من مسيرة جيش التحرير الوطني لجبهة التحرير الإرترية - الحلقة ثلاثون وواحد والثلاثون

بقلم المناضل الإعلامي: أحمد عبدالفتاح أبو سعدة

عند مدخل المعسكر (المحشور) فيه ثوار جبهة التحرير طلب منا أحد الجنود السودانيين التصاريح التي بحوزتنا ولبينا طلبه...

آمنة محمد علي ملكين و إبراهيم إدريس توتيل ودخلنا إلى المعسكر، دخلنا إلى السجن، دخلنا إلى مأتم جيش التحرير... لم يكن هناك لا معسكر ولا سجن كان (كباريه) كبير جدا وأنا أدور وألف في المعسكر عفوا (الكباريه) التي هي من الدرجة السفلى ففيها كل أنواع الفرفشة من الخمرة إلى غيرها...؟

كانت موجودة وقد شاهدت فيها العديد ممن كانوا يعتبرون أنفسهم ثوارا أشاوس نمورا كان هؤلاء الأبطال الميامين غير مباليين إلا بالكأس والطاس وغيره ومن بين ما شاهدته مناضل ويا حيف على كلمة مناضل...؟؟ كان اسمه إدريس نور حسين هذا الصنديد الذي شغل عدة مراكز وآخر مركز شغله كان مسؤولا في مكتب العلاقات الخارجية في دمشق، رأيته ممسكا بيده علبة بيرة أجنبية مدها إلي.

وقال لي: تفضل يا أبو سعدة.

كان ردي سريعا وقويا: أنت لا تخجل، أنت بلا قيم.

فما كان من المناضل محمد عمر يحي إلا أن جذبني من يدي بقوة ومشينا سورية والألم يعتريني.

أثناء تجوالي في الكباريه التقيت بالمناضل التقدمي جدا (إبراهيم توتيل) رئيس المكتب السياسي في جبهة التحرير،

قلت له: ماهذه المهزلة يا إبراهيم توتيل...؟؟

ثم أمسكته من ياقة جاكيته وتابعت كلامي له بكل قوة وعنف.. هذه هي نتيجة تصرفك وأعمالك.

أنزل يدك عن يا قتي يا أبو سعدة.

تابعت كلامي: هذه نتيجة تصرفك وأعمالك يا توتيل.

انزل يدك عن ياقتي يا أبو سعدة (قالها بغضب الثائر التقدمي الأممي).

لا تخف يا توتيل سوف أنزلها، أتذكرك مسيراتك الحمراء يا إبراهيم...؟

ألم تقل لي عندما حذرتك وقلت لك إن الشعبية وتجراي وغيرهما يعدان العدة لضرب ثوار جيهة التحرير، أتذكر عندما قلت لي في منطقة (عايلت) مقر قيادتك وبحضور إدريس قريش إن لنا عليك بعض الاستفسارات، سألته صارخا بوجهه:

من الذي أتى بجيش التحرير إلى هناـ من أفسد هؤلاء الناس، هل هي رؤيتك الثورية... هل هو حزب العمل العظيم؟؟؟

أنت وأمثالك هم سبب دمار جيش التحرير ورغم كل ذلك وإلى الآن سكر وعربدة ورقص وغناء ومناضلات ثوريات؟؟؟

و(مناجيس مفردها منجوس) لقد فاتني أن أخبركم أن ملاكي تخلة وابراهيم توتيل قد اعتقلوني في مقر قيادتهم في منطقة عايلت ثم أفرجا عني نتيجة ضغط الجنود الشجعان عليهما.

لو سألتوني الآن عن إبراهيم توتيل أين هو وماذا يفعل أقول لكم أنه يتسكع في بارات أسمرا ومواخيرها بعد أن طرده معلمه (أسياس أفورقي) من مسؤول صغير في الجبهة الشعبية... من المشبوه؟؟!!

توتيل وتخلي وأمثالهما أم أنا أحمد أبو سعدة... هل أنا السبب في انهيار الجبهة أم هؤلاء الثوار الذين خانوا الشعب الإرتري وجبهته الوطنيه...؟

وإليكم الرواية التالية التي عشتها...

