كل المسكنات والرشوة وفساد الموظف واستبداد السلطة واقع، والغريب أن كل السلطات المستبدة تحاول أن تجمل استبدادها إلى استبداد أفورقي فهو كالعوجة تقيلة باعوجاجه، ومن حسنات العوجة (نوع من الفاكهة) الطبيعية أنها موسمية ومفيدة غذائياً ولا أعلم ما فائدة الطغيان إلا إشباع غرور المستبد وطغيانه، وكاتبنا وصف تحول الجناح إلى سجن عثماني، ولم يخيل له أن سجن أفورقي (القبر) أحلك من أي وصف هذا إن كان يصح أن يقال له سجن كونه لحد، عسى أن يتمكن أبعري أن يصف لنا هذا اللحد أيهما أرحم السجن العثماني أم الأفورقي مع تمنياتي له ورفاقه بالسلامةفي قصة ”عظام من خزف“.. (قال أوهاج باسترسال وبلكنته البطيئة الثقيلة..) (انظري إلى هذه الرفيقة، إنها تتألم، فجروح ساقيها بليغة..) يبدو ان عملية صهر المختلف ثقافياً كانت تعمل على قدم وساق في (القمبار) فأوهاج الحدربي لا يغفره له أنه يتحدث التجرنية بلكنته.. البجاوية أما رفيقته (سارة تخلاي) فهي لا تعيش هذا الاستلاب الثقافي ولكن أن الرصاص والحب لا يفرق بين التفافات المتنوعة ويختار منها وهي فروقات نوجدها لتشبع نوازع الصراع بيننا، لأنه يمكن أن تخلق نوازع متساحمة دون تمييز.

فالرصاص والحب ساوى بين أوهاج الحدربي وسارة التجرنية وهي علاقة الرفاقية ولكن ماذا تبقى من هذه الرفاقية؟ عاد كل الرفاق السابقون إلى قممهم الاجتماعية ويعيدون إنتاج التوجسات التاريخية بفعل علاقة الاستبداد والإقصاء والتنكر للتنوع الثقافي لصالح الهيمنة والقهر، والمفارقة في قصة (الجرعة الأخيرة لآخر كأس).. يقول الجنرال (أشتو) الأثيوبي نفس المضون السابق كأن الأمر لم يتغير، (يبدو أنك لا تحبين الأمهرية)، بلى أحبها، هذا ما تقوله خادمته ”طقي بخيت“ تعني اللغة الأمهرية، إن توليفة مساواة اللغات والقوميات هو سلخ أفرادها عن هويتهم وثقافتهم ولا يشفع لهم التحدث بالتجرتية تلعثماً إنه قهر ثقافي يخضع له الأرتري من السلطة طوعاً وكرهاً في نفس الوقت من غير إدراك واعي، فأفورقي يعمل بما عملت به النخبة الأمهرية في أثيوبيا التي قاومها الأرتريون عندما ألغت العربية والتجرنية وإحلال الأمهرية عوضاً عن اللغات الوطنية، فالهقدفيون حتى في الخيال القصصي يقومون باستلاب الأرتري شخصيته القومية والوطنية وقاصنا كتب هذه النصوص عندما كان في ذرة ”قمباريته“ وقبل أن يكون ضحية كخصوم الشعبية.في قصة (عشق الرذاذ والرصاص تحت سقف السماء) يسأل أبعري سؤال مصيري عن تغير الأحوال، حيث كانت الأجواء مشحونة برائحة البارود، وروائح جثث الموتى من الطرفين المتحاربين، لا حياة لشيء إلا المدافع والرصاص، حتى الحيوانات البرية غادرت إرتريا إلى دول الجوار خوفاً وهرباً والبعض منها نفق من الحرب الضروس التي استمرت ثلاثون عاماً.

ولكن لم يعد للحرب مدى أو زمن فأرتريا تعيد إنتاج الحرب كأنها لا تجيد من صنعة أو حرفة إلا الحرب وعلى مشجبها علقت كل الطموحات، وذبحت الآمال، ففي عملية إحلال وإبدال، تحول حلفاء الأمس (الوياني) الذين دفقوا دواءهم إلى جانب أشاوس ارتريا إلى عدو يتربص بسلطة أفورقي التي تستقي نظمها من أهواء طاغية يكرر كل التجارب الفاشلة فيهرب منه شعبه كأنه أفعى تدخل قن الحمام فتطرد قاطنيه وأسرابه.

وأصبح (الرفاق) من عضوية الشعبية الذين لم يجاروا أهواء الطاغية حبيسي المجهول والبعض منهم قضى نحبه في غياهب السجون (القبور) وكاتبنا أحد هؤلاء، فرغبة التغيير عنده في الخيال القصصي والتعبير عنها أثناء وبعد الحرب في بادمي الأرترية لم يطغها الحاكم بأمره كونها خرجت من عالم الخيال إلى التعبير الواقعي فهي جريمة موصوفة إذ لم يكن مجرد الخيال والحلم في حد ذاته جريمة الجرائم.في توصيفة أسلوب الحياة في جو المعركة في هذه القصة، يطلب المسؤول العسكري التحكم في الدخان المنبعث من (الأسبوعيات) كون الضباب قد انقشع، محاولة الصغير (المنجوس) حسب تعبير الميدان، أكل الأفعى، وهنا الرمزية في أكل الأفعى لم يكن لإشباع الغرور والمغامرة بل هي حاجة قتل الجوع، فقد ولت تلك المرحلة بعد أن أصبحت الشعبية تستقدم المؤن والمعلبات والبسكوت وخاصة ذلك الذي كان ياتي من المارينز للشعبية، وهنا كيف لنا أن نفهم مبدأ الاعتماد على الذات الذي يتبجح به (الهقدفيون) فإنهم كالتاجر الطفيلي الذي يتاجر بكل شيء حتى وطنه. (وزعت قطع البسكويت والبروتين للعشاء) أما في عهد الجبهة فكان المناضلون يأوون إلى إحدى القرى - بحثاً عن لقمة حيث يبيت أطفالها متضورين جوعاً لإطعام الجبهة أية مفارقة هذه.

في تعبيرات رائعة توحي بتملك لغوي خاص بقول القاص (أديم تهدلت أهدابه من التعمرجات)، (نزل رذاذاً كسولاً ثم انسحبت السحب..)، كأن جلده الذابل يهتز وهو يضحك بابتذال (اختلطت ابتسامتها بضوء القمر..) وكثير من المحاولات التعبيرية التي تؤسس للغة أدبية لأبعري.لم يكن الميدان دار حرب فحسب بل الحياة بتفاصيلها المتشعبة توجد حيث يوجد الإنسان في فرحة وترحه، فكان الأرتري يذرف دمعة حزن على عزيز استشهد ولا يبارحه هذا الشعور وإلا بالكبروتغسل الدموع وتبدأ لحظة التسلية بالدامة والشطرنج والتسالي الشعبية من الريف الارتري وعلاقات أخرى كالزواج والحب، فيقول القاص (اختفت بخيتة للحظات وعادت فيعبق الكوخ برائحة صابون الريكسونه..) في الميدان للأشياء قيمة أخرى ورائحة مختلفة وطعم لذيذ لا يفارق الذاكرة.

في قصة (وداعاً أيها الخندق) نقرأ (..وفي أخريات الليل تنفض /الكبرو/ بقايا الحرب لنستقبل يوم آخر يلتهم شهداء آخرين..) (الكبرو) هي ما يسترو الفعل الهقدقي فالشهداء يودعون بالكبرو ويحتفى بذكراهم بها.. إنها طقوس وثنية ثورية كإن للكبرو مفعول الإيدلوجيا أم ضربها للفرح وفش الخلق. (حسب التعبير الشامي) في كل قصصه الرائعة إن أبعري انتمى إلى حرفة القص الأدبي ولكن ما لم أفهمه هو أنه عندما يحاول أن يعبر عن معتقد شخوصه فإنه يحصر ذلك في الديانة المسيحية فيقول: في قصة (ترويض السراب) (وهي ترسم الصليب على جبهتها وصدرها..) (..تجمعنا العذراء) وفي (عظام من خزف) أيضاً نجد (..العذراء رزقتني ثلاث أولاد وبنت كلهم ذهبوا إلى الساحل) لم نلاحظ أي إشارة للعقيدة الإسلامية إحدى ديانات الشعب الأرتري.

القراءة الأدبية لنص مثل عظام من خزف بتطلب عقل نقدي محترف يبين لنا جمالية الجهد في القص من أبعري وهو الأمر الذي يسمو عليّ في محاولتي القراءة والتضامن مع محتجزي الحرية أو هؤلاء الذين فقدوا روحهم نتيجة ذلك فقد يلاحظ القارئ شذرات المباشرة السياسية مشحونة بالأدبي كوننا في ارتريا اليوم لا يمكن أن نقرأ الأدب أو الفن للفن فعذراً لأي نقص وقعنا فيه.

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No Right Click