عندما كنت في مدينة (كسلا) كنت أتردد على بيت الضيافة الذي يشرف عليه المناضل العم حسين، لن أنسى هذا الوطني النبيل ولن أنسى ما قاله لي عندما زرته في دار الضيافة وهنا أسرد بعضا مما قاله لي:

يا أبو سعدة هل تذكر يوم وقفنا معا في السوق كيف كانت النساء والرجال يبكون عندما مرت عربات الجيش السوداني وهي محملة بأسلحة جيش جبهة التحرير.

نعم يا عم حسين أذكر ذلك وأذكر كيف كان الإرتريون يصرخون ويشتمون القادة المتنفذين في الجبهة نعم كنا سوية ياعم حسين، ألم تقل لي يا عم حسين عندما كنت تنظر إلى سلاح الجبهة وهو محمل على سيارات الجيش السوداني (أنظر ماذا فعل أولادنا بنا) كما أذكر يا عم حسين ونحن نعيش في هذا الجو الحزين كانت امرأة ارترية واقفة قريبة مني قد سقطت على الأرض ميتة، إنها لم تستطع أن ترى هذا المنظر المذل لسلاح أهلها، كان جميع الإرتريين الوطنيين في ذهول تام وقد انطلق الكلام الكثير والروايات تنسج هنا وهناك، كان من الصعب جدا أن يصدق الإنسان الوطني أن جيشا كجيش جبهة التحرير ينهار ويفقد سلاحه ومعداته بهذا الشكل...

سألني الإنسان الطيب العم حسين قائلا: ماذا تقولون عنا في سوريا...؟ بعد أن قدمتم لنا الكثير من السلاح والعتاد أكيد يا أبوسعدة أنكم (زعلانين) منا.

ثم صمت وعاد بعدها ليقول لي متسائلا مستنكرا: كيف فعل أولادنا هذا...؟ شو بدو يصير فينا يا أبو سعدة.

أجبته قائلا: أن سوريا وبقية الدول العربية التي يهمها انتصار الشعب الارتري سوف تساعد وتعيد بناء جيش التحرير الارتري من جديد.

رد علي وقال: الله يطمنك على بيتك وأولادك متل ما طمنتني.

تركت العم حسين هذا الإنسان الطيب والحزن يملأ قلبي وقلت لمحمد عمر يحي الذي حاول أن يخفف عني بكلماته الطيبة والتي أجبت عليها بالآتي:

يا محمد عمر لا أريد أن أبقى هنا ولا ثانية واحدة أريد العودة... ماذا سيقول التاريخ وقبل التاريخ ضميرنا عن هذه الكارثة وأبطالها...؟

يجب تصفية كل من هو مسؤول عن هذه الكارثة، وترك جثثهم للوحوش والضواري لتنهشهم أحياء وتأكلهم.

كان الألم يملأ نفسي، عدت إلى كسلا لم أنم طوال تلك الليلة، كان طيف المرأة الإرترية التي هتك عرضها الضابط الإثيوبي وألقاها عارية والذي اغتصبها بعده عدد كبير من الجنود بهمجية ووحشية لا يمكن وصفها...

عندما وصلت إلى مكان جثتها كانت بقايا الاغتصاب والوحشية لاتزال على جسدها وبعد بحث مضني عن الضابط الاثيوبي الذي فعل فعلته الشنيعة ألقي القبض عليه وقمت بما يملأه علي الشرف ونفذت الحكم العادل عليه بأربعة عشر طلقة من مسدسي... رحم الله المناضل محمود حسب الذي كان حاضرا على تنفيذ العدالة بالمجرم ثم قمت بدفن المسكينة حسب الشريعة، لقد مر على هذه الحادثة سنوات طويلة لكني مازلت أعيش أحداثها، كان هذا في إحدى قرى (بركه لعال) حيث كنت أنا أحمد أبو سعدة والشهيد البطل محمود حسب وبعض الأخوة المناضلين شهود على هذه العملية الهمجية، هل ذهب دم حليمة وشرفها هدرا، هل ذهب دم آلاف الشهداء المناضلين هدرا، هل ذهبت البيوت والقرى التي دمرت وأحرقت سدى، هل السلاح السوري والعراقي ذهب هدرا...؟ لالالا، إن الشعب الإرتري شعب أمين مكافح شعب صابر شجاع... وتتالت الأحداث بسرعة.

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No right click